قبل أسابيع قليلة من عيد الميلاد تحول مترو نيويورك إلى مختبر غير متوقع، تجربة عملية تبحث عن وسيلة وسطى بين التحمس للتقنية ورفضها القاطع. السؤال الذي يهم كل مبدع في هذا الزمن: هل ثمّة طريق ثالث مفيد؟
كيف جرى الأمر فعلاً
الحملة المسماة “تخيل لو” التي صممتها وكالة الإعلانات SuperHeroes لصالح OUTFRONT Media وGoogle DeepMind حولت أربعة آلاف شاشة رقمية في شبكة MTA إلى معرض متحرك. الفكرة بسيطة: راكبو المترو يمسحون رمز QR ويطلِعون على نموذج يبدأ بـ”تخيل لو…” — مثل “تخيل لو حديقة جسر بروكلين فتحت أوقات للتنزه للديناصورات” — فيُنتج النظام تصورًا بصريًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي.
بعدها يتولى فنانون محليون انتقاء بعض الاقتراحات وصقلها إلى أعمال فيديوية عرضت في أحياء المدينة الخمسة.
من شارك وكيف عملوا
اختارت SuperHeroes خمسة فنّانين، ممثلين عن كل أبرشية في نيويورك: Lauren Camara، Ariana Cimino، Molly Goldfarb، Subway Doodle وJeff Wave. لم يكونوا خبراء ذكاء اصطناعي ولا دعاة تكنولوجيّين، بل كانوا فنّانين مهنيين ذوي أساليب مميزة وقواعد جماهيرية محلية، اختيروا بالذات لأنهم يمثلون أصواتًا فنية متمايزة.
دورهم تجاوز هندسة التعليمات؛ راجعوا الاقتراحات الواردة من أبرشيّاتهم، اختاروا الأفكار التي لاقت صدى، واستخدموا نماذج مثل Gemini وVeo وFlow وNano Banana لتحويل الأحلام المكتوبة إلى أعمال مكتملة. اختتمت الحملة بعرض على الشاشات الضخمة في Two Times Square، الموقع البارز في شمال تايمز سكوير.
ما قيل عن المشروع
وصف تشاد شاكلفورد، نائب رئيس OUTFRONT ورئيس الابتكار الرقمي، المشروع بأنه “تجربة على مستوى المدينة تحتفي بالخيال كعمل جماعي”. فيما وصف ماتيو لوران من Google DeepMind الصيغة بأنها “أشكال فنية حقيقية تشارك الجمهور وتبرز شراكة بين الإنسان والآلة”.
أما تعليق Subway Doodle فكان الأكثر ميلًا للصدق: “بصفتي فنانًا كنت مترددًا في البداية من استخدام الذكاء الاصطناعي، لكن مع الوقت قبلت وجوده وبدأت أستكشفه. فعندما تواصلت معي SuperHeroes شعرت بالفضول لتجربة أدوات جوجل المولدة كأداة لفني”.
لماذا يهم هذا المسار
تسلسل الكلمات — متردد، مقبل، مستكشف — يخبرنا أكثر من أبهار المخرجات أو لغة البيانات الصحفية. إنها رحلة قطاع الإبداع في صورة مُصغّرة، بلا تظاهر. مسار Subway Doodle لم يكن تحولًا أيديولوجيًا بل تقييمًا مهنيًا: الأداة موجودة، مطلوب استخدامها ضمن موجز العمل، والنتائج تستحق الملاحقة. لا بيانات صفرية ولا ادعاءات تبسيطية.
ما ميز هذه التجربة أنها لم تكن استكشافًا من القاعدة إلى القمة حيث يقرر الفنانون تجريب الذكاء الاصطناعي طوعًا؛ بل كانت تكليفًا من الأعلى حيث ذُكرت الأدوات مسبقًا في موجز العمل. هكذا، لم يكن السؤال “هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟” بل “كيف نستخدمه بشكل جيد؟” — والفنانون كانوا يصيغون الإجابة مع حفاظهم على حكمهم الفني.
وجهة نظر المتشائم
لا يخلو الأمر من نقد منطقي: يمكن وصفه بمسرح المشاركة—امسح الرمز، احصل على تصور فوري، احسَّ بالمشاركة بينما العمل الإبداعي الحقيقي يحدث في مكان آخر—وبالطبع كان لذلك بعد تسويقي لصالح نماذج Veo وGemini من Google DeepMind، مصحوبًا بصياغات بيانات صحفية تقيلة عن “أفعال ثقافية مشتركة”.
لكن حتى هذا الواجهة المؤسسية مفيدة كتدليل عملي: فهذه على الأرجح هي الطريقة التي ستدخل بها أدوات الذكاء الاصطناعي إلى معظم سير العمل الإبداعي — ليس عبر نقاشات أخلاقية دقيقة أو تبنٍ جماهيري من قِبل العاملين المستقلين المتشككين، بل عبر موجزات تحتوي على الأدوات والميزانيات محددة، فينتقل السؤال من “هل نفعل؟” إلى “كيف نفعل ذلك بشكل جيد؟”.
خلاصات عملية
إذا كنت مخرجًا إبداعيًا تتابع تطورات الذكاء الاصطناعي بقلق، فالحملة تقدم دروسًا عملية تتجاوز الضجيج:
– المساهمة البشرية تغيّرت لكنها لم تختفِ. الفنانون لم يصنعوا أعمالًا من لا شيء؛ هم انتقوا الاقتراحات، ترجموا رؤى المجتمع، وطبّقوا حكمًا تحريريًا حول ما سيتجاوب مع جمهور كل أبرشية. مهارات التنسيق والتفسير ازدادت قيمة مع تسارع أدوات التنفيذ.
– الأدوات عملت أفضل عندما حُلّت بها مشكلات إبداعية محددة بدلًا من استبدال العملية الإبداعية برمتها. استُخدم Veo لتجسيد أفكار المجتمع، مع كل الحكم والحرفة المطلوبة، فسرع الإنتاج دون أن يُلغي الحاجة إلى قرار فني.
– التردد مبرر، لكن التجنّب مكلف. الفنانون الذين قبلوا العمل أمضوا أربعة أسابيع في تعلم أدوات ستتكرر في عشرات الموجزات القادمة؛ بنوا خبرة، طوروا سير عمل، واكتشفوا حدودًا وإمكانيات عملية. من رفضوا المشاركة صاروا، نظريًا، متأخرين أربعة أسابيع.
الخلاصة
هل هذا طريق ثالث مفيد؟ اعتقادي أن المهنيين المبدعين سيتوجب عليهم التأقلم مع أدوات لا يثقون بها تمامًا، ومن شركات لا يفضلونها بالضرورة، لإنتاج أعمال لا يستطيعون الادعاء بأنها ملكهم بالكامل. ليس ذلك ملهمًا أو حماسًا، بل وصف لحال المشهد في 2026. هل هو تنازل؟ نعم، بالتأكيد — لكنه واقع ونقطة انطلاق للعمل به.