صور، لبنان — في الرابع من مارس كانت أم سعيد في منزلها قرب دوّار البصّ في صور عندما أصدرت إسرائيل تهديداً بالإخلاء القسري لكامل جنوب لبنان. هالها الخبر فهرعت تجمع أغراضها وتوقظ أقارب نيام، بينما عمد بعض السكان إلى إطلاق أعيرة نارية في الهواء كتحذير يدعو الناس إلى المغادرة.
مع زوجها ياسر وابنتهما سميحة وحفيدة سميحة البالغة من العمر أربع سنوات، صعدت العائلة إلى سيارتهم المرسيدس واتجهوا إلى مرفأ صور ظنّاً منهم أنه سيكون بعيداً عن متناول الضربات الإسرائيلية. وصفَت أم سعيد مشاهد الذعر على الطريق: «خرجت بعض النساء من منازلهنّ دون غطاء على رؤوسهن، وآخرون لم يكملوا لباسهم. وشيّخوا يسيرون على الأقدام». رحلة تستغرق عادة دقائق قليلة امتدت إلى ثلاث ساعات للعائلة قبل وصولها إلى الميناء، حيث نصح ياسر زوجته بأن يتجهوا شمالاً إلى العاصمة بيروت ويبيتوا عند صديق — كما فعلوا عند تصعيد الهجمات في سبتمبر 2024 خلال ما يسميه اللبنانيون «تكثيف الـ66 يوماً».
عندما وصلوا إلى بيروت كانت سميحة لا تزال بملابس النوم، حسب قولها يوم الأحد، وهي الآن عائدة إلى بيتها في صور مع عائلتها.
القصف قد يكون أهون من النزوح
في الثاني من مارس صعّدت إسرائيل حربها على لبنان للمرة الثانية خلال أقل من عامين، مطلقة دماراً واسع النطاق على مساحات كبيرة من البلاد. في تلك الليلة ردّ حزب الله، للمرة الأولى بعد قرابة 15 شهراً من الهجمات الإسرائيلية التي بقيت بلا رد، بإطلاق صواريخ عبر الحدود بعد مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في اليوم الأول للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير.
في الأيام التالية فرضت إسرائيل أوامر إخلاء لما يقرب من 14% من مساحة لبنان. شملت المناطق المعلنة غير الآمنة كامل جنوب لبنان، بعض قرى سهل البقاع الشرقي، وضواحي بيروت الجنوبية بأسرها. سريعاً نزح نحو 1.2 مليون شخص — أي أكثر من عشرين في المئة من سكان لبنان.
منظمة هيومن رايتس ووتش الدولية اعتبرت أن تهجير المدنيين قسرياً في لبنان قد يرقى إلى «جريمة حرب محتملة»، مع تأكيد خبراء أن «الحرب ليست رخصة لطرد الناس من أرضهم». عند ورود تهديدات الإخلاء، وجد سكان الجنوب أنفسهم أمام معادلة قاسية: تقييم مخاطر القتل في ضربات إسرائيلية مقابل معاناة الاعتماد على كرم الآخرين أو دفع مبالغ باهظة للإيجار المؤقت.
فهرب بعضهم وبقي آخرون. آية وعائلتها قرروا البقاء في بلدية العباسية على بعد نحو ثمانية كيلومترات من صور. الخريجة الحديثة من الجامعة الإسلامية في صور، والتي نزحت أيضاً خلال تكثيف 2024، قالت إنها لا تريد أن تخضع مجدداً للإهانة أو للغش من قبل الملاك. «البقاء تحت القصف قد يبدو أسهل من صدمة النزوح بحد ذاتها»، قالت آية للجزيرة عبر رسالة.
يرتبط كثيرون من أبناء الجنوب بأرضهم ارتباطاً خاصّاً، ويرجع جزء من ذلك إلى سنوات الغزو المتعددة والاحتلال الإسرائيلي الذي دام نحو عقدين لجنوب لبنان حتى عام 2000. وأصبح احتمال فصل المنطقة عن بقية البلاد أمراً واقعياً مجدداً حين قصفت إسرائيل جسور لبنان جنوباً. «أهم سبب [لاختيارنا البقاء] هو الخوف… من أن ينحصر الناس خارج الجنوب لفترة طويلة، حتى بعد انتهاء الحرب»، تقول آية. «والمسالة الأخرى قد تبدو بسيطة لكنها حقيقية: تعلقنا العاطفي ببيوتنا وبالجنوب وبصور عموماً. ليس من السهل ترك مكان تشعر أنه وطن».
