حساب ليون بلاك لم يُغلق بعد

الشغف الرئيسي في حياة ليون بلاك هو الفن، وهو حبّ يمكن ردّه بوضوح إلى أمه التي كانت فنانة، وخالته التي عملت في تجارة الأعمال الفنية، وزوجها الذي كان هو الآخر فنانًا. مجموعته الموجودة في منزله الواقع في بارك أفينيو ومنزله الآخر في بيدفورد، خارج نيويورك، يعتبرها كثيرون واحدة من أفضل المجموعات الخاصة في العالم. تقديرها يتجاوز المليار دولار بسهولة، وربما يصل إلى أضعاف هذا الرقم.

في الأراضي الواسعة المحيطة بمنزله في بيدفورد، وضع بلاك مجموعة مذهلة من المنحوتات، من بينها أعمال كبيرة لديفيد سميث، وأريستيد مايول إلى جانب المسبح الداخلي، وجورج ريكي، وألكسندر كالدر، وهنري مور، وإلسورث كيلي، وريتشارد سيرا. وفي غرفة المسبح ذات السقف العالي، لديه منحوتة خشبية كبيرة اسمها «دوتير» صممتها النحّاتة الألمانية أورسولا فون ريدينجسفارد، التي تملك استوديو كبيرًا في بروكلين. في فبراير 2016، زار بلاك مع زوجته ديبرا استوديوها، وكان ينوي شراء منحوتة منها لمنزله في بيدفورد. قالت لاحقًا: «شعرت فورًا أن بلاك محب حقيقي للفن. كل ما كان يهمّه هو النظر إلى العمل الفني، وليس بالضرورة أن أشرحه له أنا أو أي شخص آخر، بل كان يبتلع الصور بعينيه بوضوح، ويعرف بدقة الأعمال التي يحبها».

في بعض الأحيان، كان بلاك يتنافس مع جامعين مليونيرات آخرين في المزادات، من بينهم رونالد لودر، وريث ثروة إستي لودر لمستحضرات التجميل، والسفير الأمريكي السابق لدى النمسا. لودر هو أيضًا العقل والمال وراء «نويه غاليري» في الجادة الخامسة في مانهاتن، والذي يضم جزءًا كبيرًا من مجموعته المذهلة من الفن الألماني والنمساوي، وهي من المجموعات الخاصة القليلة التي تنافس مجموعة بلاك. ومن المنتظر أن يصبح هذا المتحف قريبًا جزءًا من متحف المتروبوليتان. أما مجموعة بلاك، الواقعة على بُعد خمسة عشر بلوكًا جنوبًا من «نويه غاليري»، فهي أفضل من مجموعة لودر، وإن كانت ليست بعد متاحة للجمهور. في 2025، دفع بلاك 38 مليون دولار لشراء قصر وولوورث في 4 إيست 80 ستريت، بعد أن ظل معروضًا للبيع طوال 14 عامًا. ويخطط بلاك لتحويله إلى نسخته الخاصة من «نويه غاليري»، على شكل «مؤسسة» فنية، ولأسباب ضريبية كما يُقال.

وفي إحدى فترات العقد الأول من الألفينيات، رصد لودر رسمة لفنان ألماني كانت معروضة في مزاد سوذبيز. اعتقد أنها «اكتشاف حقيقي»، وخشي أن يكون بلاك قد رصدها هو الآخر ويقدم عرضًا منافسًا. اتصل لودر بمكتب بلاك، فقيل له إن بلاك في اجتماع مجلس إدارة طوال اليوم. ظن لودر أن بلاك لن ينافسه على هذه الرسمة. في صباح يوم المزاد، سافر لودر بالطائرة إلى أوروبا. وعندما بدأ المزاد، انحصرت المنافسة بين لودر وبين «متزايد مجنون» على الهاتف. استمر السعر في الارتفاع حتى بلغ نحو ثلاثين ضعف التقدير، وفي النهاية قرر لودر أن يترك الرسمة لذلك المتزايد «المجنون»، وقال في نفسه إنه عثر على جامع أشد جنونًا من بلاك. وعندما عاد من أوروبا، اتصل ببلاك ليحكي له عن ذلك المتزايد المجنون الذي نافسه. عندها أخبره بلاك أنه هو الذي اشترى الرسمة، وتساءل لماذا لم يصل لودر الرسالة التي تركها له في وقت سابق من ذلك اليوم. قال لودر له: «كنت على متن الطائرة إلى أوروبا».

يُعرف بلاك أيضًا بعمليتي اقتناء شهيرتين تصدّرا عناوين الصحف حول العالم: الأولى رسمة إدوارد مونك بعنوان «الصرخة» التي تعود إلى عام 1895، ودفع فيها نحو 120 مليون دولار في يوليو 2012، والثانية منحوتة لبيكاسو تُدعى «تمثال نصفي لامرأة»، وهي عمل جصي يصور وجه ماري-تيريز والتر، التي كانت عشيقة بيكاسو في الماضي. حصل بلاك على هذه المنحوتة في يونيو 2016، بعد نزاع قانوني بين لاري جاجوسيان، أحد تجار الأعمال الفنية لدى بلاك، وبين العائلة المالكة القطرية التي اعتقدت أنها تملكها أيضًا. القصة بدأت عندما باعت مايا ويدماير-بيكاسو، إحدى بنات بيكاسو، التمثال على ما يبدو مقابل 42 مليون دولار إلى ممثل الشيخ جاسم بن عبد العزيز آل ثاني. ثم في مايو 2015، باعت نفس التمثال مرة أخرى إلى جاجوسيان مقابل 106 ملايين دولار، وكان جاجوسيان يتصرف نيابة عن بلاك. من الواضح أن التمثال كان واحدًا فقط، وكان لا يمكن بيعه مرتين. في يونيو 2016، وبعد اتفاق بين الأطراف، انتهى الأمر بحصول بلاك على التمثال وحصول القطريين على تسوية مالية لم يُعلَن عنها.

