إيران تعرض صفقة حول مضيق هرمز دون ربطها بالمفاوضات النووية في سعيها لكسب تأييد أوسع — أخبار الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران

جولة دبلوماسية مكثفة بقيادة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي امتدت 72 ساعة عبر ثلاث عواصم، هدفها تسويق مقترحٍ لإعادة فتح مضيق هرمز مع تأجيل المباحثات النووية مع الولايات المتحدة إلى مرحلة لاحقة، وإقناع أطراف إقليمية أوسع بدعم الإطار المقترح.

لقاءات ومحطات
عراقجي زار إسلام آباد مرتين في يومين، وتخلّل الرحلتين توقفٌ في مسقط، قبل أن يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سانت بيترسبورغ. مصادر مطلعة أفادت أن كبار مسؤولي الاستخبارات من دول عدة شاركوا في محادثات مسقط، التي ركّزت على مضيق هرمز وضمانات أمنية إقليمية وإطار تسوية محتمل، فيما تم إرجاء القضايا النووية إلى مرحلة لاحقة.

آليات التواصل والردود الأميركية
طهران قدّمت رسمياً اقتراحها إلى باكستان التي تعمل وسيطاً لنقل الرسائل بين إيران وواشنطن بعد فشل المباحثات المباشرة في إسلام آباد في 11 أبريل في تحقيق اختراق. البيت الأبيض لم يؤكد محتوى المقترح، وقالت المتحدثة أوليفيا ويلز إن الولايات المتحدة «لن تفاوض عبر وسائل الإعلام» وأنها لن تقبل صفقة لا تضع مصلحة الشعب الأميركي أولاً وتضمن منع إيران من حيازة سلاح نووي.

موقف الرئيس دونالد ترامب بدا غامضاً حيال قبول تأجيل المفاوضات النووية؛ وفي حديث لقناة فوكس نيوز أكد أن «إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً»، وأضاف أن طهران «تعلم ما المطلوب» وأن باب التواصل مفتوح عبر خطوط اتصال آمنة.

الضغط الزمني والقاعدة القانونية
تتزامن هذه الحملة الدبلوماسية مع مهلة دستورية محددة؛ فبموجب قرار صلاحيات الحرب لعام 1973 يواجه ترامب مهلة حتى الأول من مايو للحصول على تفويض من الكونغرس لمواصلة العمليات العسكرية ضد إيران، بعد أن دخلت العمليات أسبوعها التاسع. محاولة رابعة ثنائية الحزب في مجلس الشيوخ لتفعيل القرار رُفضت بنتيجة 52 مقابل 47 في 15 أبريل. حتى الآن حظي ترامب بدعم جمهوري واسع، لكن عدداً من النواب أكدوا أن الدعم لن يستمر بعد نافذة الستين يوماً دون موافقة برلمانية رسمية.

باكستان في المركز
خلال زيارته الأولى لإسلام آباد التقى عراقجي برئيس الوزراء شهباز شريف ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار ورئيس الأركان الفريق أول عاصم منير. عاد عراقجي إلى باكستان بعد مسقط للقاء منير مجدداً قبل التوجّه إلى موسكو. وفي تغريدة بعد مغادرته أثنى على «دور باكستان المهم في الوساطة»، مشيراً إلى أن «نهجاً خاطئاً ومطالب مفرطة من الجانب الأميركي» حالا دون تحقيق نتائج كاملة في الجولة السابقة رغم وجود بعض التقدم. مسؤولون باكستانيون كبار وصفوا دور إسلام آباد بأنها «وسيط أمين» وسيتابعون جهودهم في هذا الإطار.

يقرأ  ترامب: قادة أوروبيون سيزورون الولايات المتحدة لمناقشة الحرب في أوكرانيا

نبرة وسائل الإعلام الإيرانية
رغم اللهجة الهادئة لبيانات بعض الوسطاء، اتخذت بعض وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية موقفاً أكثر تشدداً؛ ونقلت وكالة فارس، المقربة من الحرس الثوري، أن عراقجي بلّغ عبر باكستان بـ«الخطوط الحمراء» لطهران بشأن الملف النووي ومضيق هرمز، واعتبر ذلك «مبادرة إيرانية لتوضيح الوضع الإقليمي».

