متحف مسقط رأس بيورك يخصّها بمعرض جديد بعد جدل “موما”

«عندما تسمع أغنية للمرة الأولى، فكأنما تبتلع حوتًا.» هكذا تقول عبارة مكتوبة على الجدار في معرض بعنوان «إيكولاليا» للمغنية بيورك، التي كانت علاقتها بالموسيقى علاقة استثنائية دائمًا، وهذا أقل ما يمكن قوله. وتضيف بيورك في النص نفسه، بخط يدها: «لا أعتبر نفسي فنانة تشكيلية… كل ما أفعله يأتي من وجهة نظر صوتية. وهذا ما أسميه “الرمزية الصوتية”: جعلُ الصوت مرئيًا، أي نوع من الحسّ المرافق المعكوس.»

كل ذلك يهيئ الزائر لدخول قاعة في المعرض الوطني الآيسلندي خُصصت لأغنية جديدة بعنوان «نيرف بلوم»، وهي أغنية طلبت بيورك من الرسامة ناتاليا كليشتشيفسكا ومن مصممة الرسوم ثلاثية الأبعاد ناتالي ليو أن تقدما استجابة بصرية لها. يظهر العمل المشترك على شاشة صغيرة فوق قاعدة، وفيه شخصيتان متحركتان تنزلقان حول بعضهما وتلتف إحداهما بالأخرى. تبدوان نباتيتين، وكأنهما نمتا من جذور، لكنهما أيضًا بشريتا الشكل، بعضلات ليفية تدفعهما في الفضاء الافتراضي. وتزداد هذه الهجينة وضوحًا في عمق القاعة، حيث تملأ شاشتان من الأرض إلى السقف المكان وتُدخلان حضور الخيول التي تذوب بين شكل واقعي وشكل خيالي، ورؤوسها ترتفع وتهبط ببطء، فتتأرجح بين النظرات المتبادلة وعلامات الخضوع. وفي الوقت نفسه، على وقع بيانو حزين وقرع تقليلي متفرق، يهمس صوت بيورك: «أنحني، أنحني / هذا تقدير / لكل الأحاسيس / لقد جئتِ إليّ / الخلايا العصبية تتوهج.»

هذا المزيج الذي يذهل العقل في عمل «نيرف بلوم» ساحر، وهو مهلوس بطريقة تحيل إلى الفولكلور، فتبدو جذوره في ماضٍ طبيعي لكنه يُسقط في مستقبل غريب، حيث تلتقي الصفات التشكيلية بالمؤثرات الرقمية، وتُخدم الموسيقى بالصور بشكل نبيل كما تُخدم الصور بالموسيقى. وهذا العمل أيضًا هو الأكثر اكتمالًا في معرض تبدو طموحات بقية أعماله أكثر تحفظًا.

يقرأ  حادث قطار في برشلونة يودي بحياة شخص بعد أيام من تصادم مميت في جنوب إسبانيا — أخبار النقل

ولا غرابة في ذلك: فبعد معرض استعادي سيئ السمعة أقيم عام 2015 في متحف الفن الحديث في نيويورك، من السهل أن نفهم لماذا تريد بيورك إبقاء التوقعات تحت السيطرة. فقد وصفت روبرتا سميث في صحيفة «نيويورك تايمز» عناصر من ذلك المعرض بأنها «مبتذلة» و«مخيبة للآمال» و«طفولية بشكل سخيف»، ومن يستمتع بالنقد القاسي قد يجد ضالته في مراجعات أخرى كُتبت في ذلك الوقت.

ورغم أن ردود الفعل الغاضبة كانت موجّهة إلى المؤسسة المتحفية أكثر منها إلى بيورك نفسها، فإن الفنانة تتخذ في مسقط رأسها نبرة أقل تعاليًا وأكثر تواضعًا، عبر معرض أصغر حجمًا، يتركّز عرضان رئيسيان آخران فيه على أغنيات وفيديوهات سبق نشرها، وإن كانا أقل غامرة. وكلاهما من ألبومها «فوسورا» الصادر عام 2022، وكلاهما يتعلق بوالدتها، الناشطة البيئية هيلدور رونا هوكسدوتير، التي توفيت في 2018.

