حماية الوجود الفلسطيني أولى من انتظار الحل السياسي
لعقود، ظل رد الفعل الدولي على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يدور حول البحث عن تسوية سياسية. لكن هذه الاستراتيجية اليوم تغفل بشكل متزايد المسألة الأكثر إلحاحاً: الحياة المدنية الفلسطينية والبنى الاجتماعية في خطر شديد بسبب استمرار الاستعمار الاستيطاني لفلسطين.
في غزة، أدت حرب إبادة جماعية إلى مقتل أكثر من 74 ألف شخص، وخلقت ظروفاً لوفيات زائدة بعشرات الآلاف. وقد دمرت أحياء كاملة وبنى تحتية حيوية، ودفعت قطاعي التعليم والصحة إلى الانهيار.
وفي الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية المحتلة، تعمل آليات تدمير مختلفة: عنف المستوطنين والجيش، والتهجير القسري، وتقييد الحركة، وفقدان الوصول إلى الأراضي الزراعية وسبل العيش، والضغط المالي على الإدارة المدنية الفلسطينية، وغير ذلك.
ومجتمعة، تؤثر هذه السياسات في قدرة المجتمعات الفلسطينية على الاستمرار في الوجود. ولهذا السبب، هناك حاجة ملحة إلى قوة حماية دولية، لا لمنع العنف الإسرائيلي فقط، بل أيضاً لحماية المدارس والمستشفيات الفلسطينية، وسبل العيش، والوصول إلى المساعدات.
الوجود الفلسطيني في خطر
يستمر استعمار الأرض الفلسطينية منذ عقود. لكن منذ أكتوبر 2023، تسارع الأمر إلى حد جعل الحياة الفلسطينية في فلسطين شبه مستحيلة.
إسرائيل لا تقتل الفلسطينيين فقط، بل تعمل بنشاط على تدمير كل عمود يدعم الحياة الإنسانية: السكن، والرعاية الصحية، والتعليم، وسبل العيش، والأمن.
دمر الجيش الإسرائيلي نحو 81 في المئة من المباني في غزة، وترك 1.9 مليون شخص مشردين بلا منازل. ويعيش الغالبية العظمى من سكان القطاع في خيام أو مآوٍ مؤقتة غير صالحة للسكن البشري على المدى الطويل.
وفي الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية المحتلة، تصاعدت عمليات هدم المنازل تحت ذريعة غياب تراخيص البناء. وبحسب منظمة الحق، فقد تم تهجير 46 مجتمعاً فلسطينياً قسراً على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين بين 2023 ومنتصف 2025. كما تضررت مجتمعات أخرى بشدة، بينها بعض المجتمعات في قلب الضفة الغربية، ومنها مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم. ومؤخراً، حوصرت الخليل وهُدمت منازل فيها؛ وقد شُرد نحو 5000 شخص واحتُجز 120 على الأقل.
يشهد قطاعا الصحة والتعليم دماراً هائلاً. ففي غزة، لم يبقَ من أصل 36 مستشفى سوى 19 تعمل جزئياً، ومن أصل 158 مركزاً للرعاية الصحية الأولية لم يبقَ سوى 73 تعمل جزئياً. وبحسب يونيسف، دُمرت أو تضررت 98 في المئة من مدارس غزة خلال الحرب.
وفي الضفة الغربية المحتلة، تعاني المستشفيات نقصاً حاداً في التمويل بسبب حجب إسرائيل عائدات الضرائب عن السلطة الفلسطينية. ونتيجة لذلك، تعمل بقدرة منخفضة، ويتزايد عدد الخدمات التي تصبح غير متاحة، في حين تعرقل مئات الحواجز الإسرائيلية عمل الرعاية الطارئة بشكل صحيح.
التعليم في الضفة الغربية أيضاً تحت التهديد. فما لا يقل عن 84 مدرسة، بما فيها مدارس في القدس الشرقية المحتلة، ما زالت تحت أوامر هدم أو وقف أشغال معلقة. وفي الوقت نفسه، يعاني مئات الآلاف من الأطفال من قيود الحركة الإسرائيلية، التي تجعلهم غالباً غير قادرين على الوصول إلى مدارسهم.
كما تضررت سبل العيش الفلسطينية بشدة. ففي غزة، دمرت حملة القصف الشامل الاقتصاد الذي كان أصلاً مشلولاً بسبب الحصار الإسرائيلي.
وفي الضفة الغربية المحتلة، أدت هجمات المستوطنين المتصاعدة وسرقة الأرض وإعلان الجيش الإسرائيلي مناطق معينة مناطق أمنية إلى قطع المزارعين الفلسطينيين عن أرضهم. وكثيرون لم يستطيعوا الزراعة أو الحصاد لثلاث سنوات متتالية، ما قضى على مصدر دخلهم الأساسي.
وبينما ينهار الزراعة الفلسطينية، أعلن برنامج الأغذية العالمي أنه يقلص الحصص الغذائية الشهرية لمئات الآلاف من الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
كما تقلصت فرص العمل بشكل كبير. فقد سحبت السلطات الإسرائيلية تصاريح العمل والسفر التي كانت تسمح للفلسطينيين بالعمل في المنشآت الإسرائيلية.
