في معرض نادر، استمتع بفكّ لغز أسلوب وينسلو هومر الفني

يمتدّ حبل مشدود عبر الجزء العلوي من لوحة «Saved» (المنقذة) التي أنجزها وينسلو هومر عام 1889، وهي نقش أنتجه خلال فترة تجاربه في فن الطباعة في النصف الثاني من ثمانينيات القرن التاسع عشر. وتعرض اللوحة ضمن معرض في متحف بورتلاند للفنون في ولاية مين، مخصّص لهذه الفترة القصيرة لكن المهمة في مسيرة الفنان. وفي «Saved»، أعاد هومر صياغة لوحته الزيتية الشهيرة «The Life Line» (خط الحياة) التي رسمها عام 1884، واختزل المشهد الأصلي ليبرز دراما عملية إنقاذ في البحر. كانت اللوحة الأصلية تتضمّن شراعاً منتفخاً من السفينة المنكوبة، مع خلفية من الأرض الثابتة على الشاطئ. أما النقش الأول فكان أقرب إلى الأصل، لكن في «Saved» لا يبقى سوى الحبل الذي يحمل المرأة الفاقدة للوعي ومنقذها. وهما معلّقان بجهاز إنقاذ بحري عُرف باسم «بريتشز بوي» لم يكن قد طُوّر إلا قبل فترة قصيرة، ويتأرجحان أمام أمواج متلاطمة وصخور داكنة، بخطوط حفرها هومر بقوة وعمق. وهكذا تزاوج اللوحة بين تقنيتين للخط: حبل الإنقاذ وعلامة الحفر، وهذا ما يدعم حجة القيّمة رامي ميز حول أهمية النقش في مسيرة هومر الفنية.

يحمل المعرض عنوان «وينسلو هومر: رسام ونقّاش»، ويبدأ من نقطة مألوفة: أول أعمال هومر المطبوعة، ومنها تغطيته الصحفية للحرب الأهلية التي نُشرت في مجلة «هاربرز ويكلي» وجعلت اسمه معروفاً. لكنه بعد أن ترك ما أسماه «حياة الروتين» في الرسم التجاري، وقرر عام 1875 أن يعتمد على الرسم لكسب عيشه، عاد إلى الطباعة في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وهو ما يظهر أنه بقي منفتحاً على العمل بوسائط متنوعة، سواء بدافع فني أو بدافع تسويقي.

كان النقش يشهد انتعاشة في ذلك الوقت الذي بدأ فيه هومر ممارسته، إذ كان يُحتفى به لصفاته الفنية الرفيعة في لحظة أصبحت فيها إعادة الإنتاج الكيميائي الضوئي قادرة على نقل لوحة زيتية بدقة معقولة. وهومر نفسه استخدم هذه العمليات لنقل عدد من لوحاته. ورغم أن معظم نقوشه تعود إلى مواضيع من لوحاته، فإنه كان يعيد صياغة تلك المواضيع ليناسب خصائص وسيطه الجديد.

يقرأ  كوريا الجنوبية × التشيك — مباراة المجموعة في كأس العالم 2026: المنتخبان، موعد الانطلاق والتشكيلات | أخبار كأس العالم 2026

وكما حدث في معرض أقيم مؤخراً في متحف الفنون الجميلة في بوسطن عن ابتكارات هومر في الألوان المائية، بعنوان «من الضوء والهواء»، يفحص هذا المعرض أسلوب هومر في العمل عن كثب، ويتتبّع كيف تغيّر هذا الأسلوب وكيف ظل ثابتاً مع تغيّر المواد. ويعرض المتحف لوحات زيتية ومائية ودراسات وبروفات متعددة، إلى جانب كامل نقوشه، بما يتيح للزائر أن يكتشف عملية النقش مع هومر. فقد تعلّم التقنية بنفسه، كما تعلّم الرسم، وكان يعمل بنشاط على استكشاف الإمكانيات البصرية التي يمنحها التفاعل بين الأزميل والشمع، والحمض والنحاس، والحبر والورق. وقد أنجز هومر نقوشه في معظمها في مرسمه المنزلي في بروتس نيك بولاية مين، الذي يشرف عليه متحف بورتلاند الآن، على ألواح نحاسية كانت تُشحن ذهاباً وإياباً إلى طابعه في نيويورك. وهذه النقوش ثمرة عمل صبور ومتواصل على ساحل الأطلسي الوعر.

لوحة «رأسان: دراسة بعد التيار الخفي» التي تعود إلى حوالي عام 1886 تمنحنا فرصة نادرة لنرى الفنان «يرسم» بالمطبعة. فقد طُبعت من لوح نحاسي أنقذه عامل صيانة من سلة المهملات لأنه أدرك قيمته، وتُظهر الورقة هومر وهو يشتغل على سماكات وكثافات مختلفة للخط، ويكشط مناطق، ويضيف تدرجات لونية للوح بصبغة الكبريت، ويحفظ المناطق المضيئة بورنيش العزل. إنها مثال على تفكير هومر بيديه، واختباره لطرق تشكيل الشكل التي تنفرد بها تقنية النقش.

هذه الاكتشافات قادته إلى نقسه الوحيد الذي لم يستند إلى لوحة سابقة، وهو «صيد السمك بالذباب، ساراناك ليك» (1889). وكانت هناك دراسة أولية بالألوان المائية الرمادية تُظهر رجلاً يصطاد بالذباب الصناعي، وهو الزبون المثالي لهومر، على وشك التقاط سمكة بشبكته. وعند نقل الدراسة إلى النقش، بسّط هومر الخلفية وضخّم وزن الشكل، لكنه حافظ على ازدواجية الماء، الذي يبدو عاكساً وشفافاً في الوقت نفسه، كما حافظ على لمعان الشبكة وثقلها، وعلى توتر خط الصيد الذي يمسك السمكة المعلقة قرب سطح الماء. وقد وقّع هومر على البروفة بتوقيعين: على اليسار «وينسلو هومر، رسام»، وعلى اليمين «وينسلو هومر، نقّاش»، معلناً براعته في وسيطين واستثماره في كليهما.

يقرأ  الاستشارات في الذكاء الاصطناعي خدمات تحتاجها الشركات فعلاً — وما الذي ينبغي تجنّبه

«وينسلو هومر: رسام ونقّاش» معرض علمي يسهم في تاريخ فن هومر ويملأ فجوات في سجله الفني، خاصة من خلال كتالوجه المصاحب الشامل. لكنه أيضاً معرض لمن يجدون متعة في لغز العملية الفنية، ولمن يحبون رؤية فنان يفكر في خياراته التركيبية. وفي هذا الموسم الذي نتأمل فيه الثورة الأمريكية، هو معرض لمن يريد أن يرى فناناً أمريكياً محبوباً يعيد اختراع نفسه من دون أن يفقد صلته بماضيه.

أضف تعليق