شهد الوسط الفني الأميركي في السنوات الأخيرة محاولات جادة لتوجيه الأنظار نحو مدن خارج العواصم الكبرى التي يتركّز فيها سوق الفن؛ فظهرت معارض دورية مثل «كونتربابليك» في سانت لويس، و«ميدينا ترينالي» في شمال ولاية نيويورك، و«فرونت ترينالي» في كليفلاند الذي أُوقِف للأسف، إضافةً إلى معارض قائمة منذ زمن طويل مثل «كارنيغي إنترناشونال» في بيتسبرغ. لكن معرضاً ظل بعيداً إلى حدّ كبير عن دائرة الضوء هو «كونفرج 45»، الذي أسسته عام 2016 تاجرة الأعمال الفنية إليزابيث ليتش في بورتلاند، على أمل أن يلتقي الوسط الفني عند خط العرض 45، في منتصف المسافة بين خط الاستواء والقطب الشمالي.
بدعوة من المنظمين، سافرت مؤخراً إلى مدينة الورود لحضور فعاليات افتتاح الدورة الأخيرة، «هنا، إليك، الآن»، التي أشرفت عليها القيّمة المستقلة لومي تان المقيمة في نيويورك. وتستمر الأعمال في أماكن متعددة حتى تواريخ مختلفة، بعضها يمتد إلى عام 2027. العنوان مستوحى من رواية «العودة إلى البيت دائمًا» للكاتبة أورسولا ك. لي غوين، ابنة بورتلاند، التي صدرت عام 1985. وتوضح لومي تان في نشرة مرافقة للمعرض أن الرواية تصوّر شعباً يرى اللغة المكتوبة «هناك، لأي شخص، في أي وقت»، بينما اللغة المنطوقة متغيّرة دائماً، فهي «هنا، إليك، الآن». وتقول إن الفنانين يخوضون تجربة لي غوين في تخيل أنماط حياة أخرى، مع بقائهم متمسكين بالحاضر، وإنتاج أشكال جديدة من الفكر والشعور يمكن تقديمها للآخرين.
ضمّ المعرض أعمالاً جيدة، لكن الحصيلة الإجمالية لم تكن متوازنة. ففكرة لومي تان مثيرة نظرياً، لكن من الصعب ملاحظة تجلياتها في كثير مما عُرض؛ ثم إن كثيراً من الفن الجيد يصنع أحياناً أشكالاً جديدة من الفكر والشعور قابلة للمشاركة، فما الذي يميز هذا المعرض بالذات؟ يقام المعرض في 16 موقعاً حول المدينة، أغلبها أماكن مخصصة للفنون والثقافة، مثل كلية باسيفيك نورث ويست للفنون، وأوريغون كونتمبوراري، ومعهد بورتلاند للفن المعاصر. كان يمكن للمرء أن يتمنى أماكن أكثر غرابة، تكشف للزائر شيئاً عن المدينة نفسها، لكن جولة الصحافة التي نُظّمت على مدى أيام بدت وكأنها رحلة بالحافلة من قاعة عرض بيضاء إلى أخرى.
من بين الفنانين والفنانات الثمانية والعشرين في المعرض، بعضهم قادم من عواصم الفن، مثل تريشا باغا وروز سالان من نيويورك، وجاكلين كيومي غورك من لوس أنجلوس. لكن أكثر من نصفهم من بورتلاند، بينهم أسماء معروفة مثل سريجون شودري وكيون غاسكين وإيدو رادون. وهناك عدد من الفنانين أعضاء في استوديوهات تدعم ذوي الإعاقات الذهنية، بينهم آرون كانينغهام وميشيل فروم وآني روز ميسر. إنها بادرة نبيلة، لكن من الصعب أن تكتشف كيف اندمج هؤلاء الفنانون في الفكرة الكوراتورية.
