تملّكني غضب خفيف عندما وصلني البيان الصحفي عن فيلم وثائقي جديد عن جورجيا اوكييف سيُعرض “حول عيد الأم”. ما علاقة أحدهما بالآخر؟ الفنانة، كما يوضح المتحدثون في فيلم Georgia O’Keeffe: The Brightness of Light، لم تكن أبداً أمّاً.
ومع ذلك، يظهر خبير في الفيلم ليقول، بلا تردّد، إنها بلا شك كانت ترغب في أن تكون أُمّاً. رفض زوجها ألفريد ستيغلِتز ذلك. ابنته من زواج سابق أصابتها اكتئاب ما بعد الولادة فتم احتجازها في مؤسسة طبية لبقية حياتها؛ لم يرغب ستيغلِتز في تكرار ذلك الألم. الدليل المقدم على رغبة اوكييف في الأطفال يختصر إلى شيء واحد: كانت امرأة في أوائل الثلاثينيات، وهي مرحلة يتوق فيها كثيرون لإنجاب أطفال.
لكن اوكييف، من بين نساء العالم، لم تكن تشبه معظمهن. «سأعيش حياة مختلفة عنكن يا فتيات»، قالت لزميلاتها في المدرسة. «سأتنازل عن كل شيء من أجل الفن.» وقد فعلت.
إذن لماذا اختيار اوكييف احتفاءً بعيد الأم؟ لأننا ما زلنا عاجزين عن تكريم النساء على شروطهن الأخرى؟ أم لأنّها كانت ترسم زهوراً؟
مقالات ذات صلة
الفيلم، المتاح عبر Apple TV في الأول من يونيو، لا يصنع من اوكييف صورة نمطية للـ”فتاة-الزعيمة” كما قد يخشى المرء؛ بل هو أكثر تعقيداً من ذلك، وموجه لعشّاق اوكييف ومن يودّ استكشافها على حد سواء. هو ثريّ بالخبايا والتفاصيل. ومع ذلك، حتى عندما يعترف مؤرخ فنّ بأنّ «أهمّيتها باتت تقريباً أكبر كرمز من كونها نابعة من عملها الفعلي»، يتأرجح الفيلم بين تجاوز هذا الفخ والدخول فيه مباشرة.
أفلام الفنانين صعبة التنفيذ، لكن اوكييف مرشّحة مثالية: سِيَرَتها وفنّها متلازمان ومثيران على حدّ سواء. ينجح المخرج بول واغنر في إبراز أمرين بالذات: علاقة اوكييف المعقّدة مع ستيغلِتز ورفضها القاطع لقراءات الأعمال بوصفها صوراً لأعضاء تناسلية أنثوية. الاثنان مرتبطان ببعضهما ارتباطاً وثيقاً.
كان ستيغلِتز تاجرَها، وعاشقَها، ولوحته الصدى الفني—وحتى أصبح زوجَها لاحقاً. في بدايات علاقتهما صوّرها عارِية، عشرات الصور المبهرة والحسية التي تُظهر جمالها الحاد والفريد. كانت تلك الصور حدثاً مدوّياً.
ثم، بعد أن بدأ عرض تلك الصور في 1917، قبل أن تكسب النساء حق الاقتراع، عرَض ستيغلِتز أعمالها في صالته 291: أولاً الصور العارية؛ ثم اللوحات—حتى بدت إحداهن تقرأ الأخرى. والأسوأ أنَّه علَّق عملاً رأسيّاً بطريقة أفقية بطريق الخطأ، فأصبحت رؤية تموّجات انعكاسات بحيرة جورج تبدو شبيهة بشفاه أو بأشكال تناسلية. أحد النقّاد، صديق ستيغلِتز، قرأها بتلك النظرة بوضوح: «هذه هي النشوات العظيمة والمؤلمة والرهيبة للمرأة»، هكذا وصف التلال والأشجار.
