في مدينة غزة، مرت شهور منذ أن اضطرت هدى أبو ليلى إلى تقديم الشاي والخبز فقط لبناتها الخمس في الفطور. لكن هذا الأسبوع عادت إلى ذلك بعد أن قيّدت إسرائيل دخول البضائع إلى غزة في وقت سابق من الشهر. بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة على غزة والحصار الذي يترك الأسواق شبه فارغة والأسعار مرتفعة، اعتادت هدى، 30 عاما، على صعوبة توفير غذاء متوازن ومغذٍ لأطفالها بين 18 شهرا و10 سنوات. لكن الوضع الحالي، مع نقص البضائع التجارية وارتفاع الأسعار وتقليص المساعدات، جعل توفير ما يكفي من الطعام أصعب.
قالت هدى: “تأثرنا فورا. لم نجد بيضا ولا حليبا، ولا نملك المال لتخزين الطعام”. تعيش مع بناتها في خيمة غرب مدينة غزة. أصيب زوجها خلال الحرب ولم يعد قادرا على العمل، بينما تكسب مبلغا صغيرا من خبزها للناس. في بعض الأيام تأكل العائلة الفاصوليا المعلبة مع الدقة أو الزعتر، وفي أيام أخرى مثل هذا الأسبوع يغمسون الخبز في الشاي. أكثر ما يقلقها أثر تدهور الوضع على صحة أطفالها، خصوصا أنها تواجه صعوبة أصلا في توفير غذاء مغذٍ كافٍ.
أوقفت إسرائيل الشحنات التجارية إلى غزة في 14 أكتوبر، ما أربك إمدادات الغذاء وغيرها من الضروريات وفرض نقصا إضافيا على عائلات تعاني من الأسعار المرتفعة. جاء التعليق وسط خلاف حول مطالبة التجار بدفع 10 آلاف شيكل، أي نحو 3225 دولارا، عن كل شاحنة. وفي 19 أكتوبر أعلنت إسرائيل أن الشحنات التجارية ستستأنف تدريجيا. وقالت هيئة التنسيق الإسرائيلية “كوغات” إن التجار أفادوا بأن حماس سحبت المطلب. أما حماس فقالت إن الدفع مساهمة طوعية في صندوق يدعم المتضررين من الحرب.
جاء ذلك في وقت تقلصت فيه المساعدات الإنسانية أيضا. ففي 19 أكتوبر أعلن برنامج الأغذية العالمي أن نقص التمويل اضطره إلى خفض المساعدات الغذائية في غزة. قلص البرنامج عدد المستفيدين من 1.6 مليون شخص في سبتمبر إلى 1.1 مليون في أكتوبر. كما خفّض الحصص الغذائية إلى النصف، فصار الأهل يتلقون سلة واحدة بدلا من سلتين، مع كيس أصغر من دقيق القمح. وانخفض عدد الوجبات الساخنة اليومية من 250 ألف وجبة إلى 150 ألفا. وقال البرنامج إن نحو 1.4 مليون شخص في غزة، أي نحو ثلثي السكان، يواجهون انعداما حادا للأمن الغذائي بمستويات أزمة أو أسوأ. وكانت المجاعة قد أُعلنت في مدينة غزة في أغسطس 2025، وفي ديسمبر من العام نفسه قالت الجهة المدعومة من الأمم المتحدة إنها تراجعت بعد بدء وقف إطلاق النار قبل شهرين.
عائلات تكافح لتوفير وجبات مغذية
تعني الأزمة بالنسبة إلى هدى أنها لم تعد قادرة على شراء كثير من الأطعمة التي تحتاجها بناتها لغذاء متوازن. أصبح البيض باهظا، فقد سألها بائع حديثا عن 60 شيكلا، أي نحو 19.40 دولارا، لعلبة بيض. وقالت إن بعض المتاجر تبدو كأنها تحتجز البضائع. صارت الخضروات الطازجة صعبة أيضا؛ فعندما تذهب إلى السوق، نحو مرة أسبوعيا، تشتري كميات صغيرة فقط. قالت: “البصل بنحو 10 شيكل للكيلوغرام، والطماطم بين 10 و15 شيكلا للكيلوغرام”. الغالبية العظمى من سكان غزة عاطلون عن العمل بسبب الحرب والقيود التي تعيق إعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد. بدأ نقص الطعام يؤثر في أطفال هدى؛ فهم يجدون صعوبة في التركيز وكثيرا ما يشعرون بالدوار والإرهاق. تدهورت صحة ابنتها الكبرى سلمى لدرجة أنها تتلقى متابعة في مستشفى الرنتيسي بغزة، حيث نصحها طبيب بتحسين غذاء ابنتها. قالت هدى: “مررنا بكثير من المشقة خلال السنوات الثلاث الماضية. أخشى أن تمرض بناتي إذا لم أستطع توفير غذاء مغذٍ كافٍ لهن”.