وفي حين أن أكثر من 90 في المئة من الفلسطينيين في غزة بلا عمل، تضاعفت البطالة في الضفة الغربية منذ 2023 بحسب الأرقام الرسمية، لتصل إلى 29.5 في المئة في 2026. وهذا الرقم مرجح أن يكون أقل من الحقيقة، لأن العمال الذين يبقون بلا عمل أكثر من سنة يخرجون من إحصاءات القوى العاملة.
وفي الوقت نفسه، تحولت السلطة الفلسطينية، التي يفترض أن تدير الحياة الفلسطينية، إلى متعاقد أمني لإسرائيل. فاعتباراً من 2026، تحتجز إسرائيل ما يُقدّر بنحو 4.8 إلى 5 مليارات دولار من عائدات الضرائب والجمارك التي تجمعها لصالح السلطة الفلسطينية. لكنها نقلت ما يكفي لضمان استمرار عمل الأجهزة الأمنية للسلطة، وانخراطها في قمع الشعب الفلسطيني لصالحها.
كل هذا يحدث في ظل استمرار العنف الاستعماري. ففي غزة، يقصف الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين ويطلق النار عليهم يومياً. وفي الضفة الغربية المحتلة، يقتل المستوطنون والجنود الإسرائيليون ويهاجمون ويحرقون وينهبون.
إذا فقد شعب ما السكن، ولم يستطع وضع الطعام على المائدة، ولم يحصل على الرعاية الصحية أو التعليم لأطفاله، وكان يواجه عنفاً مستمراً، فكيف يمكنه البقاء؟ لا يمكنه. وهذه هي الحقيقة التي يعيشها الفلسطينيون اليوم.
الحجة لصالح قوة حماية
هناك أساس قانوني واضح لنشر قوة حماية في فلسطين، لأن إسرائيل تنتهك أعمدة رئيسية من القانون الإنساني الدولي.
فقد وجدت محكمة العدل الدولية أن احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية غير قانوني ويجب إنهاؤه.
وفي حكم منفصل، قالت المحكمة إن على إسرائيل واجباً بتسهيل إدخال المساعدات إلى قطاع غزة، وهو ما تعرقلها إسرائيل فعلياً.
ورغم أن الآراء الاستشارية غير ملزمة، فإن كونها تضع المسؤولية مباشرة على إسرائيل بصفتها قوة احتلال يوفر أساساً قانونياً للمطالبة بتنفيذ هذه المسؤولية.
ويزيد الأمر تعقيداً أن إسرائيل ليست فقط قوة احتلال، بل طرف يعمل بنشاط على تفكيك الحياة المدنية الجماعية والكيان الوطني للشعب الفلسطيني.
كيف يمكن تشكيل قوة حماية؟
في ميثاق الأمم المتحدة، يملك مجلس الأمن صلاحية الموافقة على بعثات السلام، لكن في حالة فلسطين فإن ذلك مستحيل عملياً، بسبب شبه اليقين بأن الولايات المتحدة ستستخدم حق النقض. والبديل الحقيقي موجود في سابقة الاتحاد من أجل السلام عام 1950، حيث يمكن للجمعية العامة أن توصي بإجراءات جماعية، بما فيها استخدام القوة، عندما يكون المجلس مشلولاً. وقد استُخدمت هذه السابقة نحو اثنتي عشرة مرة منذ 1950، وآخرها بشأن أوكرانيا في 2022.
وعلى خلاف قرار مجلس الأمن، فإن هذه التوصية غير ملزمة؛ وقوتها سياسية لا قسرية. لكنها قد تمنح شرعية لتحالف من الدول ترغب في التحرك، وتكون مستعدة لنشر قوة حماية وتمويلها.
وهذا التحالف، الذي يمكن أن يضم جنوب أفريقيا التي قادت بالفعل قضية الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، إلى جانب دول من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، سيحتاج إلى طرح الأمر على الجمعية العامة.
ويمكن السير في هذا المسار مع مواصلة الضغط على واشنطن، لأن الحماية المستدامة تتطلب في النهاية إزالة العرقلة الأميركية، لا الالتفاف حولها بشكل دائم.
والقوة التي تُنشر في نهاية المطاف في فلسطين يجب أن يكون لديها تفويض واضح للتحرك ضد التهديدات لحياة الفلسطينيين. ويجب ألا تكرر تجربة الوجود الدولي المؤقت في الخليل، الذي عمل بين 1994 و2019 وكان مقصوراً على المراقبة والإبلاغ عن الانتهاكات من دون تفويض للتدخل.
بل يجب أن يُفوَّض لقوة الحماية أن تحافظ على سلامة الفلسطينيين وأن تقيم حاجزاً مادياً بين المجتمعات والمستوطنين، مع صلاحية منع الهجمات لا مجرد توثيقها.
ويجب أن يكون نشر قوة حماية دولية من هذا النوع أولوية في الوضع القائم.
إن حماية المجتمع الفلسطيني يجب أن تُعامل كقضية قائمة بذاتها. وأياً كان الحل السياسي في نهاية المطاف، فإن الحفاظ على الأسس الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للحياة المدنية الفلسطينية لا يمكن تأجيله إلى حين وصول حل سياسي.
الآراء الواردة هنا تعبر عن صاحب المقال ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة نت.