لوحة مبكرة لرمبراند أعيد اكتشافها وترميمها — تُعرض في المزاد بقيمة ١٥٫٩ مليون دولار أمريكي

تعرض دار المزادات سوتبيز في لندن لوحة مبكرة مُرمَّمة للفنان الهولندي الكبير رمبرانت فان راين، عُثر عليها قبل أكثر من عقد من الزمن وأعيد نسبتها إلى يد الرّسّام نفسه بعد دراسات فنية وتحليلات تحفظية. خضعت اللوحة لترميم واسع أزاح طبقات طلاء لاحقة قام بها يدٌ أخرى، كاشفاً عن مشاهد وعناصر بصرية يرى الخبراء أنها قد تحمل رسالة تسامحٍ دينيّ في وقت عَمَّت فيه توترات اجتماعية ناجمة جزئياً عن أزمة لجوء.

اللوحة المعنونة “ليأتِ الأطفال الصغار إليّ” (بدأ العمل عليها عام 1627) ستُعرض في مزادٍ يوم 1 تموز/يوليو، بتقييم يراوح بين 8 و12 مليون جنيه إسترليني (نحو 10.6–15.9 مليون دولار). يبلغ ارتفاع اللوحة نحو 40 بوصة، وتعد—بحسب الدار—النسخة الوحيدة المعروفة لهذا الموضوع لدى الرسّام الهولندي. اشترى البائع العمل من دار ليمبيرتز في كولونيا عام 2014، حين كان يُنسب إلى فنان فلاّحي هولندي مجهول من القرن السابع عشر، مقابل 1.5 مليون يورو (حوالي 1.7 مليون دولار بسعر الصرف الحالي). اكتشفها تاجر أمستردام يان سيكس، وهو من نسل شخصيّة سبق أن جلس لها رمبرانت في بورتريه عام 1654، وقد صدّق على نسبتها إليه خبراء مثل كريستوفر براون وإرنست فان دي ويتيرينغ.

لو بلغ العمل تقديره الأعلى فسيكون سابع أغلى أعماله في المزادات (من دون ضمّ عامل التضخّم)، وسيندرِج خلف بعض سجلاته القياسية؛ إذ يحمل أوج رقم قياسي له عمل بيعت قيمته 33.3 مليون دولار في مزاد كريستيز بلندن عام 2009 بعنوان “صورة رجل ووضع ذراعَيه” (1658). وبسعرٍ يصل إلى 15.9 مليون دولار ستأتي هذه اللوحة في موقعٍ قريب من مبلغ 17.9 مليون دولار دُفعت في شباط/فبراير بمزاد لسوثبيز نيويورك (أعلى سعر دفع على الإطلاق لرسم لرمبرانت) عن لوحة “أسد شاب مستريح” (حوالي 1638–42) من مجموعة رجل الأعمال والمحسن توماس س. كابلان.

يقرأ  مصنع الفن المعاصر — المرجع الأول لعالم الفن منذ نحو مئة عام

ترك رمبرانت المقدّمة غير مكتملة لأسباب غير معروفة، فأتمَّها لاحقون—بطريقة يُوصف أنها بدائية—بيد معاصرين أو تلامذة مجهولين؛ وقد أزال المرمّمون تلك الإضافات خلال العقد الماضي.

أظهر الترميم تغييرات جذرية قام بها الرسام اللاحق على عدد من شخصيات المشهد: ظهرُ طفلٍ عارٍ في منتصف اللوحة غضّ بالكثير من الدهن على لباسٍ أضيف لاحقاً؛ وحُوِّلت طفلة صغيرة إلى امرأة بالغة؛ وقد تغيَّر رضيع بين ذراعي المسيح ليبدو أكبر سناً؛ وحتى وجه المسيح وشعره ولحيته طالتها تعديلات.

ثمة تغيير واحد يعتبره البيت مزعماً ذا دلالة خاصة بالقرب من مركز اللوحة جهة اليسار: رجل بدا قبل الترميم بشعرٍ ولحيةٍ بيضاءٍ وعمامة هولندية وهو يشير إلى الشخصيات المركزية، لكن الترميم كشف أن النسخة الأصلية لم تكن ذات الشعر واللحية البيضاء فحسب، بل كانت تُظهره مرتدياً عمامة وملبساً ذا طابع شرقي—مؤشِّراً إلى احتمال أن يكون الرجل مسلمًا، وهو ما يضفي على اللوحة، التي تضم أيضاً شخصيات يهودية ومسيحية، بعداً تواصلياً يدعو للتسامح.