بعض الفنانين استجابوا للسياق المحلي بوضوح، مثل ليندا ك. جونسون، التي يتضمن عملها الراقص والتركيبي إشارة إلى أداء سابق قدّمته في المدينة نفسها. أما روز سالان فتقدم تركيب فيديو يتيح للجمهور، داخل مركز تسوق محلي، رؤية حذاء كانت ترتديه الأميرة ديانا، وقد اشترته في مزاد؛ فحزن أهل بورتلاند على وفاتها مثل غيرهم من الناس حول العالم. أما باتريشيا فاسكيز غوميز، فيأتي عملها الصوتي وكتابها الفني من خبرتها في العمل مع شباب محليين يتعلمون اللغة الماياوية.
ما السياق المحلي؟ إنه سياق صعب. في مقال لبين غيلسدورف عن المساحات الفنية المستقلة في بورتلاند، نُشر عام 2019، كانت المدينة قد فقدت مؤسسات مهمة وشهدت قفزات هائلة في الإيجارات، وكان ذلك قبل جائحة كورونا. وبعد عامين، لاحظت دراسة تحمل توقيع الكاتبة نفسها أن المدينة غنية بالفنانين وفقيرة في تمويل الفنون. أما في الاستطلاع غير الرسمي الذي أجرته لومي تان داخل مجتمع الفنون المحلي، فقد تكررت عبارة واحدة، كما تكشف في النشرة: «المدينة بحاجة إلى عودة قوية». لنأمل أن يساهم كونفرج 45 في هذه العودة.
في ما يلي خمسة من أبرز الأعمال في المعرض.
تريشا باغا
تُعرف تريشا باغا بتركيباتها الفيديوية التي تجمع بين التقنية العالية والمنخفضة. عملها في كونفرج 45 هو الأكثر تميزاً في المعرض، ويُقام في مستودع كبير تبلغ مساحته عشرة آلاف قدم مربعة في معهد بورتلاند للفن المعاصر. يحمل العمل اسم «المزيد»، وهي كلمة من أول الكلمات التي يتعلمها كثير من الأطفال. ويقابل في هذا العمل الاستخراج اللامتناهي الذي تقوم عليه صناعة التقنية بالنزعة الإنسانية إلى رعاية مخلوقات ذات رغبات لا تشبع؛ ويظهر طفل الفنانة الذي يرتدي الحفاضة في لقطات الفيديو.
قرب المدخل، توجد نصوص جدارية تتحدث عن غرق سفينة تيتانيك الشهير عام 1912. وإلى جانبها يُعرض فيديو ثلاثي الأبعاد يظهر ستيف جوبز وهو يقدّم موديلات جديدة، أمام طاولات تحاكي تلك الموجودة في متاجر آبل، وفوقها منحوتات سيراميكية وعرة تشبه هواتف وأجهزة لوحية متحجرة جيء بها من الأعماق. تتميز أشرطة الفيديو بخلفيات سوداء وكائنات بحرية تسبح، وفي المستودع المظلم شعرنا وكأننا جميعاً في قاع البحر.
هناك تركيب فيديو كبير على الجدار الخلفي، يُعرض خلف أسوار خشبية بيضاء صغيرة وأرفف كتب أطفال. تجمع اللقطات، بعضها ثلاثي الأبعاد، مشاهد من أفلام روائية وبعض مشاهد استكشاف الفضاء، مع صوت يسأل: «هل كانت طفولتك سعيدة؟». طفلة الفنانة، التي ترتدي أحياناً مصباحاً رأسياً مثل مستكشفة صغيرة، تتهادى في مكان يشبه المنزل، حتى تصبح الألعاب والأثاث وكأنها حقل كويكبات؛ وما يبدو ضخماً يصبح حميماً.
جعلني هذا العمل أفكر في أن انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي قد يكون قادماً، وأن عواقبه قد تكون كارثية علينا جميعاً. وإذا ساءت الأمور بما يكفي، فقد نغرق كلنا. وبعد قرن من الآن، هل سينظر المؤرخون إلى تقنيتنا الحالية بوصفها مجرد بقايا انهيار شيء بدا في يومه أمراً محتوماً؟
ماركوس فيشر
في معرضه في كلية الفنون بجامعة ولاية بورتلاند، يقدّم الفنان والموسيقي ماركوس فيشر تركيباً يمر فيه شريط واحد عبر جهازي تسجيل قديمين، فيتكرر صوت أغنية سويسرية شعبية تعزف على أرغن هوائي يُدار باليد. والده، وهو سويسري المولد، توفي قبل خمسة عشر عاماً. يجسّد العمل الحزن في شريط طويل من الورق الأسود يمر في المكان، مشكلاً حجاباً أمام فيديو يظهر المحيط الهادئ. قال الفنان إن والده كان يشتاق إلى العيش على المحيط الهادئ، وقد تحقق له ذلك في أواخر حياته.
