البينالي فينيسيا لا يخلو أبداً من الجدل، وغالباً ما تدور الخلافات حول الأجنحة الوطنية، لذا يتوقع معظم المراقبين والحضور أن يترافق كل دورة من أهم مهرجانات الفن في العالم مع قدر من الفضائح أو النزاعات.
لكن دورة هذا العام، التي تفتتح في مايو، تبدو حتى الآن أكثر إثارة للجدل من المعتاد. فقد تصاعدت احتجاجات الفنانين على وجود إسرائيل ودعت مجموعات متكررة إلى استبعادها، كما تعرّض جناح الولايات المتحدة لانتقادات لافتة أيضاً.
مقالات ذات صلة
ولم يلقَ أي جناح نفس القدر من التدقيق والرفض كما جناح روسيا، الذي استُهدِف ليس فقط من قبل فنانين وقيّمين بل وحتى سياسيين دوليين، وبلغ الجدل حد تدخل الاتحاد الأوروبي. فيما يلي ما تحتاج لمعرفته حول الجناح والاحتجاجات المحيطة به.
ما هو جناح روسيا هذا العام؟
يحمل الجناح هذا العنوان: «الشجرة متجذرة في السماء». يشارك فيه أكثر من خمسين موسيقياً وشاعراً وفيلسوفاً يقدمون رؤية تقول إن «السياسة تزول في أبعاد مؤقتة، بينما الثقافة تتواصل في الأبدية»، كما صرح وزير الثقافة السابق ميخائيل شفيدكوي. وأضاف أن المشروع الجديد يضع الأبدية فوق الاعتبارات الآنية، والثقافة فوق السياسة، وأن ليس الجميع قادرين على استيعاب هذا المنحى.
ولأول مرة منذ غزو أوكرانيا في 2022 يعود روسيا إلى عرض جناحها الدائم في حدائق الجيارديني. في 2022 انسحب ممثلون روس من المشاركة احتجاجاً على الحرب، وأصدرت البينالي آنذاك بيان تقدير لقرار الانسحاب. وفي 2024 اقتصرت مشاركة روسيا بعدم الحضور وسمحت بأن يشغل جناحها وفد بوليفي لم يملك سابقاً جناحاً دائمًا باسم بلاده.
ما كان رد الفعل على عودة روسيا؟
حالما أعلنت روسيا عن نية العودة، اندفعت مجموعات من الفنانين والقيّمين والنشطاء والمؤرخين الفنيين بالاحتجاج والمطالبة بمنع الجناح، وتدخل سياسيون أيضاً. قال وزير الخارجية الأوكراني أندريي سيبيها في مارس إن البينالي «لا يجب أن تتحول إلى منصة لتبييض جرائم الحرب التي ترتكبها روسيا يومياً ضد الشعب الأوكراني وتراثه الثقافي». ثم كررت عشرات الدول الأوروبية الموقف نفسه، مشددة على أن روسيا مُدرجة تحت عقوبات الاتحاد الأوروبي.
حتى الآن أعلن سياسيون من دولتين على الأقل — فنلندا ولاتفيا — أنهم لن يحضروا افتتاح أجنحتهم طالما ظل جناح روسيا حاضراً.
كيف ردّت البينالي؟
قالت إدارة المعرض إنها لا تملك سلطة استبعاد أي دولة معترف بها من قِبل إيطاليا من المشاركة. وجاء في بيان في مارس أن «لا بينالي ترفض أي شكل من أشكال الإقصاء أو الرقابة على الثقافة والفن»، وأن المؤسسة، شأن مدينة البندقية، تظل مكاناً للحوار والانفتاح والحرية الفنية، مع الأمل الراسخ في إنهاء الصراعات والمعاناة. البعض شكّك في حياد البينالي مشيراً إلى موقف 2022 الذي دعم فيه المعرض مبادرة خاصة مكرّسة لأوكرانيا في الجيارديني.
في مارس وقع كل من راغنار كيارّتانسون، توماس ساراسينو، وعضوة بوسي رايوت ناديا تولوكاننيكوفا رسالة مفتوحة تناولت ادعاءات البينالي بالحياد: «القول إن الثقافة فوق السياسة ليس حياداً أبداً»، وأكدت الرسالة أن هذه الصيغة تحولت في حالة روسيا المعاصرة إلى أداة سياسية تروّج للعدوان وتخدم أجندات الدولة بينما تُسوّق كحوار ثقافي.
ثم في أبريل وقع فنانون مشاركون في المعرض الرئيسي، وبعض المستشارين القيمين على المعرض، رسالة مفتوحة طالبت بأن لا يتم تطبيع المشاركة التي تعزز أو تغطي على جرائم حرب، ودعت إلى استبعاد أي وفد رسمي تابع لأنظمة ترتكب جرائم حرب، من ضمنها إسرائيل وروسيا والولايات المتحدة.
ماذا سيحدث الآن؟
حتى اللحظة لم تصدر البينالي استجابه أوسع على موجة الاحتجاجات، التي دفعت الاتحاد الأوروبي إلى زيادة لهجته النقدية تجاه جناح روسيا. الاتحاد، الذي يقدم تمويلاً يُقدَّر بنحو مليوني يورو لكل دورة، كان هدد سابقاً بتقليص الدعم، وأعلن هذا الأسبوع أنه «ينوي» المضي قدماً في تلك التحذيرات. من جهتها فرضت أوكرانيا عقوبات على خمسة أشخاص مرتبطين بجناح روسيا، معتبرة أن إسهاماتهم تُستخدم لتبرير الاعتداء ونشر الدعاية الروسية في الفعاليات الدولية، وتعمل الآن على منع منح تأشيرات للمشاركين في الجناح لدى دول الاتحاد الأوروبي.