مجموعة بلاك واسعة ومتنوعة، وتشمل كل شيء بدءًا من رسمة لمايكل أنجلو ومخطوطة أصلية لشكسبير، وصولًا إلى مزهريات صينية قديمة ولوحة لجاسبر جونز يتقاسم ملكيتها مع كين غريفين، مدير صناديق التحوط. هناك رسوم لفان غوخ، وألوان مائية لتيرنر، ورسمتان لرافاييل دفع بلاك نحو خمسين مليون دولار عن كل واحدة منهما. وفي شبابه، كان بلاك، كما قال لي، «جامعًا مدمنًا» لبطاقات البيسبول والطوابع والعملات المعدنية. وكانت بعض المطاعم المحلية في مانهاتن تسمح له وهو صغير بأن يفتش في أدراج النقود بحثًا عن بنسات ونيكلات وعملات صغيرة قد تكون نادرة أو فريدة. وبالقرب من شقة العائلة، كان هناك رجل عجوز مختص بالطوابع، كان بلاك يزوره في طريقه إلى البيت بعد المدرسة، وتعلم منه الكثير عن الطوابع وهواية جمعها. قال بلاك: «حصلت على الجائزة الدولية عن عرضي حول الطيران والطوابع. تتعلم الكثير، فجزء من هواية الجمع هو البحث والتعلم». وهو يعترف بأن هوايته في الجمع كانت تقترب من الهوس، لكنها على الأقل كانت هوسًا صحيًا. وقال لي: «لطالما آمنت أن أحد الأشياء التي تستحق الاحتفاء حقًا، وهي ما يميزنا عن الحيوانات، هو الروح الإبداعية للإنسان». قال بلاك إنه يجمع الأعمال الفنية، والطبعات الأولى من الأدب العظيم والشعر، والرسوم الأصلية للاكتشافات العلمية، واصفًا هذا الاقتناء بأنه «مرض قهري تقريبًا». وكان بلاك في مراهقته يثير الفوضى في المتاحف الأوروبية التي كان يزورها لأنه كان يقف قريبًا جدًا من الأعمال الفنية. وقال: «أحب أن ألمس العمل الفني فعلًا. في إيطاليا، أطلقتُ عددًا من أجهزة الإنذار».

وأضاف أنه يستمتع أثناء التفكير في الشراء بدراسة الفنان والبحث عنه في السياق الذي أنجز فيه أعماله. قال: «أحب ما تتعلمه. كل هذا البحث عن الفنان وعن مسيرته كلها، وأين يقع هذا العمل في مسيرته، وماذا كان يحدث أيضًا في تلك الفترة، ومن هم الآخرون الذين يقدمون أعمالًا مثيرة، وما الاختلافات بينهم؟ وأنت تستمر في التعلم». كما كان يستمتع بالمفاوضات على شراء قطعة فنية؛ إذ ترأس لسنوات قسم الاندماج والاستحواذ في شركة دركسيل برنهام التي لم تعد قائمة. لكنه قال: «لا يمكنك أن تتفاوض إلا إلى حد معيّن إذا كنت ستقتني أعمالًا نوعية… لا يمكنك أن تظن أنك ستحصل على صفقات رخيصة».

وحول متعة الاقتناء، قال بلاك إنه يحب أن تحيط به مقتنياته: «أحب العيش مع هذه الأشياء، وأنا محظوظ بما يكفي لأن تبقى في يدي لسنوات. وعندما أرحل، ستنتقل إلى غيري؛ فقد أنشئ متحفًا لبعضها، أو ستذهب إلى من يقدرونها. كل قطعة تمنحني نوعًا مختلفًا من الرضا، ولا أملّ من قضاء الوقت معها. الجمال شيء خاص، والإبداع شيء خاص، وأنا محظوظ لأن لديّ عينًا ثاقبة».

وعن انتقاله من جمع العملات والطوابع وبطاقات البيسبول إلى دفع نحو 120 مليون دولار مقابل لوحة بألوان الباستيل لإدفارد مونك، قال بلاك إنه أحب مونك دائمًا، ويعتبره أبا الحداثة في الفن. وأضاف أن كثيرين يرون أن حداثة الفن بدأت مع لوحة بيكاسو «آنسات أفينيون» في متحف الفن الحديث في نيويورك، لكنه يعتقد أنها بدأت مع «الصرخة».

وسألته عن تفضيله «الصرخة»، فقدم شرحًا موجزًا للمدارس الفنية قبل الحداثة. قال: «الرومانسية تهتم بالطبيعة، وتحديدًا برعب الطبيعة. فرانكنشتاين رواية رومانسية من العصر الرومانسي، وكذلك ألوان تورنر والزلازل أو الانهيارات الثلجية في لوحاته. تلك هي الرومانسية؛ إنها عن الطبيعة. الانطباعية تتناول أمورًا أخرى. أما الحداثة فتعني الانطواء على الذات، والدخول إلى أعماق النفس، والانتقال إلى ما أعلنه نيتشه: الله ميت. ليس الأمر دينيًا، وليس عن الطبيعة، بل عن إنسان ينعطف نحو داخله، ويصبح مشغولًا بالوجود، ومعتمدًا على نفسه، وهذا جزء كبير من الحداثة. تراه في السريالية، وتراه في أحلام فرويد. ثم جاء مونك ليقدم “الصرخة”، وهي أول صورة أيقونية فعلية للإنسان المنعطف على ذاته، والذي يعايش كونه إنسانًا لا عبدًا لإله ميت ولا للكثير من المدارس الأخرى».

