وتين الأَجرمي كانت في عمر يزيد قليلاً عن سنة عندما هزّ الانفجار غرفة تخزينٍ بسيطة في جباليا شمال غزة، حيث كانت أسرتها الموسعة تلجأ إليها للملاذ.
تقول والدتها مريم إن وتين كانت واقفة بجانب بابٍ في لحظة القصف الإسرائيلي في آب من العام الماضي. أمسكّت مريم الطفلة وهي ترى الخوف في عينيها بينما كانت تغطي أذنيها وتصرخ.
لم تكن هناك إصابات ظاهرية: لم يكن هنالك نزيف أو كسور، ولا شظايا غريبة في جسدها. لكن بعد يومين أو ثلاثة بدأ أفراد الأسرة يلاحظون شيئاً مقلقاً: كانت تُنادَى وتين فلا ترد، تتحدث إلى الطفلة فلا تتفاعل، وكانت تُشير إلى أذنيها.
كشف فحص سمعي أجرته مختصّة أنه ما بدأت مريم تخشاه: فقدت وتين السمع تقريباً بسبب أثر موجة الانفجار. تُظهر التقارير أنها تعاني فقدان سمع يقارب 85% في الأذن اليسرى و90% في اليمنى، أي في نطاق الفقد الشديد إلى العميق.
تصف مريم ذلك بلحظة صادمة: طفلٌ صحيحٌ يبدأ تلفظه أولى كلماته، ثم يخبرك الطبيب فجأة بأنها فقدت السمع، فتغمر عينها الدموع.
ويوضح الطبيب أن السبب هو موجة الانفجار، وأن حالة وتين لم تكن الأولى من نوعها التي رآها منذ بداية حرب إسرائيل الإبَادِيّة على غزة في تشرين الأول 2023.
منذ ذلك اليوم تحوّل حياتهم إلى سلسلة مواعيد طبية وبحثٍ عن حلول قد تعيد لطفلتهم القدرة على السمع. خضعت الطفلة لفحوص إضافية وتصوير بالرنين المغناطيسي، وأُعدّت تقارير طبية ورفعت إلى منظمة الصحة العالمية على أمل الحصول على إحالة طبية خارج غزة. لكن الانتظار مستمر والقيود الإسرائيلية على واردات معينات السمع والأجهزة الطبية الأخرى تعقّد الوضع أكثر.
بيئة غير آمنة
تشير تقديرات وكالات الأمم المتحدة ومنظمات صحية إلى ازدياد حاد في عدد الأطفال في غزة الذين يعانون فقداناً جزئياً أو كلياً للسمع نتيجة التعرض للانفجارات والقصف الكثيف. تُعد موجات التفجير سبباً رئيسياً لإصابات الأذن الداخلية، مصحوبة بصدمة دماغية ذات صلة وصدمات نفسية شديدة، بحسب مجموعات طبية تعمل في القطاع.
تفيد بيانات مراكز التأهيل والجمعيات المتخصصة في غزة أن قبل الحرب كان يقدَّر عدد الأشخاص ذوي الإعاقات السمعية بنحو 20 ألفاً. لكن العاملين ميدانياً يحذرون من أن الرقم ارتفع بشكل كبير منذ اندلاع الحرب، لتصل التقديرات إلى ما بين 30 و40 ألف شخص يعانون فقداناً أو ضعفاً سمعياً، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال. وتواجه هذه الفئات تحديات حادّة نتيجة انهيار النظام الصحي، وتضرّر مراكز التأهيل، وصعوبة الوصول إلى زراعة القوقعة ومعينات السمع.
تفيد المنظمات الداعمة للصم وضعاف السمع أيضاً بوجود نقص حاد في أجهزة السمع والبطاريات وقطع غيار زراعة القوقعة نتيجة قيود الاستيراد. كما تضررت ودُمرت العديد من مراكز التأهيل التي كانت توفر علاج النطق والدعم النفسي والتربوي، ما يهدد تطور اللغة لدى الأطفال في مراحل نمو حرجة.
ينص القانون الإنساني الدولي ووكالات الأمم المتحدة على أن الأطفال ذوي الإعاقات في مناطق النزاع — لا سيما من يعانون فقدان السمع — يواجهون مخاطر متزايدة تهدد حياتهم وتزيد من تعرضهم للهشاشة. ففي زمن الحرب يعتمد البقاء غالباً على السماع والتنبه إلى أصوات التحذير من انفجارات أو طائرات أو نداءات الإخلاء؛ ومع فقدان السمع يفقد الطفل هذا «جهاز التحذير» فيصبح عاجزاً عن إدراك الخطر أو الاستجابة في الوقت المناسب.
هذه المخاطر تجلّت في حالة أسيد الشامي، طفلٌ ثلاثي السنوات فقد معظم سمعه قبل أن يُكمل أربعة أشهر، خلال إحدى أشد مراحل الحرب في جنوب غزة. تقول والدته مريم إن يومياته مليئة بالمخاطر لأنه لا يسمع ما يحدث حوله. تحكي: «تعرض مرة لهجوم كلاب لأنه لم يسمع نباحها؛ الأطفال حوله هربوا وهو لم يفعل، لم يسمعهم. إلا رحمة الله أنقذته». وتضيف أنه نجا من حوادث مرورية عدة لعدم مقدرته على سماع اقتراب السيارات والدراجات.
