استعدوا لحمّى ليوناردو دا فينشي في متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، حيث علّق القيّمون على المتحف، من دون أن يصدر حتى بيان صحفي، لوحة لهذا المعلم الكبير في فصل الربيع الماضي. في زيارة يوم الاثنين، لم تكن اللوحة تحظى بأي اهتمام لافت وهي معلقة في القاعة 609 في الطابق الثاني ضمن قسم اللوحات الأوروبية، بين لوحتين ضخمتين لفرانشيسكو فرانشيا وأندريا سولاريو.
مادونا مع مغزل الغزل (نحو 1505 بحسب البطاقة التعريفية، ونحو 1501 بحسب موقع المتحف)، التي تنسبها البطاقة إلى المعلم واستوديو، تأتي من مجموعة الملياردير كينيث جريفين، مدير صناديق التحوط وأحد جامعي الأعمال الفنية في قائمة آرت نيوز لأفضل 200 جامع. ولم يرد مكتب جريفين على الفور على رسالة بريد إلكتروني تطلب معلومات عن موعد اقتنائه اللوحة.
بعض الأعمال الفنية تشتهر بأسماء ملاكها السابقين؛ فهذه اللوحة لليوناردو تُعرف أيضاً باسم “مادونا لانسداون”، لأنها كانت مملوكة للماركيزة لانسداون، وسُجّلت أول مرة ضمن مجموعتها في القرن التاسع عشر، حسب البطاقة التعريفية. وقد أُنجزت اللوحة لمسؤول فرنسي اسمه فلوريمون روبيرتيه.
تعامل المتحف مع هذه اللوحة الجديدة، وهي الوحيدة لليوناردو المعروضة في قاعاته، بسرية تامة؛ فهي معروضة منذ الربيع، لكن موظفاً في المتحف يلتقي الجمهور قال لآرت نيوز إنه عرف بها من صديق، لا من المتحف. وفي نهاية هذا الأسبوع، نشر تاجر الأعمال الفنية في نيويورك إيفان بيرد عنها على إنستغرام، وهكذا علمت آرت نيوز بالخبر. لكن المراسلة جوديث دوبرزينسكي، صاحبة العين الثاقبة، سبقته إلى المعلومة بنشرها عنها في 5 أبريل. ولم يرسل المتحف معلومات عن اللوحة رغم رسائل بريد إلكتروني عدة من آرت نيوز.
قال بيرد في رسالة إلى آرت نيوز: “من يعلّق لوحة لليوناردو على الحائط وكأنها أمر عادي؟ على ما يبدو، المتروبوليتان.”
من غير المألوف، على أقل تقدير، أن ترى لوحة لليوناردو في أمريكا الشمالية. فمعظم لوحاته توجد في متحف اللوفر أو معرض أوفيزي في فلورنسا. المعرض الوطني للفنون في واشنطن يملك لوحة جينيفرا دي بينشي (نحو 1474/1478)، وهي لوحة دافنشي الوحيدة المعروضة بصفة دائمة في الأمريكتين. وقد تم شراؤها بثمن قياسي بلغ 5 ملايين دولار في عام 1967، أي ما يعادل نحو 50.8 مليون دولار بأسعار اليوم.
لكن هذه الأرقام تظل زهيدة مقارنة بـ450.3 مليون دولار التي حققتها لوحته سالفاتور موندي (نحو 1500) في كريستيز عام 2017، وهو رقم قياسي للوحة في مزاد، ويُعتقد أنه أعلى مبلغ دُفع على الإطلاق مقابل عمل فني.
في لوحة لانسداون، التي يبلغ ارتفاعها نحو 20 بوصة، يجلس الطفل المسيح، وهو بحجم كبير، على الصخور إلى جانب مريم العذراء، وهو يمسك بمغزل على شكل صليب ويحدق فيه. وتسميها البطاقة التعريفية “نيدي نودي”، وهي أداة تُستخدم لتشكيل خيوط الغزل المتراخية في حزم مرتبة؛ وهو هنا يرمز إلى الصلب ويستبق وقوعه. وهناك نسخة أخرى من اللوحة معروضة في المعارض الوطنية الاسكتلندية. تلك النسخة سُرقت عام 2003 من قلعة دراملانريك، وهي مقر إقامة مالكها دوق بوكليو، وكانت قيمتها التقديرية حينها 40 مليون جنيه إسترليني؛ وظلت مفقودة أربع سنوات قبل أن تُستعاد.