يقرأ  مستوحاة من عالم الحيوان.. قطع مرحة تلتقي فيها الوظيفة بالشكل في أعمال سيراميكا ماتيلدا

وأشار إلى لوحتين لمونك من عام 1894، هما «القلق» و«البلوغ»، وتظهر في إحداهما فتاة صغيرة عارية جالسة على حافة سريرها، تبدو عليها علامات اليأس، وخلفها سحابة سوداء كبيرة على الحائط. وقال: «لم يُنجز عمل فني مثل هذا من قبل».

وكان بلاك قد عقد العزم على اقتناء «الصرخة» إذا عُرضت للبيع للمرة الأولى إحدى نسخ أشهر أعمال مونك، الذي أنجز أربع نسخ منها. نسختان رسمهما عام 1893؛ الأولى صغيرة ومظلمة وفكرية، وفيها نقش بالنرويجية يقول: «لا يمكن أن يكون رسمها إلا رجل مجنون»، وهي محفوظة في المتحف الوطني في أوسلو. وهناك نسخة بألوان الباستيل من 1893 في متحف مونك في أوسلو. وبعد عامين، في 1895، رسم مونك نسخة مشابهة بألوان الباستيل على كرتون بناء على تكليف مدفوع من عائلة أولسن. قال بلاك إنها الأكثر إشراقًا، وفي أسفلها كتب بالنرويجية أنه كان يعبر جسرًا مع بعض الأصدقاء ثم وجد نفسه وحيدًا، فشعر بقلق شديد وسمع «صرخة الطبيعة». وفي عام 1910 رسم نسخة أخيرة محفوظة أيضًا في متحف مونك، ووصفها بلاك بأنها «شبه كاريكاتورية».

وفي مايو 2012، أوكل قطب الشحن النرويجي بيتر أولسن إلى دار سوذبيز في لندن بيع نسخة 1895 من «الصرخة»، وفي ذلك الوقت تحرك بلاك سريعًا. سمحت الدار له بأخذ اللوحة إلى منزله ثلاثة أو أربعة أيام، فقال: «قضيت معها وقتًا طويلًا في الليل». وعن سر هذه الثقة، قال: «يعرفون أنني جامع كبير، ويعرفون أنني قادر على الدفع، ويعرفون أن فرص شرائي شيئًا تزيد إذا قضيت معه وقتًا». وبعد أن قضى معها هذه الأيام، قرر أنها لوحة رائعة وأنه يريدها، لكنه قال: «إذا قررت أنني لا بد أن أمتلك شيئًا، فهذا لا يعني أنني سأدفع أي ثمن».

أُقيم المزاد ليلًا، وكان بلاك في منزله يتحدث هاتفيًا مع سوذبيز. وكان ينافسه الممول البريطاني جو لويس، الذي اتُّهم لاحقًا بتمرير معلومات داخلية إلى أصدقائه بوصف ذلك تعويضًا لهم. وتصاعد السعر من 80 مليون دولار إلى 90، ثم إلى 100 مليون. وفي النهاية فاز بلاك. وكان عليه أن يدفع عمولة سوذبيز وضرائب ولاية نيويورك على كامل ثمن الشراء، فبلغ الإجمالي نحو 120 مليون دولار، وهو أحد أعلى الأسعار التي دُفعت مقابل عمل فني حتى ذلك الحين. لم يشعر ليون بلاك بأي ندم على ما اقتناه، ولم تنتابه نوبة ندم المشتري. وقال: “الندم الوحيد الذي أشعر به عادةً هو عندما أتوقف عن المزايدة.” وأضاف أنه شعر أيضاً بالندم عندما باع أعمالاً فنية، وهو أمر نادراً ما فعله، ربما في نحو اثنتي عشرة مرة. وتابع: “فنان مثل بيكاسو كان عظيماً في ست أو سبع مراحل فنية. قد تشتري بعض الأعمال في المرحلة نفسها، ثم تريد أيضاً التنوع بين مراحل مختلفة، إلا إذا كانت هناك مرحلة لا تعجبك. أعتقد أن بيكاسو كان عظيماً من الفترات الزرقاء والوردية والتكعيبية حتى مرحلة دورا مار، لكنني لا أحب أعماله المتأخرة.”

ومنحوتة بيكاسو التي تحمل عنوان “تمثال نصفي لامرأة”، والتي دفع فيها نحو ضعف المبلغ الذي دفعه القطريون مقابل القطعة نفسها على ما يبدو، بدا أنها تسبب له انزعاجاً أكثر. وقال: “لقد دفعت فيها أكثر من ثمنها، لكن هذا النوع من الأعمال نادر جداً، وتلك القطعة مشهورة جداً…” ولم يكن يعلم أن المنحوتة بِيعت سابقاً إلى القطريين، ولا كم دفعوا. وقال: “لم أعرف ذلك إلا بعد شهور.” وفي الواقع، قال له صديقه رونالد لودر إنه كان يمكنه، وربما كان ينبغي له، أن يدفع أكثر، نظراً إلى الأسعار التي تُدفع مقابل منحوتات برانكوشي وجياكوميتي. وأضاف: “هذه القطعة أعظم بكثير من أعمال جياكوميتي وأندر من أعمال برانكوشي.”