الثقة والسرية
علق أيزاز تشودري، وزير خارجية باكستان الأسبق، بالإشادة بطريقة إدارة المحادثات قائلاً إنه شهد «التزاماً ملحوظاً بالسرية» واصفاً أسلوب الحوار بأنه منضبط ومهني. المنقاشات حولت كذلك إلى حلقة أوسع من الاتصالات الهاتفية مع وزراء خارجية قطر والسعودية ومصر وفرنسا خلال الأيام الأخيرة.

دائرة أوسع وتفاهمات مترددة
تلقى عراقجي اتصالات مباشرة من رئيس الوزراء القطري محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني الذي حذّر من تحويل ممرات الملاحة إلى «ورقة تفاوض أو وسيلة ضغط». وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان طُلع على «التطورات المتعلقة بوقف إطلاق النار»، بينما أجرى وزير خارجية مصر بدر عبد العاطي محادثات مع نظرائه القطري والإيراني. وأكد مسؤول فرنسي أن أوروبا لعبت دوراً «بنّاءً» في إدارة الأزمة. بعد اجتماع مسقط دعا وزير خارجية عمان بدر البوسعيدي إلى حلول عملية لضمان حرية الملاحة المستدامة.

تقييمات إقليمية
قالت دانيا ثافر، المديرة التنفيذية لمنتدى الخليج الدولي، إن ضجة الاتصالات تعكس «انخراطاً حذراً وليس تغييراً استراتيجياً»؛ فغياب زيارات إيرانية فعلية لقطر أو السعودية مع وجود اتصالات هاتفية يشير إلى رغبة بالحفاظ على قنوات تواصل من دون تطبيع دبلوماسي كامل. قبل الهدنة الهشة كانت إيران تشنّ ضربات يومية بالصواريخ والطائرات المسيرة على السعودية وقطر ودول خليجية أخرى، ما أثار غضب تلك الدول، لكن قطر وعمان والسعودية أبدت تفضيلاً لمواصلة الدبلوماسية على مواجهة عسكرية—شريطة التزام إيران بعدم التكرار. أغلق غلق المضيق جزءاً كبيراً من صادرات الطاقة الإقليمية وأرهق الأسواق.

المسائل الأوسع
أشار المراقبون إلى تحول موقف بعض دول الخليج منذ 2015؛ فدول كانت معارضة لاتفاق النووي باتت ترى أن اتفاقاً مضموناً مع إيران يخدم مصالحها، خصوصاً بعد أن بينت العمليات العسكرية للتوتر تكلفة الاستمرار في العداء. وفي الختام وصف تشودري المحادثات بأنها تتجاوز المسائل النووية إلى تساؤلات أكبر حول كيفية إنهاء الحرب وما الذي سيعقبها من هندسة أمنية إقليمية. «هذه هي المحادثات التي تدور في كل مكان»، قال ذلك لقناة الجزيرة.

يقرأ  مبعوثون أمريكيون يلتقون قادة حماس في القاهرة لمحاولة إنقاذ الهدنة الهشة في قطاع غزة — دونالد ترامب

وجود روسيا الهادئ
—————–
ؤكد السفير الايراني لدى موسكو، كاظم جلالي، أن زيارة عباس عراقجي إلى العاصمة الروسية ستركز على «آخر مستجدات المفاوضات، وقف النار والتطورات المحيطة». قبل محادثاتهم في الكرملين، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين السفير جلالي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

تكرر اتصال قادة طهران وموسكو: تحدث الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان مع بوتين ثلاث مرات منذ اندلاع الحرب. وصف جلالي الزيارة بعبارات أيديولوجية، معتبرًا أن ايران وروسيا تقفان في «جبهة موحّدة» ضد ما سماه «قوى الاستبداد العالمي». من منظور طهران، يجلب الكرملين ثلاثة مزايا رئيسية: علاقة استراتيجية طويلة الأمد مع طهران، حق النقض في مجلس الأمن الدولي، ودور فني في الاتفاق النووي الأصلي.

غير أن موسكو، بحسب خبراء، لا تستطيع أن تضمن رفع العقوبات الأميركية أو أن تحلّ مكان تفاهم مباشر بين واشنطن وطهران. أضاف تيمور خان، الباحث في معهد الدراسات الاستراتيجية بإسلام أباد، أن قيمة روسيا تكمن أكثر في دورها كمُهدئ دبلوماسي، مسهّل تقني وتوازن جيوسياسي.