وفي رسالة تعود إلى عام 1501، نقلتها البطاقة التعريفية، كتب الأب بييترو دا نوفاريلارا، رئيس رهبنة الكرمل في فلورنسا، إلى راعية النهضة الشهيرة إيزابيلا ديستي، أن الفنان كان يعمل على “مادونا جالسة وكأنها على وشك أن تغزل الخيوط. لقد وضع الطفل قدمه على سلة الغزل، وأمسك بالمغزل، وراح يحدق بانتباه في الأذرع الأربعة التي على شكل صليب. وكأنه مشتاق إلى الصليب، يبتسم ويمسكه بثبات، ولا يريد أن يتخلى عنه لأمه التي تبدو وكأنها تريد انتزاعه منه.”
وكتب الباحث مارتن كيمب في كتالوج صدر عام 2011 عن معرض المعارض الوطنية الاسكتلندية، “ليوناردو دافنشي: لغز مادونا مع مغزل الغزل”، الذي ركز على نسخة بوكليو: “لم يسبق لأحد أن صوّر العذراء والطفل بهذه الطريقة.” أما عن مريم، فيكتب أنه يرى “إحساساً واضحاً بعدم الارتياح، بل بالهاجس، في نظرتها المتوترة ويدها المعلقة”. وعن رمزية الصليب، يكتب: “أدمج ليوناردو معنى الرمز في السرد الجسدي والنفسي للوحة بأسلوب شديد الابتكار”، مضيفاً: “سيكون لهذا النمط الجديد من الرمزية الديناميكية أثر عميق في تطور فن عصر النهضة العالي في فلورنسا.”
وكتب كيمب أن اللوحة ستصبح قريباً معروفة على نطاق واسع في إيطاليا وأوروبا، وستثبت شعبيتها الكبيرة. وفي وقت معرض 2011، ذُكر أن اللوحة كانت موجودة في مجموعة خاصة في نيويورك. وكتب أنها هي ونسخة بوكليو قد وُصفت كلتاهما بأنها الأصلية. ووصف كيمب اللوحة المعلقة في المتروبوليتان بأنها “واحدة من أفضل نسختين للوحة العذراء صُنعتا لروبيرتيه”. وأشار إلى أنها نُسبت على مر السنين بطرق مختلفة: تارة إلى نسخ رسمها أحد الأتباع، وتارة إلى نسخة من الاستوديو، وتارة إلى عمل استوديو “بتدخل جوهري” من ليوناردو، وتارة إلى أنها اللوحة الأصلية. أما الخلفية، فهي ليوناردية بامتياز، وتطابق ما في لوحات أخرى؛ وقد حدد جسراً في المسافة الوسطى بأنه “مطابق تقريباً للجسر الظاهر على يمين الموناليزا”.
وفي 2011، كتب كيمب أنه “لا يميل إلى رؤية اللمسة الشخصية لليوناردو في المعالجة الحرة نسبياً للمشهد الطبيعي، وأن أشكال الصخور والجبال تبدو خالية من التركيب الإيقاعي المميز لخلفياته الأصلية”. غير أنه أضاف: “في الوقت الحالي، أفضل اعتبار اللوحة الموجودة في نيويورك قد أُنجزت في استوديو المعلم في وقت متأخر إلى حد ما عن لوحة بوكليو، لكنها نُفذت تحت إشرافه المباشر، وبمشاركته الفعالة في تصميمها، وربما أيضاً في التنفيذ الفعلي لمجموعة الشخصيات.” لكنه قال في مقابلة هاتفية مع آرت نيوز إنه عدّل تقييمه منذ ذلك الحين: “إنها من ليوناردو والاستوديو.”
وقال كيمب: “أُجريت فحوصات تقنية إضافية أظهرت أن اللوحة ذات أصول معقدة. توجد رسوم تحضيرية أولية لليوناردو في اللوحتين، إحداهما شبه مؤكد أنها كانت لملك فرنسا، والأخرى لموظف بلاط. بدأ ليوناردو تكويناً واحداً، ثم قرر أن يصنع لوحتين حول الموضوع نفسه.”
وعُرضت اللوحة في معرض 2011 “ملوك وملكات ورجال حاشية: الفن في فرنسا في عصر النهضة المبكر” في معهد شيكاغو للفنون، وفي متحف اللوفر ضمن معرضه الضخم في 2019-2020 المكرّس لأعمال الفنان، بمناسبة مرور 500 عام على وفاته.
أما جريفين، وهو جامع من الطراز الأول، فقد أرسل مؤخراً 10 لوحات من أعمال جان ميشيل باسكيات إلى متحف بيريز للفنون في ميامي، من بينها لوحة بلا عنوان من عام 1982 دفع مقابلها 110.5 ملايين دولار في مزاد سوذبيز عام 2017، في رقم قياسي.
وقال كيمب لآرت نيوز: “أنا سعيد لأنها خرجت إلى العرض العام، فقد ظل صاحبها يخفيها منذ وقت طويل. إنها لوحة صغيرة، لكنها بالغة الأهمية.”