ويتذكر جورج غولدنر، الذي ظل رئيساً لقسم الرسومات والمطبوعات في متحف المتروبوليتان لسنوات طويلة، أن بلاك ظل لسنوات يحث المتحف على شراء رسم لألبريشت دورر. وقال غولدنر إنه لم يتبقَّ سوى عدد قليل جداً من الرسوم الجيدة، وإن احتمال بيعها ضعيف. لذلك نصحه بالتفكير في مطبوعات دورر، لكن بلاك ردّ بأنه ليس “جامع مطبوعات”. ومع الوقت، تقبّل بلاك الفكرة وأصبح من المتحمسين للأعمال على الورق. وقال: “لماذا الأعمال على الورق؟ لأنها، بالنسبة إليّ، ما يقرّبك من الفنان ومن أصالة الفكرة التي يريد تحقيقها. أحياناً تكون هذه الأعمال هي النتيجة النهائية، وأحياناً تكون دراسة للوحة تكشف كيف كان يحل المسائل الفنية. إذن الأمر كله يعود إلى العملية الإبداعية، وهي أكثر حميمية.” وفي مرحلة ما، عُرضت على المتحف مجموعة تضم أكثر من مئة مطبوعة من مطبوعات كبار الفنانين القدامى. ويتذكر غولدنر: “اشتراها جميعاً، وأصبح ليون ليس مجرد جامع مطبوعات، بل لعله أبرز جامع مطبوعات في عصرنا.” وعندما تقاعد غولدنر من المتحف، بدأ يعمل لدى بلاك بدوام كامل. ومن قبيل المصادفة أنه كان يسكن بالقرب من بلاك في بيدفورد، مما جعل الأمور أسهل.

وكانت تربط بلاك علاقة تكافلية مع القيمين في متحف المتروبوليتان ومتحف الفن الحديث، وخصوصاً في المتحف الأول. فكانوا يطلعون بعضهم بعضاً على الأعمال المرغوبة التي ستكون إضافة جيدة إلى مجموعة المتحف أو مجموعة بلاك. وأحياناً كان بلاك يشتري العمل المطلوب ويتعهد بمنحه إلى المتحف. وعلى سبيل المثال، أصبح بلاك مهتماً بأعمال الفنان الألماني كاسبر ديفيد فريدريك، ولا سيما الرسوم منها. وقد عاش فريدريك معظم حياته في دريسدن بين عامي 1774 و1840. وقبل أن يبدأ الرسم الزيتي عام 1807، ابتكر “بعضاً من أكثر رسومات المناظر الطبيعية إدهاشاً في وقته”، وفق وصف متحف المتروبوليتان له على موقعه. ومن هذه الرسومات رسمٌ أُنجز عام 1806، يظهر فيه شخص وحيد في جزيرة روغن في بحر البلطيق، قريباً من مسقط رأس فريدريك. وجاء في وصف المتحف للفنان: “ألهمت الجزيرة الجرداء بعض أعظم أعمال فريدريك، حيث جمع بين الملاحظة الدقيقة للطبيعة وروح رومانسية شاملة. وسيظل الإنسان الوحيد الذي يتأمل اتساع الطبيعة موضوعاً متكرراً في أعماله.” ولذلك لا عجب أن أعماله جذبت بلاك. ففي عام 2002 اشترى بلاك رسم فريدريك العائد إلى عام 1806 بعنوان “الساحل الشرقي لروغن مع الراعي”، وتعهد بإهدائه إلى المتحف.

ويروي مؤرخ الفن الألماني فلوريان إيليس في كتابه عن فريدريك “سحر الصمت: رحلة كاسبر ديفيد فريدريك عبر الزمن” قصة جامع من منطقة هسن كان يمرّ بمتجر تحف فرنسي، فاشترى ببضعة فرنكات عدة رسومات لمناظر طبيعية كانت مكدسة خارج باب المتجر. وكان من بينها رسم أعجب والدته كثيراً، فظل معلقاً في منزلها لسنوات. وبعد سنوات، بينما كان الابن يقلب كتاباً عن مجموعة معرض فني في دريسدن، رأى صورة عمل لفريدريك بعنوان “السياج الكبير”، من عام 1832، يشبه إلى حد كبير الرسم الذي اشتراه ببضعة فرنكات. فأخذ الرسم من منزل والدته إلى دريسدن ليقارنه بالعمل الموجود في المعرض. وكتب إيليس أن الحماسة اشتعلت لدى القيمين والجامع معاً. وبمباركة والدته، عزم الجامع على بيع الرسم إلى تاجر في لندن، وبثمن البيع بنى لنفسه منزلاً في زيليغنشتات، ووضع عليه لوحة تذكارية تشير إلى أن عملاً لفريدريك هو ما جعل ذلك ممكناً. وكتب إيليس أن التاجر اللندني باع لاحقاً رسم فريدريك إلى “مشترٍ في نيويورك”، هو بلاك، “بملايين الدولارات”. وبعد ذلك، وافق بلاك على إعارة العمل إلى معرض، لكنه فجأة لم يعد يجده في منزله. وكتب إيليس: “عندما ضربت عاصفة ثلجية نيويورك وفتّش عن معطف شتوي، عثر على دراسة ’السياج الكبير‘ في مؤخرة خزانة الثياب. فقد كانت مدبرة منزله عثرت عليها وهي تنظف المطبخ.”