أُبلغ أهل وتين بأن الطفلة تحتاج إلى السفر خارج غزة لإجراء زراعة قوقعة، ويفضل أن يتم ذلك قبل بلوغها الخامسة من العمر لضمان أفضل فرصة لتطور اللغة والسمع.
أزمة متفاقمة
يفيد فاضل قُرّاز، مترجم لغة الإشارة وناشط حقوقي مع جمعية أطفالنا للصم في غزة، بأن وتيرة الأزمة تضاعفت منذ اندلاع الحرب. ويقول إن تقديرات أعداد المصابين بفقدان السمع كانت تقارب 20 ألفاً قبل الحرب، غير أنها ارتفعت الآن — بحسب تقديرات ميدانية — إلى حوالي 35 ألفاً.
«نتيجة الانفجارات والقصف المستمر، ارتفع العدد بشكل كبير»، يروي قُرّاز، مضيفاً أن هؤلاء الأفراد غير قادرين على الاندماج في المجتمع أو التواصل مع محيطهم.
من بين الخطوات الضرورية توفير معينات سمعية أساسية، من سماعات طبية وبطاريات وأدوات صيانة، وصولاً إلى تجهيزات زراعة القوقعة. لكن العائق الأكبر هو الحصار الإسرائيلي على القطاع، الذي لم تُرفَع قيوده بالكامل رغم هدنةٍ بدأت في أكتوبر، مما أدى إلى نقص حاد في المعدات الطبية.
«السياسات الحالية تمنع دخول الأجهزة المساعدة وزرع القوقعة وقطع الغيار، ما يزيد الوضع سوءاً»، يقول قُرّاز. ويضيف أن العديد من المراكز التي كانت تقدم خدمات تشخيصية وتأهيلية دُمرت أو توقفت عن العمل، مما يقلل القدرة على متابعة الحالات الجديدة، خصوصاً الأطفال الذين يحتاجون تدخلاً مبكراً. «نحن نواجه كارثة حقيقية»، يختم، «حتى بطاريات أجهزة السمع لم تعد متوافرة». لا يجد الناس أبسط المستلزمات اللازمة لتشغيل أجهزتهم.
يحذر الأطباء من أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن جيلًا كاملاً من الأطفال معرض لخطر فقدان القدرة على اكتساب اللغة والتواصل بشكل طبيعي في غياب زراعة القوقعة وبرامج التدخل المبكر.
صعوبة الوصول إلى أجهزة السمع
تخضع واتين حاليًا لجلسات تأهيل نطقي وسمعي في مستشفى حمد بغزة، حيث يعمل الأخصّائيون على تدريبها للاستجابة للأصوات وتطوير مهارات التواصل رغم فقدانها للسمع. حصلت في نهاية المطاف على جهازَي سمع حسّنَت استجابتها لبعض النغمات والأصوات، لكن الأطباء يكررون أن أجهزة السمع ليست حلًا نهائيًا.
كلا من واتين وأسيد بحاجةٍ لعملية زراعة قوقعة، والإجراء متاح فقط خارج غزة، وتوصل إسرائيل بفرض قيود مستمرة على سفر الفلسطينيين من غزة للخارج، بما في ذلك لأغراض العلاج الطبي. لكن الأطفال المصابين بفقدان السمع لا يملكون متسعًا من الوقت — فالأطباء ينصحون بإجراء الزراعة قبل سن الخامسة حتى تؤتي نتائجها المرجوّة.
تشرح والدة واتين، مريم، أن الوقت بات مصدر قلق دائم، إذ يحذر الأطبّاء من أن التأخير في زراعة القوقعة قد يؤثر على تطور اللغة والكلام لدى الطفل، لا سيما خلال السنوات الحرجة الأولى. وتقول انها: «أفكر فيها ليلًا ونهارًا. صوتي يفيضه الإرهاق والخوف. الأمر لا يتعلق بليومٍ واحد… أظل أفكّر بالمستقبل: كيف ستسمع؟ كيف ستتعلم؟ كيف ستتكلّم؟»
في البيت تحاول العائلة إحاطة واتين بعناية خاصة. «الأطفال من حولها يفهمون بعضهم البعض، يتكلمون ويضحكون، وهي تبقى جالسة تراقبهم بصمت.» في تلك اللحظات تشعر الأم أن هناك حاجزًا يفصل ابنتها عن العالم المحيط بها. أحيانًا تبكي أو تنزعج واتين دون أن يدرك أحد تمامًا ما تريده.
«لا أريد شيئًا… لا شيء إطلاقًا،» تقول الأم وهي تكتم الدموع. «أريد فقط أن تسافر وتتلقى زراعة قوقعة.»