كثيرون منا اليوم يفكرون في تغيير المهنة أو الانتقال إلى مكان آخر، أو الاثنين معًا، فالذكاء الاصطناعي والانكماش الاقتصادي يهددان الوظائف التي نتمسك بها. هذا احتمال مخيف، لكن من المفيد أن نتذكر أن تغيير المسار في منتصف الحياة المهنية ليس أمرًا سيئًا في حد ذاته. لقد ظل الناس يفعلون ذلك منذ أجيال ولأسباب كثيرة، وقد يكون في بعض الأحيان أفضل قرار يتخذه الإنسان في حياته.
كينت وود يعيش هذه المرحلة الآن. يقول: “كنت أعتقد أنه بحلول الثلاثين من العمر، على الإنسان أن يكون قد رتب كل أموره في الحياة. لكنني بدلًا من ذلك، انتقلت إلى بلد آخر، وغيّرت مهنتي، وتعلمت تصميم الحركة، وبدأت في بناء استوديو خاص بي.” بعد انتقاله من أمريكا إلى إنجلترا لدعم شريكته، أسس استوديو كوو. يشرح قائلًا: “استوديوهي يطوّر أنظمة حركة للعلامات التجارية؛ أي أنه يعتمد على الهوية الثابتة لعلامة معينة ويحوّلها إلى هوية متحركة تنبض بالحياة.”
ينشر كينت تجربته على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعرض أعماله، ومنها دراسة حالة تخيلية صممها لعلامة أثاث اسمها بيلو. هكذا لفت انتباهنا أول مرة، واتضح لاحقًا أننا لسنا وحدنا. يقول: “منذ أن بدأت مشاركة قصتي عبر الإنترنت، تلقيت موجة من التعليقات والرسائل الخاصة ورسائل البريد الإلكتروني من أشخاص يقولون إنهم استقالوا مؤخرًا من وظائفهم، أو انتقلوا إلى بلدان أخرى، أو غيّروا مسارهم المهني. نحن نعيش في زمن ابتكار متسارع، وهذا النوع من الأزمنة يجلب دائمًا تغييرات كبيرة. الناس من كل الأعمار يعيدون التفكير في شكل حياتهم التي يريدونها فعلًا، خصوصًا بعيدًا عن العمل. جيلي، جيل الألفية والجيل زد، يقف في الواجهة، وكثيرون منا يخاطرون بشكل كبير نتيجة لذلك.”
كان هذا التفكير نفسه هو ما قاده إلى مانشستر. يقول: “أنا هنا أدعم شريكتي، التي قررت أن تعود إلى العمل الأكاديمي بعد تجربة قصيرة في الشركات، وتولّت منصبًا جديدًا في الجامعة. تزوجنا في إيرلندا عام 2022، وكنّا دائمًا منفتحين على العيش في الاتحاد الأوروبي أو بريطانيا إذا سنحت الفرصة المناسبة.”
أما طريقه إلى التصميم فلم يكن مباشرًا. نشأ في منطقة الكاريبي، ثم انتقل إلى فلوريدا ليدخل الجامعة، حيث درس علم حركة الإنسان. عاش بعدها في فلوريدا وتكساس، وعاد لاحقًا إلى الكاريبي، حيث أسس شركة توزّع البضائع بالجملة على الفنادق والمطاعم. يقول: “بطرق كثيرة، يشبه سبب تركي لذلك العمل ما نعيشه جميعًا اليوم في صناعة التصميم. كان نموذج العمل يتغيّر باستمرار، والمواكبة كانت تعني ساعات عمل غير مستدامة، مع تقلص في الأرباح، وارتفاع في تكاليف التشغيل، واضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد. ومع استمرار الأرض في الاهتزاز تحت قدمي، صرت أسأل نفسي إن كان لي مستقبل في هذا المجال.”