يقرأ  ١٢ محفظة أعمال لمصورين، مليئة بالأفكار والإلهامبووووووم!ابتكر · ألهم · مجتمع · فن · تصميم · موسيقى · فيلم · تصوير · مشاريع

من جانبها، وصفت آن تيمكين، كبيرة القيمين على قسم التصوير والنحت في متحف الفن الحديث، بلاك بأنه جامع أعمال فنية من نوع خاص. في كتابٍ صدر عام 2016 بمناسبة عيد ميلاد ليون بلاك الخامس والستين، قالت زوجته إنها تحبُّه لحبِّه للأعمال الفنية. وأضافت: «ليس أيَّ عملٍ فني، ولا حتى الأعمال الممتازة فقط، بل أكثر الأعمال تميُّزًا على الإطلاق. ليون كمالي لا يرحم». وكانت تستمتع بمناقشته في الفن. وتابعت: «حسُّه الفطري في تنسيق الأعمال الفنية واضح تمامًا على جدران منازله المدهشة. ويُشاع أن ليون يتجوّل في الغرف في منتصف الليل معيدًا تعليق الأعمال». كما يتذكّر السناتور الأميركي تشاك شومر، في الكتاب نفسه، أن بلاك أمضى معه ذات مرة أربع ساعات «يصف بمحبة اللوحات المعلقة في منزله». وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2000، عُيّن بلاك عضوًا في مجلس أمناء متحف الميتروبوليتان، وهو تعيين لامع يُعلن لمجتمع نيويورك أن صاحبه بلغ مكانة رفيعة، بفضل ثروته الهائلة وذوقه الرفيع. وفي فبراير/شباط 2003، منحه المتحف لقب «زميل مدى الحياة».

وقال لي جون ويلمردينغ، أستاذ تاريخ الفن في دارتموث الراحل، إن مجموعة بلاك مذهلة فعلًا، وإنها من أفضل المجموعات الخاصة في نيويورك. وأضاف أن السعة والقدرة في الاقتناء بهذا المستوى لا تتوفر إلا لقِلّة، وأليس والتون واحدة منهم، لكن ما يذهله أن ليون جمع في مجالات شديدة التنوع وبجودة عالية جدًا: رسومات عصر النهضة لكبار الأساتذة، والخزف الصيني، وفن البوب، ولوحات الأساتذة الأوروبيين الكلاسيكيين. وقال: «إنه أمر يخطف الأنفاس». وفي عام 2018، عيّن متحف الفن الحديث (موما) بلاك رئيسًا لمجلس أمنائه. وكان قد أعار المتحف على مر السنين لوحة «الصرخة» ومنحوتة بيكاسو لدورا مار. وقال: «أعتقد أنه ما دام العمل الفني ليس هشًّا للغاية، فينبغي مشاركته مع الجمهور. أنا أُعير الكثير من الأعمال إلى متاحف في جميع أنحاء العالم». وفي السنة نفسها، تبرع بمبلغ 40 مليون دولار لموما. وكان من غير المألوف أن يجمع شخص واحد بين عضوية مجلس متحف الميتروبوليتان ورئاسة مجلس موما، لذلك قرر بلاك ترك مجلس الميتروبوليتان ومنح مقعده لزوجته.

وبفضل نشر وثائق ما يُعرف بملفات إبستاين في يناير/كانون الثاني 2026، أصبح العالم اليوم يرى بوضوح الحجم الحقيقي لمجموعة بلاك الفنية الاستثنائية، على الأقل كما كانت في مارس/آذار 2017، وهو تاريخ الوثيقة، وقيمتها الهائلة التي تُقدَّر حاليًا بأكثر من 5 مليارات دولار. ومن بين الأعمال الأكثر قيمة في المجموعة، وفق تقييم أُعدّ عام 2017: لوحة بول سيزان «القلعة السوداء» التي قُدّرت بنحو 50 مليون دولار في 2016، ولوحة بيت موندريان «التركيب C بالرمادي والأحمر» وقيمتها 40 مليون دولار، ومنحوتة «الموسى» لكونستانتين برانكوشي وقيمتها 40 مليون دولار، ولوحة كلود مونيه «زنابق الماء» وقيمتها 45 مليون دولار، ولوحة فان غوخ «المحجر بالقرب من سان ريمي» وقيمتها 60 مليون دولار. كما تضم المجموعة عملًا لسيزان قُدّر بنحو 60 مليون دولار، ولوحة لجون كونستابل بنحو 19 مليون دولار، ولوحة لفراغونار بنحو 30 مليون دولار. وفي المجمل، تتجاوز قائمة الجرد خمسين صفحة.

كما كشف الكشف المالي الشخصي لبلاك أنه تعهّد بمنح متحف الفن الحديث ست قطع فنية، بينها عملان لريتشارد سيرا وعمل لجاسبر جونز، وتعهّد بتقديم اثني عشر عملًا إضافيًا إلى متحف الميتروبوليتان، بينها عمل لغوغان وعمل لإنجرس. كما تعهّد بالتبرع بمبلغ 52 مليون دولار لمنظمات خيرية، من بينها دارتموث وجامعة روكفلر وموما، وبما يزيد على 13 مليون دولار لإنشاء حديقة تذكارية لأخته. وقدّمت مؤسسة بلاك العائلية تبرعات خيرية أخرى بقيمة 9.5 ملايين دولار. وبحلول أوائل عام 2024، كان قد أعطى متحف الميتروبوليتان 25 مليون دولار، وقدّم لموما نحو 100 مليون دولار، نقدًا وأعمالًا فنية.