لرمبرانت جذور مختلطة دينيّاً—أمٌّ ذات خلفية كاثوليكية وأب بروتستانتي—مما جعله حساساً للصراعات الطائفية السائدة آنذاك؛ إذ تدفّق إلى مدينة لايدن موجات من اللاجئين الناجمة عن حرب الثلاثين عاماً، واحدة من أشد الصراعات دماراً في التاريخ الأوروبي، ما أفضى إلى توتر اجتماعي محلي. وكان رمبرانت مرتبطاً بحركة الرِيمونسترانتس التي نادت بالتسامح الديني.

كما يذكر المؤرخ الفني أندرو غراهام‑ديكسون في مواد الدعاية الصحفية: “في عام 1627، حين شرع رمبرانت في هذه اللوحة، كانت لايدن تمر بأزمة إنسانية استثنائية. كانت حرب الثلاثين عاماً في أوجها… ومئات الآلاف يفرّون إلى الجمهورية الهولندية كلاجئين.” ويشير غراهام‑ديكسون إلى أن لايدن وحدها استقبلت قرابة 10,000 لاجئ في عام 1626.

ويضيف غراهام‑ديكسون: “حين يرسم رمبرانت هذا المشهد المزدحم للمسيح وهو يرحّب بالأطفال وبالعائلات، يكون ذلك متنازعاً عليه آنذاك؛ فكان هناك من في لايدن لا يريد استقبالهم. لكن ما تستشفّه اللوحة هو أن رمبرانت يقف إلى جانب الإغاثة الإنسانية، وإلى جانب الأطفال المعانين.”

يقرأ  ما نعرفه عن مقتل ناشط محافظ في الولايات المتحدة إثر إطلاق نار

ويختم قائلاً: “إذًا هذه أكثر من لوحة؛ أراها بياناً لموقف رمبرانت الأخلاقي—تعاطفه. هل ثمة رسّام في التاريخ أرحم بالإنسانية من رمبرانت؟ نعم، هو شاب، نعم العمل غير مكتمل، ولكن بالنظر إلى عينيه وإلى حدة تعبيره نشعر أنه هنا يقول نعم للحياة، نعم لمساعدة هؤلاء الناس. نعم، أنا إلى جانب المسيح حين يقول: ‘دعوا الأطفال الصغار يأتون إليّ.'”

وبينما تبدو اللوحة تمثيلاً لمشهد كتابي، فهي أيضاً عملٌ شديد الخصوصية؛ بحسب الدار تتضمن تصاوير لأمه وأبيه وربما لعرّابيه و”أخت العرابة”. يحدد إطار اللوحة سنة 1627، بعد عودة الفنان إلى مدينته الأم لايدن عقب فترة تدرّب على يد الرسام الأمستردامي البارز بيتر لاسمَن. وتقترح دار المزادات أن رمبرانت ربما وضع والديه داخل المشهد كنوع من الامتنان لدعمهما المالي والمعنوي ولإظهار أن استثماراتهما في مساره الفني آتت أُكلها—وهو ما له طعمٌ من السخرية إن عرفنا أنه أعلن إفلاسه عام 1656 بعد إنفاق مفرط واستثمارات غير محسوبة رغم شهرته الدولية المتنامية.

تظهر والدة رمبرانت، كورنيليا ويليمسدروف فان زوتبروك، على يمين الرجل ذي العمامة، بينما يظهر والده هارمن خريتسز فان راين أعلى خلفها وفي الظل. ويطل الفنان بنفسه من أعلى اللوحة، معروياً بقطعٍ بيضاء، يحدق في المشاهد؛ أما الرجل المسن المقرب منه والشخصية المزدوجة الجنس ذات القبعة الفروية أدناه فترجّح الدار أن يكونا عرّابي الفنان، في حين أن الشابة ذات العمامة المُطرَّزة الحاملة لطفل تبدو في الغالب من أفراد أسرته أو منزله، وربما أخت عرابته اليتيمة.

تقول الدار إن اللوحة ربما كانت نفسها التي رُفظت في اثنتين من مجموعات هولندية معاصرة: فقد يملكها في البداية الرجل الثري العازب فلوريس سووب، والذي قد يكون هو ذاته الرجل الظاهر في لوحة عام 1654 الموجودة حالياً في متحف المتروبوليتان بنيويورك. ووردت لوحة مطابقة لوصف هذه العمل في جرد مجموعته ثم انتقلت إلى ابنه ويلهلموس سكريفيريوس، الذي باع لاحقاً عدداً من اللوحات في المزاد، بينها عملان لرمبرانت.

يقرأ  أخيرًا — مبنى للمتحف الجديد يوازي طموحاته

بعد إعادة نسبتها، عُرضت اللوحة ضمن معرض “رمبرانت الشاب” الذي أقيم في متحف دي لاكينهال في لايدن ومتحف آشموليان في أوكسفورد في 2019–2020.

ستكون اللوحة متاحة للعرض العام في دار المزادات اعتباراً من 27 حزيران/يونيو.

أضف تعليق