ويضيف: “التأثير التراكمي لكل هذا التكيف المستمر مع التحديات، ومع نموذج عمل لم يعد يحتمل، جعلني أعيد التفكير في الاستمرار فيه على المدى الطويل. في الفترة نفسها، حصلت شريكتي على وظيفة في المملكة المتحدة، فكان الانتقال إلى هنا فرصة للبدء من جديد.”
طوّر كينت شغفه بالتسويق والتصميم أثناء إدارته لعمله الخاص. يقول: “كانت لي السيطرة الإبداعية الكاملة. التسعير، المخزون، اسم الشركة، الشعار، الألوان، تناسق الخطوط، الصور، وعلّمت نفسي التصوير بكاميرا رقمية، إضافة إلى كتابة الإعلانات، وإعداد الإعلانات الإذاعية، وتصميم واجهات المتاجر، وبناء الموقع الإلكتروني.”
بعد أن درس علم حركة الإنسان سابقًا، بدا انتقاله إلى تصميم الحركة بمثابة لحظة اكتمال دائرة. أخذ كل ما تعلّمه في الأعمال وتصميم العلامات التجارية، ونقله إلى استوديو خاص. يقول: “أركّز على أنظمة الحركة للعلامات، وأسمّي هذا المجال تصميم العلامة الحركية. برأيي، هذا هو مستقبل بناء العلامات التجارية؛ إذ إن الهوية الحديثة لم تعد مقتصرة على إرشادات ثابتة، بل تمتد لتصبح نظام هوية حركية كامل.”
على المستوى الشخصي، وجد في شمال إنجلترا نسمة هواء جديدة. يقول: “أريد أن أشكر المبدعين في الشمال، فقد كانوا على قدر كبير من الترحيب منذ بدأت حضور الفعاليات. أنا جديد على المدينة، وهذا الدعم يعني لي الكثير. آمل أن تستمر فعاليات مثل بروسيس، ومهرجان الشمال للتصميم، وموشن نورث في النمو، وأتطلع إلى أن أصبح أكثر انخراطًا فيها مع الوقت.”
وهو مصمم على مشاركة رحلته في كل مرحلة. يقول: “أؤمن تمامًا بفكرة أن تضع نفسك في الواجهة. يجب أن تكون ذكيًا بالطبع، وأن تتأكد من أن ما تشاركه يتماشى مع ما تمثله علامتك. لكن بالنسبة لي، ما إذا كان المبدعون بحاجة إلى حضور رقمي أم لا، ليس موضع نقاش.”
في حالته، أثمرت هذه الخطوة مبكرًا. يقول: “حصلت على اجتماع مع استوديو في الشمال لمراجعة دراسة الحالة التي أعددتها، واللقاء بفريقهم من المصممين ذوي الخبرة. إضافة إلى ذلك، ساعدتني مشاركة قصتي في التعرف على كثير من الأشخاص الطيبين، وجعلت اسمي معروفًا في مكان لم أكن أعرف فيه أحدًا.”
ويكمل: “تعرفت على كثيرين يعملون في هذا المجال ويقدّمون أشياء رائعة، وخرجت مع بعضهم لتناول مشروب. لو لم أكن موجودًا على الإنترنت، لما كنت سألتقي بهم أبدًا. عندما تشارك قصتك، تصبح اللقاءات أكثر دفئًا؛ لأن الناس يشعرون أنهم يعرفونك سلفًا، وهذا يجعل التواصل مع المصممين المستقلين وبناء شبكة علاقات أسهل بكثير.”
ينصح كينت كل من يمر بالمرحلة نفسها أن يفعل مثله. يقول: “إذا كنت مثلي لا تملك شبكة كبيرة من العملاء، أو وكالات تبقيك مشغولًا دائمًا، فهذه أفضل طريقة لصناعة اسمك، وتسويق أعمالك، والترويج لعملك. النشر على هذه المنصات مجاني في الوقت الحالي على الأقل، لذلك يجب أن نستغل ذلك جيدًا. في النهاية، اعتبره ببساطة بطاقة عملك الرقمية الجديدة.”