أما الأداء الذي قدّمه في كلية مجتمع بورتلاند في حرم سيلفانيا، وكان بعنوان «نحن ملتقى نهرين»، فقد تناول أيضاً إرث والده ووالدته المولودة في الفلبين. في ركن مزدهر بالخضرة داخل باحة مبنى خرساني صارم، صنع الفنان أصواتاً موسيقية بديعة باستخدام الغيتار وصنج، ثم أُخذت العينات وشُغّلت عبر جهازي أشرطة، فتكررت وتداخلت بطبقات مختلفة، وكأنها صفات وراثية تتبدى بأشكال متفاوتة عبر الأجيال. وعلى مكبرات الصوت، كان صوت الفنان يتحدث عن إرثه الثقافي وعن تجارب والديه المختلفة، ومنها اختباؤهما لإنقاذ حياتهما أثناء الحرب. وختم الأداء بسؤال عميق: «ما الذي سيمر إلى الأسطورة؟ وما الذي سيموت موتاً هادئاً؟»
إيدو رادون
معرض الفنان إيدو رادون من بورتلاند، في كلية باسيفيك نورث ويست للفنون، يحمل عنواناً مأخوذاً من مقولة كارل ماركس: «يصنع الناس تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه كما يشاؤون». يتضمن المعرض تركيباً نحتياً يشبه رقعة شطرنج عملاقة على الأرض، فوقها أربعة عشر تمثالاً صُنعت من مجموعات «إيركتور» المعدنية، وهي لعبة تركيب شهيرة ظهرت عام 1913، إضافة إلى بضع أشكال حمراء منحنية تلتصق بالأرض.
يذكر المنشور المرافق للمعرض مصادر إلهام متشابكة، من بينها الحاسوب العملاق «ديب بلو» من آي بي إم، الذي صنع التاريخ بهزيمته لبطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف. التماثيل في المعرض تأخذ أماكن القطع المتبقية على الرقعة. كما يشير العمل إلى «التركي الميكانيكي»، وهو «أوتوماتون» من القرن الثامن عشر كان يلعب الشطرنج تبين لاحقاً أنه احتيال، إذ كان يختبئ بداخله لاعب شطرنج حقيقي. أما الأشكال الحمراء المنحنية على الأرض، فتحيل إلى منزلقات لعبة «الزحاليق والسلالم».
يمزج رادون بين لعبة الملوك وألعاب الحظ وألعاب الأطفال والخداع المتقن، فجعلني أفكر في أنه على امتداد الزمن، قد يبدو عظماء التاريخ في النهاية كأطفال يلعبون بالزحاليق والسلالم؛ مصائرهم لا تحددها استراتيجياتهم الكبرى فقط، بل أيضاً رمي النرد.
روب ري
في معرض فردي في صالة إس إي كوبر كونتمبوراري، يتعامل الفنان روب ري من سياتل مع القرع بوصفه وسيطاً فنياً. ويشير الفنان إلى أن القرع من أقدم النباتات التي استأنسها البشر، ولذلك فهو يصلح مثالاً على تفاعل النية البشرية مع ما تسميه المواد الصحفية «الفاعلية البيولوجية». ويعرف ري بالتأكيد المقالة الساخرة الشهيرة عن موسم القرع الزخرفي.
يستخدم روب ري تقنية «جادام» الكورية في الزراعة الطبيعية، التي تقوم على تخمير نباتات مستهلكة ونقلها إلى محصول العام التالي. يرى ري أن التخمر يماثل «عمل الذاكرة»، إذ ينتقل شيء حي من جيل إلى جيل. يكتب أن الثقافة الجديدة ترث جزءاً من الماضي، وهذا عندي مماثل للممارسة الفنية.