أما «سوروفول سويل» فهي الأكثر تأثيرًا بين العملين. تُعرض هذه الأغنية هنا في توزيع جديد، سُجّل فيه أعضاء جوقة مساندة عبر ميكروفونات معزولة لكل صوت، بحيث تبدو أصواتهم أوضح. استُلهم العرض من العمل الصوتي المرجعي لجانيت كارديف «موتيت الأربعين» (2001)، والتأثير السمعي رائع، إذ يصل الصوت المحيطي عبر ثلاثين سماعة عالية الدقة موضوعة على حوامل لتُسمع على مستوى الأذن. (تكتب بيورك في نصها الجداري: «يتبين أن السماعات بشر… أو دمى صوتية».) وعلى شاشة كبيرة في أحد طرفي القاعة البيضاوية يُعرض الفيديو الذي رافق الأغنية عند إصدارها، وفيه تجلس بيورك على صخرة أمام حمم تتدفق من بركان فاغرادالسفيال، وهي تغني عبارات من قبيل: «في حياة المرأة / تحصل على 400 بويضة / لكن عشين أو ثلاثة فقط»، و«أحسنتِ / لقد بذلتِ قصارى جهدك».

أما «أنسيستريس»، التي كُتبت بعد أسبوعين فقط من رحيل هيلدور، فهي تكريم شعري يعمل على تشويش الحواس: «ترى بعينيك / لكن تسمع بأذنَي أمك.» يُعرض فيديو الأغنية بحجم كبير في قاعة مبطّنة بقماش أحمر منسوج عليه النوتة الموسيقية للأغنية، ويتتبع موكبًا طقوسيًا يضم بيورك عبر وادٍ آيسلندي.

يقرأ  مارك رايدن × كرياتورا — مجلة هاي-فروكتوز

لا يخلو أي من الفيديوين من ملحمية، لكن وجودهما على يوتيوب يجعل عرضهما في المتحف أقل إدهاشًا. ومع ذلك، فإن اشتغال بيورك على علاقتها بوالدتها في المكان الذي نشأت فيه يضيف ثقلًا سياقيًا، وكذلك كون هذا المعرض عنصرًا محوريًا في برنامج مهرجان ريكيافيك للفنون هذا العام.

المهرجان مبادرة طموحة على مستوى المدينة، ويمتد أيضًا إلى مناطق أخرى من آيسلندا، ويتضمن معرضًا آخر في المعرض الوطني لجيمس ميري، الذي صنع الكثير من الأقنعة والمجوهرات المعقدة التي ظهرت في جولات بيورك الأخيرة وفيديوهاتها، بما في ذلك فيديوهات أغنية «سوروفول سويل» وأغنية «أنسيستريس». ويشمل معرض ميري مشاريع أخرى، مثل أقنعة مستوحاة من شخصيات الخصوبة الوثنية، ومنحوتات مستوحاة من دراسات أثرية، لكنه يركز في معظمه على علاقته ببيورك، التي وظفته مساعدًا في عام 2009، أي قبل ست سنوات من بدايته في صناعة الأعمال التي اشتهر بها.

في كتالوج مشترك، يصف أمين المعرضين العملين بأنهما «منفصلان لكنهما متشابكان»، ويكتب عن التشابك الإبداعي بين بيورك وميري وبين آخرين في ريكيافيك. وفي محادثة مع الفنانين نُشرت في ذلك الكتاب، يتحدث ميري عن نوع من التكافل بينهما، مشيرًا إلى أن أقنعته «لم تكن أبدًا لإخفاء بيورك تمامًا، بل لطمس حوافها وإبراز جوانب نموذجية أخرى».

لذلك من المناسب أن يتناغم عمله وعملها في المتحف، والأجدر أن تظهر بيورك هنا أقل بوصفها شخصية موسوعية مفرطة التوسع، كما ظهرت في متحف الفن الحديث، وأكثر بوصفها أمًّا موسيقية وكائنًا تعاونيًا بامتياز.

أضف تعليق