تطرّق المحلّل الجالِس في طهران جواد هيران-نيا إلى ملفات أكثر تحديدًا ترافق الدبلوماسية العامة: الزيارة تبدو مرتبطة بمخاوف حول مخزونات اليورانيوم المخصّب لدى ايران والتعاون العسكري بين طهران وموسكو. وقد عرضت روسيا تولّي إدارة اليورانيوم المخصّب الإيراني.

درس خطة العمل الشاملة المشتركة
——————————-
تستند تحرّكات عراقجي إلى درس بنيوي استخلصته طهران من انهيار اتفاق 2015 النووي. عندما انسحب الرئيس ترامب في 2018 من الاتفاق، وجدت ايران نفسها بلا دعم إقليمي وبلا ضامن قادر على إلزام واشنطن بالالتزامات. من ذلك استنتجت طهران أن دول أوروبا، رغم مشاركتها في مفاوضات الاتفاق، لا يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل في أوقات الأزمات. لذلك تبدو مبادرة وزير الخارجية جزءًا من استراتيجية تحوط تهدف إلى بناء عازل دبلوماسي، طمأنة الجيران، وتشكيل قاعدة أوسع لمواجهة التصعيد.

قال جوهر سليم، سفير سابق ورئيس معهد الدراسات الإقليمية في إسلام أباد، إن حسابات ايران تكتيكية أيضًا: طهران تفضّل اتفاقًا لا يكون عرضة لدورات الانتخابات الأميركية، وتلعب لعبة زمنية طويلة تستفيد من ما تراها «حاجة واشنطن إلى مخرج سريع».

يقرأ  بي بي سي تزور مركزًا لمراقبة وقف إطلاق النار في غزةتُديره الولايات المتحدة داخل إسرائيل

قدم هيران-نيا منظورًا تاريخيًا مغايرًا: على عكس مفاوضات الاتفاق الأولى، بدا أن دول الخليج العربية كانت مؤيدة للدبلوماسية حتى قبل حرب الاثني عشر يومًا في 2025، بينما في وقت توقيع الاتفاق الأصلي أبدت دول خليجية، لا سيما السعودية، معارضة جادة.

أوضح مهران كامرافا، أستاذ الحكومات في جامعة جورجتاون بمدينة الدوحة، أن هذا التواصل الراهن يُقرأ كامتداد لمسار طهران في بناء علاقات مع دول الخليج خلال السنوات الأخيرة.

الفجوات
——-
مع ذلك، يظل تأثير مبادرة ايران محصورًا ما لم توافق الولايات المتحدة على صفقة. ألغى ترامب زيارة مقررة لإسلام أباد قام بها مبعوثان بعدما غادر عراقجي باكستان، وقال إن ايران «قدمت الكثير، لكن ليس بما يكفي». أضاف أن الصين قد تساعد «أكثر بكثير»، مع لقاء مقرّر بين ترامب والرئيس شي جين بينغ في بكين منتصف مايو.

تظل تسوية أوسع بعيدة المنال، لأن مطالب ايران تتجاوز صفقة لحماية مضيق واضعة نفسها في إطار «إعادة ترتيب إقليمي شاملة»، وهو ما ترفض دول الخليج تقديمه، لا سيما بعد الهجمات الأخيرة. داخليًا، لا تقلل التقديرات من أهمية الرأي العام داخل ايران: الشارع معارض لإعادة فتح المضيق من دون تنازلات ملموسة، وتستمر طهران في استخدام المضيق ورقة ضغط إلى أن تقبل واشنطن بالتسوية.

تتقاطع الآن مواعيد نهائية عدة: عتبة صلاحيات الحرب في الأول من مايو، زيارة ترامب إلى الصين، وموسم الحج المقبل. مع توقع قدوم ملايين الحجاج إلى السعودية في أواخر مايو، ستنخفض السعة الدبلوماسية واللوجستية للرياض، ما يجعل أي تصعيد في تلك الفترة مكلفًا للغاية لدولة تُعد شريكًا محوريًا ووصيًّا على المقدسات الإسلامية.

قال مسؤولون باكستانيون رفيعو المستوى إن اسلام أباد لا تزال مستعدة لاستضافة جولة رسمية أخرى من المحادثات، لكن المفاوضات الجوهرية من المرجح أن تجرى بعيدًا عن العلن، مع إبقاء التواصل الظاهر في حدود ما يُعرض عندما يصبح اتفاق ممكنًا. «دول الخليج في مأزق وقد تضطر للمشي على حبل رفيع، استراتيجيًا ودبلوماسيًا»، كما خلص سليم.

أضف تعليق