هناك عمل جداري يذكّر بإفريز البارثينون الذي تظهر فيه شابات ينسجن ثوب بيبلوس لتغطية تمثال مقدس لأثينا. وقد جُمعت شظايا القرع لتشكّل شخصيات ضمن البرنامج النحتي. وفي مكان آخر، تُعرض قرعة كبيرة وعرة داخل هيكل معدني ساعد في تشكيلها. ويحفظ عمل آخر محتويات ملحية في زجاجة؛ وقد تحدث ري في افتتاح المعرض عن ممارسة يستخدمها المخمّرون، وتتمثل في إضافة بقايا السائل من دفعة سابقة إلى دفعة جديدة. مثل عملي فيشر ورادون، يجعلك هذا المعرض تشعر بأنك لست سوى لحظة عابرة في تيار زمني يمتد عبر أجيال متعددة.
كيون غاسكين
قلّما يجعل أداء فني المشاهد يتساءل عمّا إذا كان سينجو حتى نهاية الليلة، لكن الفنان كيون غاسكين من بورتلاند فعل ذلك معي. في «بارن راديو»، وهو نادٍ موسيقي يديره السود ومنصة للموسيقى الإلكترونية، قدّم الفنان أداءه أمام خلفية تركيب جديد للفنانة سيدوني أونيل، وهي أيضاً من بورتلاند. في هذا التركيب، تتدلى ألواح من مادة «تايفك» البيضاء من جانبيّ مساحة صغيرة تطل على الشارع، مرسوم عليها نمط مستوحى من البنية الجزيئية لمبيد حشري ارتبط بحريق وقع عام 1940 في نادي ريثم في ناتشيز بولاية ميسيسيبي. كان الطحلب الإسباني قد رُش بالكيماوي فاشتعل، وأدى الحريق إلى مقتل أكثر من مئتي شخص من السود كانوا مجتمعين في النادي، وإصابة كثيرين آخرين.
فيما تجمّع العشرات في المكان المظلم، كان غاسكين يطل من عليّة في الأعلى، يفتح لفافات ورق التواليت ويقذفها نحو الجمهور، بينما يغني بصوت رتيب عن تاريخ هذا المنتج الورقي، وعن دلالاته العرقية والاستعمارية في نظره. بعدما نزل إلى القاعة الرئيسية مرتدياً معطف مختبر أبيض وشبكة شعر بلاستيكية فقط، أغلق جزئياً شبكة الأمان في واجهة المكان، وكأنه يريد حبسنا أو على الأقل التلميح إلى إمكانية ذلك، ثم سأل إن كان أحدهم يحمل أعواد ثقاب. وقف بعدها على كومة من ورق التواليت المجمّع، وبدأ يلعب بالنار فعلياً، ثم رقص وهو ملفوف بشرائط الورق.
ازداد الموقف إزعاجاً عندما صرخ وسط الأداء قائلاً إنه لا يمكن تهجئة «كونفرج» من دون مقطع «كون»، متّهماً منظمة كونفرج 45 بأنها لم تعوّضه تعويضاً كافياً عن عامين من المحادثات حول عمل أُلغي في النهاية. وردّد عبارة «ادفعوا لي مقابل وقتي». وفي ردّ عبر البريد الإلكتروني، قال متحدث باسم المنظمة إن لديها اتفاقاً موقعاً مع كيون غاسكين على أدائه، يتضمن تعويضاً عن وقت التخطيط السابق لمشروع ذي صلة أُلغي بسبب ضيق الميزانية، وإن الطرفين توصلا إلى شروط مقبولة، وإن المنظمة تدفع له بموجب الاتفاق الموقع.
إذن ما القصة؟ هل حصل الفنان على تعويض كافٍ أم لا؟ الأمر غير واضح. لكن هذا الأداء الجريء أوحى بأن الفنان، عندما يشعر أنه تعرّض لما يكفي من الامتهان، قد يقترب فعلاً من حافة إحراق كل شيء.