في الخليل بالضفة الغربية المحتلة، كان نور النتشة يعرف أن بيته قد لا يكون في أفضل حال عند عودته بعد عشرة أيام من النزوح. سيطرت القوات الإسرائيلية على حي الجلدة في الخليل في 24 أكتوبر، بعد يوم من هجوم قتل فيه مسلحون فلسطينيون جنديين إسرائيليين قرب الموقع. أُعطيت عائلة النتشة عشرين دقيقة لمغادرة البيت، فأخذوا المال والذهب والأوراق المهمة فقط، وتركوا معظم الملابس والأغراض اليومية والصور العائلية.
بعدما سمع أن القوات الإسرائيلية انسحبت، عاد النتشة بحذر ليتفقد البيت يوم الاثنين. وجد الأبواب مفتوحة والبيت مقلوبًا رأسًا على عقب. كانت بعض الأغراض مفقودة، وكذلك طائر ابنته الصغيرة. قال الجراح الذي يبلغ خمسة وثلاثين عامًا: «عندما دخلنا البيت، اختلطت المشاعر. لم تستطع أن تعرف إن كنت سعيدًا بعودتك إلى البيت أم حزينًا لما حدث له». تبدو العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل منتهية، لكن النتشة وعائلته وآلاف آخرون في المدينة تُركوا ليجمعوا ما تبقى من حياتهم.
عودة قلقة
شرح النتشة أن العائلات والجيران تجمعوا مساء الأحد في منطقة وادي الكرم القريبة، قرب بيوتهم، وانتظروا حتى منتصف الليل تقريبًا بعد أن ظهرت تقارير تفيد بانتهاء العملية العسكرية. لكنهم لم يروا أي علامة على الانسحاب، فعادوا إلى أماكن إقامتهم المؤقتة، مع تمسكهم بأمل العودة إلى البيت قريبًا.
ثم تأكد في ساعات الفجر الأولى أن القوات الإسرائيلية انسحبت. قرر النتشة أن يتجه إلى الحي حوالي السادسة صباحًا. وهناك وجد عدة جيران في طريقهم إلى بيوتهم، فانتظر وصول أقاربه قبل أن يدخل المنطقة ويتفقد البيوت. كان معه في البداية والده وشقيقان له وهم يفحصون المنزل، بحثًا عن أي أجسام مشبوهة أو مخاطر محتملة بعد أن وجدوا الأبواب مفتوحة.
بعد أن اطمأنوا إلى أن البيت آمن، بدأ أفراد العائلة التنظيف وإعادة الأشياء إلى نظامها، وأخرجوا ما خافوا أن يكون قد تضرر أو تلوث، في محاولة لجعل البيت صالحًا للسكنى مرة أخرى واستئناف حياتهم اليومية. لكن عودة العائلة لم تخلُ من القلق، خصوصًا لابنة النتشة إيليا، البالغة أربع سنوات. كان أكبر همها مصير طائرها الأليف «ناتوش»، الذي تركته داخل البيت عندما أُجبرت العائلة على المغادرة. لا يعرف النتشة أين الطائر، ولا إن كان قد مات أو أطلقه الجنود الإسرائيليون. أما إيليا فظلت تسأل عن طائرها.
«جنتنا على الأرض»
جاءت عودة العائلات إلى حي الجلدة بعد عشرة أيام من القيود العسكرية وعمليات الإخلاء التي طالت عدة أحياء في الخليل. خلال العملية، أُجبرت مئات العائلات على مغادرة بيوتها، وأُغلقت المتاجر والمؤسسات في تلك المناطق. وبحسب أرقام سابقة نشرتها لجنة الدعم والإغاثة في محافظة الخليل، نزحت 537 عائلة، أي ما يقارب 3300 شخص.
ومع عودة السكان الآن، يبقى حجم الأضرار التي لحقت بالبيوت والأغراض، والآثار المستمرة للأيام التي قضوها بعيدًا، جزءًا من تجربة العائلات التي تحاول إعادة بناء حياتها. أما خالد شاور، البالغ ثمانية وستين عامًا، وهو أيضًا من سكان الحي، فرأى أن الأضرار في البيوت، والأنقاض والدمار الذي خلفته العملية العسكرية، أمور يمكن التعامل معها. لكن الأهم بالنسبة له أن السكان عادوا وأنهم يستطيعون البدء في استعادة الشعور بالاستقرار. قال شاور: «كل شيء يمكن استبداله: الدمار، الأضرار، الأوساخ، كل شيء. لكن الأهم أننا عدنا إلى بيوتنا، جنتنا على الأرض، المكان الذي نجد فيه استقرارنا النفسي والجسدي».