تقع أعداد كبيرة من النازحين في وضعيات هشة، حيث يضطرون لاختيار الأمان مقابل أعباء مالية كبيرة مثل استئجار شقق. ويشير البنك الدولي إلى أن السكان النازحين «يشهدون معدلات أعلى من الفقر متعدد الأبعاد».
بعد وصولهم إلى بيروت مطلع الشهر الماضي أمضى ياسر وأم سعيد يوماً أو نحو ذلك قبل أن يقررا العودة إلى صور. لكنهما صُدما بالأصوات المتواصلة للحرب: هدير الطائرات، وزمور الطائرات المسيرة، والانفجارات التي تهزّ الأرض، فعاودا التوجّه إلى بيروت في اليوم التالي.
في الثامن من أبريل أعلن عن هدنة بين إيران والولايات المتحدة. برز خلاف حول مصير لبنان: إيران وباكستان، التي توسطت بين طهران وواشنطن، قالتا إن لبنان مشمول بالاتفاق، بينما قالت إسرائيل والولايات المتحدة إنه ليس مشمولاً.
«ارتكبوا مجازر»
في صباح ذلك اليوم حزما ياسر وأم سعيد أمتعهما وانطلقا إلى صور. حاول المضيف في بيروت إقناعهما بالبقاء يوماً إضافياً لرؤية ما إذا كانت الهدنة ستثبت، لكن العائلة أصرت على العودة إلى منزلها. وصلوا إلى صور عند الظهر، وبعد ثلاث ساعات نفّذت إسرائيل أكثر من مئة هجوم في أقل من عشر دقائق، استهدفت كثير منها أحياء مكتظة في وسط بيروت، بما فيها المنطقة التي أقاموا فيها.
في وقت متأخر من المساء دمّر الجيش الإسرائيلي مبنى آخر وسط بيروت. كان ذلك اليوم الأكثر دموية في لبنان منذ سبتمبر 2024، حيث سُجّل أكثر من 350 قتيلاً وأكثر من ألف جريح. وفي السادس عشر من أبريل دخلت هدنة حيز التنفيذ في لبنان بعد 46 يوماً من القصف الإسرائيلي وغزو بري لجنوب البلاد.
لكن إسرائيل واصل قصف جنوب لبنان حتى الدقائق الأخيرة. في صور يوم الأحد تناقش الناس فيما إذا كان الضربة الأخيرة قد جاءت عند الحادية عشرة وتسعة وخمسين دقيقة ليلاً أم عند منتصف الليل بالضبط. بعد ربع ساعة من منتصف الليل أرسل ياسر إلى الجزيرة فيديو لدخان رمادي غامق يتصاعد من موقع ضربة جوية، وبعد ربع ساعة أخرى أرسل مذيلة صوتية، وكان صوته مرتعشاً وهو يصف «مجازر في صور». «دمّروا بنايات؛ دمّروا أحياء حولنا كلها»، قال وهو يعدد الشوارع التي ضربتها الطائرات قرب بيته. «كل شيء مدمر». في اللحظة الأخيرة ارتُكبت مجازر، والان هناك كثيرون، كثيرون من الجرحى.
يوم الأحد، وفي الوقت الذي أعلنت فيه إسرائيل أن جيشها تلقى أوامر باستخدام «القوة الكاملة» ضد «التهديدات» في لبنان رغم وقف اطلاق النار، كان ياسر واقفًا على شرفة منزله.
أشار بيده إلى الأفق، إلى مسافة تزيد قليلاً عن مئة متر. «هناك هُدِّمت خمسة مبانٍ»، قال. ثم استدار وأشار في الاتجاه المقابل: «وهناك هُدِمَت أخرى».
بحلول 17 نيسان، أسفرت ستة أسابيع من الهجمات الإسرائيلية عن مقتل ما يقرب من 2,300 شخص في لبنان.