في ساحة دومو في ميلانو، حيث يزدحم الناس في منتصف النهار تحت سماء صافية، يبدو أن الظلام يتجمع خلف نوافذ قصر بالاتسو ريالي القريب. هناك بدأ للتو افتتاح معرض استعادي كبير للفنان فرانسيس بيكابيا بعنوان «بيكابيا: افتحوا أبواب الليل». المعرض من تنسيق آن بيرست، حفيدة الفنان، وقد قالت في كلمتها الافتتاحية إن معرفة بيكابيا تعني قضاء الليل معه. وكأننا في حلم، ينتشر المعرض في ضوء مسائي خافت، فتجمع القاعات المعتمة أعمالاً تحت موضوعات مترابطة تحاكي رحلة ليلية مع فنان محب للمتعة، وتستدعي الرقص واللقاءات الليلية والهذيان المخدّر ولحظات التنوير عند الغسق.
وُلد بيكابيا عام ١٨٧٩ وتوفي عام ١٩٥٣، وهو واحد من الشخصيات المراوغة في الفن الحديث: رسام وشاعر فرنسي إسباني تنقل بحرية بين الانطباعية والوحشية والأورفية والتكعيبية والميكانيكية والدادا. وكان من أصدقائه مارسيل دوشان وغيّوم أبولينير وألفريد ستيغليتز وإيريك ساتي وغيرترود شتاين. آمن بتطور فني دائم، وكثيراً ما استشهد بعبارتين له: «القناعة مرض»، و«إذا أردت أفكاراً نظيفة فغيّرها كما تغيّر قمصانك». ويتجلى هذا الروح غير المألوف في تنوع أسلوبي هائل: تراكيب تمثيلية، وتجريدات هندسية، ومخططات ميكانيكية، ولوحات تدمج صوراً مقتبسة.
يغوص المعرض في لاوعي بيكابيا ويحاول تشخيص رغباته واختلالاته. تبدأ الحكاية من تعلّق طفولي، إذ تخصص قاعة لـ«الليلة الإسبانية»، وهو أيضاً عنوان لوحة من ١٩٢٢. وُلد بيكابيا ونشأ في فرنسا، لكن والده إسباني، وقد شاهد في طفولته خلال زيارات إلى إشبيلية مواكب الأسبوع المقدس وحركات راقصي الفلامنكو ورقصات مصارعي الثيران. وقد حوّل لاحقاً هذه الحنين إلى موضوعات إسبانية، مؤكداً «دمه الأندلسي». وفي القاعة تظهر دراسة بالقلم الرصاص والألوان المائية لوجوه صارمة لنساء إشبيليات، وشعورهن الداكنة تحت المناديل الدانتيل. وفي الجهة المقابلة تعرض أعمال تبرز تكرار النقاط، وهو نمط شائع في فساتين الفلامنكو، في أعمال شكلية وتجريدية، مثل رسم غير معنون لراقصي باليه من ١٩٤٢ ولوحة «رمز» الهندسية المتأخرة من ١٩٥٠. كما تقارن القاعة بين صور من أرشيف عائلة بيكابيا لعمارة أندلسية ذات شبكات وأقواس، وبين تراكب الصور في لوحة «ساليسيس» من ١٩٢٩ من سلسلة «الشفافيات»، حيث تتشابك مستويات الصورة وتتقاطع كما في تصوير مزدوج التعريض.
تخصص قاعة أخرى بعنوان «موكب الحب»، المأخوذ من لوحة ميكانيكية من ١٩١٧، لقراءة سلوك بيكابيا الجنسي الطويل كرد فعل على فقدان أمه وهو في السابعة. في كتابهما «غابرييل» الصادر في ٢٠١٧، تروي المنسقة وشقيقتها كلير طفولته بين الرجال، حيث رباه أبوه وجده وعمه، وتلاحظان أن لقب العائلة «الأربعة بلا امرأة» قد يُسمع أيضاً «الأربعمائة امرأة»، وكأنه ينبئ بعدد العشيقات الكبير في حياته. وأياً كانت الجذور، فقد كان الدافع الجنسي قوة محركة في عمله، من الرسوم الميكانيكية على طريقة دوشان إلى لوحات مثيرة مثل «المرأة مع الثور» (١٩٤٠–١٩٤١) التي جُمعت من صور عارضات. ويقدم هذا الدافع تفسيراً آخر لسلسلة «الشفافيات»، التي ظهرت في وقت كان بيكابيا، كما تقول نصوص المعرض بلطف، «يعيش حيوات حب متعددة في الوقت نفسه».
تكرر نصوص الجدران فكرة أن «كل بورتريه هو بورتريه ذاتي». ويبدو أن أهم كشف في المعرض ليس تجربة حسية ولا استفزازاً طليعياً، بل بيكابيا نفسه. يحاول المعرض «الهروب من التسلسل الزمني»، كما تكتب بيرست، فيترك التصنيف الفني والأيديولوجيا المرتبطة بالحركات لصالح دراسة الشخصية والحدس الغنائي. لكن هذه التأملات السيريّة، على رغم جاذبيتها، تفقد موقعها في التاريخ، وتفرّق خيوط الحكاية وأصول مجموعات كاملة، ومنها «الشفافيات»، على قاعات مختلفة. وبدلاً من تقديم رؤية جامعة لأعمال الفنان وسياقه، يسود الذوبان في آنية بلا زمن.
تقدم بيرست المعرض لجيل جديد، وتعيد تصور المتحف كأنه كرنفال أو حفلة. وفي الديكورات المتلألئة لقصر بالاتسو ريالي يعمل المعرض كمسرح بذاته: أضواء لامعة، ومرايا ملهاة، وكشك مشاهدة يكشف بعض رسوم بيكابيا الأكثر إباحية. وهو تقريباً ببذخ الحفلات التي أقامها بيكابيا في الريفييرا الفرنسية في ثلاثينات القرن الماضي، حين نظم مشاهد مسرحية متطرفة، من حيوانات حديقة وضعت في «ليلة في سنغافورة» إلى بستان نخيل جلب لـ«أمسية في بالم بيتش». يخاطب المعرض جمهوراً تجاوز التاريخ لديه التجربة والجسد والشخصي. وربما هكذا أراد بيكابيا نفسه، فإحدى عباراته تحتفي بالتمرد الكامل على الماضي في حاضر أبدي: «كل شيء لليوم، لا شيء للأمس، لا شيء للغد».