وأظهرت ملفات إبستاين أيضًا أن جيفري إبستاين، رجل المال الذي فُضح أمره، ساعد بلاك في الحصول على قروض من عدة بنوك، مستخدمًا أعماله الفنية الثمينة كضمان. ووفق كشف ميزانية بلاك الشخصية في ديسمبر/كانون الأول 2015، كان قد اقترض 565 مليون دولار من بنك أوف أمريكا. وبلغ إجمالي الاقتراض الشخصي الذي ضمِنه بلاك 627 مليون دولار. وكان لديه أيضًا أكثر من 100 مليون دولار نقدًا، معظمها في «يو إس تراست». كما ظهرت في الكشف ممتلكات ترفيهية فاخرة: طائرة غلف ستريم 5 موديل 2002، ويخت «ستار فاير» من بينيتي موديل 1997 وطوله 178 قدمًا، وقارب «بيك نيك» من هينكلي موديل 1995 وطوله 36 قدمًا، وتشكيلة سيارات ما تزال قيمتها تتجاوز 400 ألف دولار. وبالطبع، كانت له عقارات في ذلك الوقت. وأظهر الكشف أيضًا أنه في الشهرين الأولين من عام 2015، أنفق بلاك وعائلته 75,499 دولارًا على الأعمال الفنية، و35,052 دولارًا على الملابس، من بينها 13,000 دولار في متجر بيرغدورف غودمان، و27,196 دولارًا على تناول الطعام في الخارج، من بينها وجبة واحدة في مطعم «جو ستون كراب» كلفت 7,688 دولارًا، و67,333 دولارًا على المشروبات الكحولية، بما فيها نحو 20,000 دولار أُنفقت في مكان واحد فقط، و105,880 دولارًا على خدمات مهنية، ونحو 72,000 دولار على تنسيق الحدائق، و52,225 دولارًا على المرافق، و25,000 دولار على طائرته الخاصة، و13,440 دولارًا على «الأندية والهوايات»، ونحو 900 دولار على غسيل السيارات.

التقى ليون بلاك بجيفري إبستاين لأول مرة عام 1996. وعندما سألت بلاك هل كان إبستاين ساحرًا أم مجرد شخص يتباهى بمعرفة الأسماء الكبيرة، وهل كان فيه ما لا يعجبه، أجاب: «هيّا. كان ذلك قبل ثلاثين عامًا. لقد كان واحدًا من ألف شخص كنت أقابلهم كل سنة. ومع الوقت، أصبحنا أقرب لأنني وجدته مثيرًا للاهتمام فعلًا». وعلى مدى فترة أطول، قال بلاك إنه استعان بإبستاين في بعض الأعمال المتعلقة بالصناديق الائتمانية والضرائب وتخطيط التركات، «لأنني اعتقدت أنه ذكي جدًا».

وبعد عام واحد، عيّن بلاك إبستاين عضوًا في مجلس أمناء مؤسسته العائلية، وهي خطوة بدت لي شخصية وحميمية إلى حد ما تجاه شخص لا يكاد يعرفه. فتساءلت: لماذا فعل ذلك؟ فأجاب بلاك أولًا إنه يريد أن أعرف أن مجلس أمناء المؤسسة «لم يكن يفعل شيئًا». قال ليون بلاك: «لا أعتقد أننا عقدنا اجتماعًا واحدًا». لكنه استدرك أن إبستاين «كان يفهم الضرائب جيدًا»، وأنه أخبره بأنه يعمل مع كثير من العائلات البارزة في قضايا الضرائب والتركات. ومع أن بلاك قال لي إن هذا الكلام كان تفاخرًا لم يستطع التأكد منه مباشرة بسبب مسائل «الخصوصية والسرية»، إلا أنه أضاف أن المنصب كان شرفيًا وغير مدفوع الأجر، فلماذا لا يضم إلى مجلس مؤسسته العائلية رجلًا خبيرًا في التخطيط الضريبي وشؤون التركات؟

وكانت صناديق يسيطر عليها إبستاين قد دخلت لاحقًا في صفقات بلاك الفنية. فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن بلاك استخدم في عام 2016 ما يُعرف بتبادل 1031، وهو حكم يسمح لمستثمر العقارات ببيع عقار وشراء آخر دون دفع ضريبة على الأرباح الرأسمالية، لبيع منحوتة «فيغور موين الثاني» لألبرتو جياكوميتي بمبلغ 25 مليون دولار إلى صندوق «هيز ترست» الذي كان إبستاين يسيطر عليه، ثم استخدم المبلغ في اليوم نفسه لشراء لوحة «بورتريه دو فاليه دو بروفيل» لبول سيزان بمبلغ 30 مليون دولار. وهكذا تجنب دفع ضريبة أرباح رأس المال على بيع المنحوتة. وكان صندوق «هيز ترست» اشترى أيضًا من بلاك لوحة لجورج براك بخمسة ملايين دولار في صفقة تبادل مماثلة، واستخدم بلاك المال لشراء لوحة أخرى لسيزان. أما المتحدث باسم بلاك، ويت كلاي، فقال للصحيفة إن الصفقات «كانت قانونية ومناسبة تمامًا»، وإن بلاك دفع لإبستاين مقابل خدمات استشارية مالية مشروعة.