رائدة صبوح، 40 عاما، تقول إن عائلتها اعتمدت على المطابخ المجتمعية لأشهر، وإن أطفالها حرموا من الحليب واللحم والبيض والجبن. وبالنسبة إليها، يعني تأمين الطعام لعائلة من تسعة أفراد أن أطفالها مرّوا أشهرا دون بعض الأطعمة الضرورية لصحتهم. وهي نازحة من بيت لاهيا شمال غزة، وتعيش الآن في مدينة غزة. قالت إن عائلتها اعتمدت طويلا على المطابخ المجتمعية المعروفة محليا بـ”التكية”، حتى قبل تعطل الإمدادات التجارية الأخير. وأضافت: “عندما يتوفر طعام في المطبخ نأكل منه”. عادة يتناول الأطفال الشاي في الفطور، ووجبة من المطبخ المجتمعي في الغداء، وفي المساء يأكلون أحيانا الفلافل أو الأرز أو العدس أو المعكرونة. لكن الحليب واللحم والبيض والجبن غابت عن غذائهم نحو ثمانية أشهر، كما قالت، وآخر مرة اشترت فيها خضروات كانت قبل نحو شهر. وأضافت أنها لم تعد تشتري الأشياء ذات الجودة الجيدة. قالت صبوح: «لا أشتري إلا ما نحتاجه وما نقدر على دفع ثمنه». وتُظهر تجربتها قلقاً أوسع بشأن تغذية الأطفال في قطاع غزة.
ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، أُدخل أكثر من 2800 طفل إلى المستشفيات لتلقي علاج سوء التغذية في أيلول (سبتمبر)، بينهم أكثر من 360 طفلاً يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم.
وذكر المكتب في تقرير نشره في 19 تشرين الأول (أكتوبر) أن نحو 3000 طفل بين ستة أشهر وخمس سنوات يواصلون دخول المستشفيات لتلقي علاج سوء التغذية كل شهر.
كما أظهر مسح للتغذية دعمته اليونيسف ونُشر في آب (أغسطس) أن 12.2 في المائة من الأطفال دون سن الخامسة في المناطق التي يستطيع الباحثون الوصول إليها يعانون من التقزم، وهو علامة على ضعف النمو مرتبط بمشكلات تغذوية وصحية ممتدة.
وحذّر الدكتور محمد الراعي، وهو طبيب أطفال وأخصائي تغذية في مدينة غزة، من أن استمرار القيود على دخول الغذاء إلى غزة قد يؤدي إلى زيادة أكبر في سوء تغذية الأطفال، في وقت يفتقد فيه الأطفال بالفعل الوجبات المتوازنة التي يحتاجونها للنمو والتعافي.
وقال إن المستشفيات تواصل استقبال أطفال يعانون من سوء التغذية المتوسط والوخيم، على الرغم من تحسن الوضع بعد فترات سابقة من المجاعة. وأضاف أن الحالات لا تقتصر على الأطفال دون الخامسة، بل تشمل أيضاً أطفالاً أكبر سناً، بينهم من تتراوح أعمارهم بين خمس و17 سنة.
وأشار الراعي إلى أن بعض الأطفال يعانون من سوء تغذية وخيم مصحوب بتورم في الساقين، وهي حالة مرتبطة بنقص شديد في البروتين. وربط هذه الحالات بأسر تعيش على وجبة واحدة يغلب عليها النشويات، من دون بروتين كافٍ، لأنها لا تستطيع تحمل تكلفة غذاء أكثر تغذية.
وقال: «حتى عندما كانت المعابر مفتوحة والغذاء يدخل، كنا نرى هذه الحالات. الأطفال لا يتعافون من سوء التغذية في شهر أو شهرين. بعض الحالات تحتاج إلى ثلاثة أو ستة أشهر للتعافي». وأضاف: «إذا استمر الوضع على هذا النحو، فنتوقع رؤية المزيد من حالات سوء التغذية».
أما رائدة، فقد بدأت عواقب ذلك تظهر في حياة أطفالها اليومية. وقالت إنهم أصبحوا ضعفاء ويتعبون بسرعة، وهو ما يتركها قلقة على صحتهم بعد أشهر من الغذاء غير الكافي.
وقالت: «يبدو أنهم يقضون اليوم كله نائمين. عندما أطلب من أحدهم أن يحمل عبوة ماء، قد يستطيع ذلك مرة واحدة، لكنه لا يستطيع تكرارها». وأضافت: «أشعر بالأسف عليه وأسأل نفسي: هل يحصل على تغذية مناسبة؟ هل يأكل مثل بقية الأطفال؟».
وقالت رائدة إن الأسرة لا تملك مصدر دخل ثابتاً. وأضافت أن المنطقة التي يعيشون فيها غير معترف بها كمخيم رسمي، لذلك لا يحصلون على قسائم المساعدة ومستلزمات النظافة نفسها التي تحصل عليها بعض المخيمات الأخرى.
ومثل كثير من الآباء في غزة، تجد نفسها تحاول تلبية احتياجاتهم الأساسية بما تستطيع العثور عليه من غذاء وبما تستطيع تحمل تكلفته.
وقالت: «آمل أن يساعدنا أحد ويقف معنا في هذه الظروف الصعبة. آمل أن تنتهي الحرب ويتحسن الوضع وتفتح المعابر، حتى تنخفض الأسعار».