عرض شياباريلّي مزيج سريالي من الفن والأزياء

كتب سلفادور دالي في أسفل رسم لخياطة فستان يشبه هياكل عظمية عبارة: «أراكِ الليلة غداً» قبل أن يرسله إلى صديقهة إلسا شياباريلّي. تُعرض هذه الملاحظة العفوية مؤطرة على جدار متحف فيكتوريا وألبرت إلى جانب الفستان العظمي الشهير المصنوع عام 1938، فتمنحنا نافذة مباشرة على موقع المصممة في قلب شبكة فنية وتصميمية نابضة بالجرأة في باريس ثلاثينيات القرن العشرين. معرض “شياپاريلّي: حين يصبح الأزياء فناً” — الأول المخصص للأيقونة الإيطالية في المملكة المتحدة — يستقصي الطرق التي أثّرت بها وشُكِلت بها من تيارات الطليعة في ذروة الحداثة.

مقالات ذات صلة

كانت أكبر منافساتها على تاج «ملكة أزياء باريس» آنذاك، كوكو شانيل، قد وصفَت شياپاريلّي بعبارة ساخرة: «تلك الفنانة الإيطالية التي تفعل ملابس». العبارة تحمل لذعة لكنها لا تخلو من حقيقة؛ فقد تنقل شياپاريلّي بين عالمين: فنون جميلة وتصميم أزياء، أو ربما كانت هي التي كشفت غموض الحدود بينهما. وما يظهره المعرض بوضوح هو أن أعمالها لم تكن مجرد مقلِّدة للسريالية؛ بل إن أفكارها تغلغلت في لوحات وتصاميم السرياليين بقدر ما استلهمت هي منهم. يجادل القيمون على المعرض بأنها كانت سبباً ومحركاً لتجديدات السريالية بقدر ما كانت مستفيدة منها: طبقاً لذلك، جاء هاتف الدالي الشهير على شكل سرطان البحر بعد أن صمّم دالي فستاناً مزيناً بسرطان البحر لشياپاريلّي في 1936، وفي الوقت نفسه الذي كان فيه مولعاً بهذه الكائنات. مرِيت أوبنهايم صنعت فنجانها المغطى بالفرو “الشيء” بعد مزاح مع بيكاسو حول سوار من الفرو صممته لشياپاريلّي. مان راي رسم هارلكين برأس فانوس مضيء عام 1939 مستوحياً مباشرة من معطف الهارلكين في مجموعة الكوميديا الحديثة (أكتوبر 1938). بيكاسو اندهش من سلسلة القبعات التي زينتها حدوة حصان حتى صور نُش إلوار وهي ترتدي واحدة منها.

يقرأ  فولكس فاغن تسلّم المركبة الكهربائية رقم ١٫٥ مليون من طراز آي دي وسط قفزة في المبيعات العالمية

عرض فيكتوريا وألبرت يظهر كيف انسابت الأزياء طبيعياً تحت مظلة الفكر السريالي، رغم أنها كانت تُعتبر آنذاك أقل منزلة من «الفنون الجميلة». الموقف السريالي الذي يعامل الأشياء اليومية كمواضيع أو أدوات للفن جعل الملابس ميداناً خصباً للابتكار: غريزة تحوير أدوات الحياة اليومية إلى ما هو غريب أو مضمحلٍّ عن المألوف أشبعت رغبة السرياليين في قلب المعايير وإظهار ما يكمن في اللاوعي.

إلى جانب الجرأة الخيالية، تمثل إرث شياپاريلّي تبنّيها الحازم لوقائع المرأة الحديثة. بينما كانت بعض قطعها مبالغاً فيها وغير عملية، كانت غالبيتها تتماشى مع حاجات المرأة الحضرية، غالباً العاملة: بدلات بَنطَلون متقنة، سترات تخدع العين تبدو كقمصان، وجاكيتات بجيوب مُوسّعة تُلغي الحاجة إلى حقيبة. تميزت باستخدامها لمواد جديدة، غالباً ضمن عائلة البلاستيك، وأدخلت سحّابات ظاهرة — تكنولوجيا حديثة آنذاك — وفكّرت في قابلية طيّ ملابسها للمسافرة. كانت ثمة طاقة صديقة بين النساء في التزامها بالموازنة بين المرح والفائدة.

في الحرب العالمية الثانية ابتكرت سترة مغطاة بالخضروات حتى أزرار الجزر ذات الشرابات: تصميم لذيذ المظهر لكنه مدروس ليعكس قيم الاكتفاء الغذائي الوطني في زمن الشدائد. كثيراً ما اختزلت أزرارها أفكاراً كبرى؛ ففي مجموعة السيرك البارزة لعام 1938 قدّمت سترة وردية مقبولة للجمهور لكن أزرارها كانت بورسلين على شكل بهلوانين. كما كُلف بعض الفنّانين بتصميم أزرار لها، من بينهم ألبرتو جياكوميتي. في إحدى قاعات المعرض الأخيرة توجد واجهة كاملة للأزرار، وكلُّها قطع مذهلة.

لم تكن شياپاريلّي اسمَ منزلٍ يوميّاً على غرار شانيل أو ديور، اللتين تَمَتَّعا بمعارض ضخمة مماثلة في المتحف. أغلقت دارها عام 1954 وبقيت متوقفة حتى اشتراها دييغو ديلا فالي فأعاد اعاده طرحَ العلامة في العقد الثاني من الألفية. شهدت مايسون شياپاريلّي نهضة تحت إدارة المصمم الإبداعي دانييل روزبيري، وتُعرض تصاميمه أيضاً في المعرض. ورغم إحترام المرء للتحيّة التي يقدمها روزبيري لإرث شياپاريلّي، تبدو أعماله ثانوية مقارنةً بجوهر العرض التاريخي.

يقرأ  واشنطن تعلن بدء المرحلة الثانية من خطة ترامب للسلام في قطاع غزة

المعرض يحتفظ بمستوى إنتاجي مذهل يوازي عروض المتحف الأخرى عن شانيل وديور وحتى مجوهرات كارتييه؛ تجارب تتناغم أحياناً مع ملاهي مبهرة: مسارات عرض مُصوَّرة ببراعة تجعل الزائرين يتوقون لامتلاك القطع المعروضة أكثر من إشغالهم بقراءة نقدية لتاريخ التصميم أو عمليات الصنع. وربما تكشف هذه الديناميكية عن علاقة الأزياء بالاقتصاد والرأسمالية، وهي علاقة تبدو أوضح وأوثق من تلك التي تجمع الفنون الجميلة بالمال — مسألة نميل إلى تغليفها بمقولات فكرية مبهمة تفصلها عن الجانب المادي.

ما أخدته معي عند مغادرتي معرض شياپاريلّي، إلى جانب رغبة لذيذة في اقتناء سترات الخداع البصري، هو إعجاب عميق بعمق شبكتها: النساء اللواتي زينتهن ضمِنَّ كاثرين هيبورن ومارلين ديتريش وطيارة مثل إيمي جونسون والدوقة المطلقة والسيدة الأولى سابقاً واليس سيمبسون. الدينامية المفعمة بالحيوية بين علاقاتها الإبداعية وزبائنها أنتجت أزياءً مذهلة؛ واتجاهها الجديد نحو إمكانات الابداع في الأشياء اليومية ارتَكَز على طاقة تعاونية واحتضان للتوتر بين الفن والتصميم—توتر لا يزال بلا حل لكنه يبعث حيوية حتى اليوم.

أضف تعليق