وفي الوثائق العديدة المتعلقة بإبستاين التي نشرها جمهوريون في مجلس النواب في نوفمبر 2025، كان هناك نحو 75 رسالة إلكترونية من إبستاين إلى بلاك تعود إلى الفترة بين 2015 و2016. وفي مايو 2016، كتب إبستاين إلى بلاك: «لقد وظفتني لإنتاج عمل فني، ولم يكن ذلك رخيصًا، لكن قيمته تفوق بكثير أي قطعة أخرى في مجموعتك». وكان بلاك يملك بالطبع مجموعة فنية شبه لا تقدّر بثمن. وتابع إبستاين مستخدمًا تشبيهًا متكلفًا: «استغرق مني الأمر ثلاثين عامًا حتى أتمكن من صياغة مثل هذا العمل. وأتفهم رغبتك في تعديله، لكنك تجعل براد يقول لي: أضف القليل من الأحمر هنا، دعني أريك. وأنت تلتقط الفرشاة بنفسك وتضيف بعض الضربات. وتجعل جوسلين ترشه بالماء ليحافظ عليه. وأنا أشتكي بقوة لأن جوسلين تفسد عملي… وأنت تصفني بأني زيوس، بينما أصف نفسي بأني فنان يتفاعل مع تخريب عمله. غير أنني أدرك أنك تملك العمل، ومن حقك أن تطليه أو تمزقه أو تضعه في خزانة تحت الأرض. إنه ملكك». وكتب إبستاين إلى بلاك أن هدفه واضح، وهو أن «ينهي، لا أن يمدد»، علاقاته المالية مع بلاك، حتى يحصل على «آلة تعمل» و«لن يكون الإشراف عليها معقدًا». لكنه أضاف أن «خلقها أمر آخر». ثم شرح لبلاك تكلفة فنه: «لسوء حظنا نحن الاثنين، لم يتغير سعر أعمالي منذ اليوم الأول: 40 مليون دولار سنويًا. وأنا مستعد لخصمها إلى 35 مليونًا لأنني أعطيتك رقمًا خاطئًا حين سألتني، ويجب أن أدفع غرامة الإحراج. وأعرف أيضًا أنك أوضحت لي أنك دفعت بالفعل مبلغًا كبيرًا في رأيك مقابل عملي، لكن قيمته تفوق أي قطعة أخرى في مجموعتك بكثير، وبتكلفة أقل مما اتفقنا عليه».

يقرأ  إطلاق نار جماعي بعد مباراة كرة قدم في ميسيسيبي يودي بحياة أربعة أشخاص

وسألت بلاك: ما الذي كنت تفكر فيه حين أصبح هذا الرجل، الذي عرفته نحو عشر سنوات، وكان عضوًا في مجلس مؤسسته العائلية، وتحدثتما معًا عن شخصيات أولاده وتفاصيلها الدقيقة، فجأة محل تحقيق من مدعين فيدراليين ومحليين بتهمة التحرش بالأطفال، ثم انتهى به الأمر في السجن؟ قال بلاك: «أخذت الأمر بجدية، لكنني لم آخذه بتلك الجدية. أعني، كان مع عاهرة عمرها سبعة عشر عامًا، وحوكم بسبب ذلك وسُجن لمدة عام. وحسب كلامه، حتى تلك الفتاة أرتْه بطاقة هوية تثبت أنها ليست قاصرًا. رأيي أن هناك أمورًا خطيرة وأمورًا أقل خطورة. لم أكن أعتقد أن هذه نهاية العالم، بصراحة. لقد بقيت قريبًا جدًا من مايك ميلكن، ومايك ميلكن سُجن عامين. وبقيت قريبًا من ألفريد توبمان، ومن مارثا ستيوارت. ما زلنا أصدقاء. لقد سُجنوا جميعًا». وبعد أن أشار إلى قائمة بالأشخاص المشاهير الذين تعاملوا مع إبستاين، قال: «لكن معظم من في هذه القائمة قابلتهم بعد إدانة إبستاين في يونيو 2008 في محكمة ولاية فلوريدا. وكان وقتها يتعامل مع مؤسسات كبيرة، مثل جي بي مورغان ودويتشه بنك. لم يكن الأمر وكأنه… مرة أخرى، أحضر بيل غيتس إلى مكتبي. كل ذلك حدث بعد الإدانة. لم أكن أنا فقط لا أعتبر الأمر خطيرًا أو بشعًا، بل معظم العالم لم يفعله أيضًا». غير أنه اعترف في النهاية أن العالم تغيّر كثيرًا منذ ذلك الحين. لكن هذا تغيّر سريعًا بالطبع، وقلّة تأثّرت بهذا القدر الواسع والمدمّر مثل ليون بلاك، مؤسس شركة أبولو غلوبال مانجمنت والرئيس التنفيذي لها، وسليل عشرة أجيال من الحاخامات الأرثوذكس.

في تشرين الأول/أكتوبر 2020، وخلال اجتماع دوري لمجلس إدارة أبولو، طلب بلاك من لجنة تضارب المصالح في المجلس أن تعيّن مستشارين قانونيين خارجيين مستقلين لإجراء مراجعة «شاملة ومستقلة» لعلاقته بإبستين. وقال لي بلاك إن اللجنة استمعت إلى ثلاث شركات محاماة قبل أن تختار أندرو ليفاندر من شركة ديكرت ليتولى التحقيق. وأخبرني أنه الشخصية البارزة الوحيدة المرتبطة بجيفري إبستين التي طلبت أن يحقق فيها مكتب محاماة خارجي مستقل. وأضاف أنه لم يطلب أي من الآخرين — ومنهم ليسلي ويكسنر، وغلين دوبين، وجيس ستالي، وبيل كلينتون، ودونالد ترامب، وسيرغي برين، وآلان ديرشوفيتز، ولاري سامرز، وإيهود باراك، وبيل غيتس — تدقيقًا مستقلًا في علاقته بإبستين، ولم يحصل عليه. وقال بلاك: «أنا طلبت التحقيق. طلبته لأنني أعرف أنني لم أفعل شيئًا خاطئًا».