أصيبت اوكييف بالاستياء وطلبت ألا تُعرض صورها العارية مجدداً. بعدها توقفت عن الانزلاق في التجريد خوفاً من ترك مساحة كبيرة للتأويل. ظلّت تلتزم بأسلوب مُشكّل؛ علموها أن ترسم ما ترى لكنها وجدت النصيحة «سخيفة جداً». ومع ذلك، كانت الزهور—بمنحنياتها وطياتها وأعضائها التناسلية الظاهرة—تقود القراءات الجنسية لتطارِدها حتى يومنا هذا. لعنة المرأة التي تستمتع بجسدها علنًا: تعطيهم شبرًا فيطالبون بالمزيد. أم أنّ النظرة الذكورية ضحلة لدرجة الشبر فقط؟
لم يخلُ زمنهم من البذخ: عاشا في الطابق العلوي لأطول مبنى سكني في العالم آنذاك، يرتديان عباءات سوداء متطابقة وهما يجتاحان نيويورك—زوجان ساحِرتان في عالم الفن، إن وُجدت. تبادلا رسائل غرامية بخط اليد كثيراً ما بلغت ثلاثين صفحة، لتُحيي في زمنها معنى الجنسّنة عبر الرسائل. وبقي ستيغلِتز تاجرها الحصري؛ كانت عوائد أحد معارضها ما أنقذهما أثناء الكساد الكبير.
ومع مرور الزمن، وببلوغه الستينيات، بدأ ستيغلِتز علاقة مع دوروثي نورمان الشابة البالغة اثنين وعشرين عاماً. شعرت اوكييف بالإهانة وتذمرت من ذلك الهوس الذكوري القديم بالشباب: «لكن يا جورجيا، لم تعدي بحاجة إليّ»، تذمّر هو. وكانت في الواقع قد تجاوزته؛ لتثبت ذلك، رحلت إلى نيو مكسيكو، ولم يزرها أبداً.
في الغرب نلتقي بجورجيا التي نعرفها ونحبّها: لوحات الحوض المشوَّهة قليلاً ومنازل الطوب الطينية الأنيقة. هنا تملّكني الألم ثانيةً. بصوت راوٍ مُخفي يُشار إلى آخر لوحة رسمتها دون مساعدة في عام 1972: The Beyond، أفق كئيب يضيق مع تقدم تدهور البقعة الصفراء حتى يصل العمى. القصة تتوقف عند ذلك الحدّ. ما صنعته بعد ذلك يُهمَش، كما لو أنّ الفنانين المكفوفين لا يستطيعون أن يبدعوا عملاً رائعاً.
من شاهد بينالي ويتني الحالي، الذي تبرز فيه إميلي لويز غوسو، يعلم أنّ بالإمكان ذلك. ومن المصادفات أنّ اوكييف وغوسو توصلتا بشكل مستقل إلى تقنيات رسم متشابهة، باستخدام قلم حبر على ورق الصحف لرسم خطوط غائرة يمكن الإحساس بها بالأصابع. علاوة على ذلك، إحدى لوحات اوكييف في عصر العمى، From a Day with Juan II (1977)، معلّقة في متحف مومَا—ختم موافقة لا يُستهان به.
ينتهي الفيلم بتحوّل اوكييف إلى أيقونة في موجة النسوية خلال السبعينيات، ويتناول الاحتكاك بين نسويّة جيلها وتلك اللاحقة بعناية حقيقية. كانت نسويتها قائمة على الفردية الصلبة، وهبَت إليها تلك الصلابة نضالاً ليس بالسهل. لكن ماذا عن سنواتها الأخيرة، سنوات العمى، واعتمادها المحتوم على الآخرين؟ إذا سمحت لنا حركة النسوية قبل نصف قرن بإعادة قراءة حياتها وأعمالها، ألَيس هذا العصر الذهبي لقضايا الإعاقة مدعواً لأن نُقدّرها من جديد؟
المفارقة أنّ الفيلم، على رغم حسن نيّاته، لا يقاوم اختزال اوكييف إلى رمز واحد.