مع دويّ صفّارة الإنذار عند الثامنة مساء الاثنين تبدأ اسرائيل إحياء يوم الذكرى: مناسبة رسمية لتذكر الجنود الذين سقطوا منذ تأسيس أوائل المستوطنات اليهودية في فلسطين عام 1860، مروراً بحروب اسرائيل المتعدّدة مع جيرانها وهجماتها على الفلسطينيين، ووصولاً إلى الذين قضوا أثناء تنفيذ ما يُوصف إباده في غزة.
يُرعى اليوم سنوياً في الرابع من أيّار بحسب التقويم العبري — وما يتوافق هذا العام مع مساء 20 أبريل ويوم 21 أبريل. يتوقّف السير، وتُحترم لحظات الصمت، وتُوضَع الإكليل، وتُغلَق أماكن الترفيه، وعلى شاشات التلفزيون تُعلّق البرامج الاعتيادية تُستبدَل بعرض أسماء القتلى الإسرائيليين خلال ١٦٦ عاماً منذ اعتُبرت مرحلة الاستيطان قد بدأت — أي قبل النكبة بنحو ٨٨ عاماً وما رافقها من تهجيرٍ واسع لنحو ٧٥٠ ألف فلسطيني عند إعلان قيام الدولة رسمياً.
سيسجّل هذا العام أسماء ٢٥٬٦٤٤ جندياً إضافةً إلى ٥٬٣١٣ مدنياً. وفي المقابل لا تُعرض أيُّ تفاصيل عن مئات آلاف الفلسطينيين الذين قُتلوا في الفترة ذاتها.
في إحياء العام الماضي حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن يؤطّر وقائع اليوم في سياق هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر 2023 الذي أودى بحياة ١٬١٣٩ إسرائيلياً، من دون أن يشير إلى أكثر من ٧٢ ألف فلسطيني قتلتهم اسرائيل لاحقاً في غزة خلال حرب استمرت سنتين على القطاع المحاصر.
قال نتنياهو: «من رفح المتحلّلة إلى القمّة العالية لجبال حرمون، أبناؤنا وبناتنا لا يقبلون ما فعله الوحوش عندما هاجمونا». وأضاف: «هم مصرّون على القصاص من مرتكبي المجزرة والرعب، وحتى في هذه اللحظات يعرّضون أنفسهم للخطر لتهيئة الظروف التي تسمح بعودة جميع رهائننا والانتصار على أعدائنا»، محافظةً بذلك على سردية التضحية في مواجهة تهديد وجودي تميّزت بها حياته السياسية.
بحسب النقاد، تحوّلت في السنوات الأخيرة هذه السرديات عن التضحية والتهديد إلى قومية لا تتسامح مع الأسئلة أو الاعتراض، قومية دعمت التوسع العنيف لاسرائيل في الضفة المحتلة وتجاوزت أي اعتبار للقانون الدولي أو الأعراف في غزة.
ماضٍ متنازع عليه
«يحلّ يوم الذكرى وقتاً عسيراً بشكل خاص على من يتظاهرون ضد الحروب»، قال ألّون ريفنر البالغ من العمر 18 عاماً، أحد شريحة متزايدة من الشباب الإسرائيلي الرافضين للخدمة العسكرية، للجزيرة من شمال اسرائيل. «هناك توقع أن يكون اليوم موجهاً فقط للأموات الإسرائيليين، لذا لا يحبّ الناس أن تسعى للحديث عن الفلسطينيين».
وأضاف ريفنر، الذي يعمل متطوّعاً وسيُطلب منه اليوم التحدّث إلى شباب أصغر سناً حول معنى يوم الذكرى، أنه تعرّض للنقد بسبب رغبته في إدراج وفيات فلسطينية إلى جانب وفيات الإسرائيليين في عرضه. «هذا مثال واحد فقط. هناك أمثلة أخرى. أعتقد أن الناس لا يروقهم احتمال أن هؤلاء الجنود ربما ماتوا هباءً. أنظُر: عمّ جدّتي قتل في حرب 1973، ولا أمانع أن أقول إنه مات عبثاً. كلّ هذهَ الوفيات عبثية».
تعرّضت محاولات سنوية لتأبين يوم الذكرى بطريقة تعترف بعشرات الآلاف من الفلسطينيين القتلى لمقاومة رسمية وتهديدات من اليمين المتطرّف. في الماضي حاولت حكومات منع الفلسطينيين من حضور مراسم إحياء مشتركة بين فلسطينيين وإسرائيليين، في حين هدّد نشطاء من شبكات يمينية متنامية بمثل هذه المراسم وبالحضور إليها.
في هذا العام اقتصرت الفعالية على أن تُعقد عبر الإنترنت.
قال حسن جبرين، مؤسس منظمة “عدالة” للدفاع عن الحقوق القانونية الفلسطينية: «بالنسبة للفلسطينيين، هذا اليوم مأساة. لذلك لدينا رؤية مختلفة تماماً عنه. بالنسبة للإسرائيليين هو يوم تذكّر جنودهم، لكن بالنسبة للفلسطينيين يوم الذكرى واليوم الذي يليه — يوم الاستقلال — يعيدان الذاكرة إلى النكبة».
مستقبل متطرّف
تزايدت الشكاوى من أن يوم الذكرى يأخذ طابعاً سياسياً أكثر مع تزايد دور اليمين المتطرف ومجتمعات المستوطنين في الحكومة. خلال خطاب قبل يوم الذكرى في الضفة الغربية المحتلة، حذّر وزير المالية اليميني بيتساليل سموتريتش من أن القتال لن يتوقّف إلا بعد «تهجير مئات الآلاف» من الفلسطينيين بنجاح من غزة، وأن سوريا قد تُجزّأ. وأضاف أن هذه ليست أهداف حكومة معيّنة فحسب، بل تمثل «إجماع شعب يريد الحياة» و«الصورة النهائية لحملة فُرضت علينا»، في إشارة إلى سلسلة النزاعات التي خاضتها اسرائيل منذ 2023 والتي أودت بشكل مباشر وغير مباشر بمئات الآلاف من البشر والتي باتت — مع تبعات الحرب مع إيران — تهدّد الاقتصاد العالمي.
«لقد أصبح الأمر أكثر يمينية وأكثر سياسوية منذ وصول الائتلاف الحالي إلى السلطة في 2022»، قال نيمرود فلاشنبرغ، متحدث باسم جمعية تدعم الرافضين للخدمة العسكرية مثل ريفنر. «لطالما كان الموضوع متوتراً، لكنه بلا شك صار أشدّ».
نوّه فلاشنبرغ إلى أن المسؤولين اختاروا تكريم الحاخام أفراهم زربيف كواقد شعلة في مراسم يوم الاستقلال لهذا العام، وهو شخص يعيش في مستوطنة غير قانونية في الضفة المحتلة ويستمتع بتصوير نفسه وهو يقود الجرافات لتدمير منازل فلسطينية.
«هذا يخبرك بكل ما تحتاج أن تعرفه». لم تُدرِج أي نصّ لأعيد صياغته أو أترجمه. رجاءً ألصق النصّ الذي تريد التعامل معه حتى أتمكن من المتابعة.