وفي 22 يناير/كانون الثاني 2021، صدر علنًا تقرير أندرو ليفاندر المنتظر، وهو من 22 صفحة، ويوضح علاقة بلاك بإبستين. يحب بلاك أن يقول إن تقرير ديكرت كان «تبرئة كاملة» له في ما يخص علاقته بإبستين، وهذا صحيح، إذ خلص إلى أنه لم يرتكب أي خطأ. أما ما إذا كان التقرير كشف عن حجم علاقتهما الفعلي، فمن المرجح ألا يُعرف علنًا أبدًا. ورفض ليفاندر إجراء مقابلة حول التقرير.

وبعد شهرين، في 26 مارس/آذار، أعلن متحف الفن الحديث في نيويورك أن بلاك لن يترشح لإعادة انتخابه رئيسًا لمجلس الأمناء عندما تنتهي ولايته في 30 يونيو/حزيران. وكان فنانون مثل نان غولدين وآي ويوي قد انتقدوا المتحف لإبقائه علاقة مع بلاك بعد ما كشفه تقرير ديكرت. وقالت غولدين لجوش كوسمان في نيويورك بوست: «كيف يمكن لمتحف الفن الحديث أن يقف إلى جانب ليون بلاك، الرجل المتحالف مع جيفري إبستين المسؤول عن الاتجار الجنسي بفتيات مراهقات؟» ووفقًا لكوسمان، فإن عددًا من أمناء المتحف طلبوا من بلاك التنحي عن رئاسة المجلس حين تنتهي ولايته. وقال مصدر لكوسمان إن ما كان يعقّد الأمور هو ما إذا كان بلاك سيبقى في مجلس الأمناء، وأضاف: «تذكروا، إذا طرد المتحف بلاك، فسيخسر فرصة الحصول على مجموعته الفنية الشخصية». وبلاك ما يزال في مجلس أمناء المتحف، لكنه لم يعد رئيسًا له.

ومثل كل من قرأ تقرير ديكرت تقريبًا، شعرت أنا أيضًا بعدم التصديق. وقال بلاك في أحاديثنا إنه يتفهم ردّ فعلي ولا يلومني عليه. وأخبرني، في ما يبدو غريبًا، أنه لم يكن جمع المبالغ التي دفعها لإبستين حتى اضطر إلى ذلك ضمن التحقيق الذي أجرته ديكرت. وقال: «كانت الدفعات متتالية، ولم أجمعها يومًا. وبصراحة، كان الرقم الذي ظهر أكبر بكثير مما تصورت». وأضاف: «يمكنك أن تقول إن هذا غير قابل للتصديق… كيف يمكن لهذه العبقرية المالية أن تبدّد مثل هذه المبالغ؟ لا بد من وجود شيء آخر. نعم، أتفهم ذلك. لكن لا يوجد». وقال محاموه في مكتب بول ويس إنهم يوافقون على تقييمه للرسوم التي دفعها لإبستين. وقال أحدهم: «مرة أخرى، نحن محاموه، فخذ كلامنا بقيمته، وقد لا يساوي شيئًا. لكنني جلست معه وناقشته في هذا. أصدّق ما يقوله فعلًا. لا أظنه كان يركز على تراكم المدفوعات خلال تلك السنوات الخمس».

لم يكن بلاك قد انتهى بعد من محاولة تفسير التناقض الغريب بين الرجل الذي وصفته مجلة بيزنس ويك على غلافها بـ«عديم الرحمة»، والرجل الذي يبدو أنه لم يكن يعرف كم دفع لجيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية ضد قاصرين، والذي بلغ مجموع ما دفعه له 158 مليون دولار مقابل نصائح مالية فقط. بدا الأمر وكأنه تبرير ردّده مرارًا، وارتحل إليه، ورأى أنه يفسّر كيف يمكن أن يكون أمران متعاكسان تمامًا صحيحين في الوقت نفسه.

وقال: «سأخبرك بشيء، لأن الموضوع معقّد وينطوي على الناس وشخصياتهم. أنا معروف بأنني مفاوض قاسٍ، وشحيح، وعنيف في المنافسة. كل هذا صحيح. ومن المعروف أيضًا أنني دفعت 50 مليون دولار مقابل عمل لرافاييل، مرتين. ليس مرة واحدة، بل مرتين. رسمان لرافاييل على الورق، كل واحد بخمسين مليون دولار، وبهذا الحجم» — وهنا صنع مربعًا صغيرًا بأصابعه ليدلّ على أن الرسم كان طوله إحدى عشرة بوصة. وأضاف: «لماذا يُستغرب ذلك؟ هل من المستبعد أن أشتري عملين على الورق بخمسين مليون دولار وأكون صاحب أعلى سعر في مزاد، في حين أنني مستثمر أبحث عن القيمة ولم أدفع السعر الأعلى؟ لم تكن هذه طريقتي في أبولو».

وقال إن ذلك لم يكن أغلى ما دفعه في عمل فني واحد. وأضاف: «الصرخة كانت 130 مليون دولار»، في إشارة إلى تحفة مونك بألوان الباستيل التي تعلو المدفأة في قصره في الجانب الشرقي من مانهاتن.

أضف تعليق