الأعلام الإسرائيلية أحدث أسلحة المستوطنين لفرض السيطرة على الضفة الغربية

تحمل الشابة تغريد يحيى (25 عاماً) شعوراً عميقاً بالأسى في تنقّلها اليومي من بلدتها كفر راعي إلى وسط مدينة جنين شمال الضفة الغربية المحتلة. فقبل أن تصل إلى المدينة، تمر على طريق رئيسي يربط جنين بنابلس، وتصطدم عيناها بمئات الأعلام الإسرائيلية، في مشهد يفرض عليها واقع الاحتلال وهيمنته على طريق يعجّ بالتنقل الفلسطيني اليومي.

تقول تغريد إن الأمر بدأ بعلم هنا، وبؤرة استيطانية هناك، وطريق جديد يقطع المشهد الطبيعي. وتضيف: «هذا يجعل المشهد الذي اعتدنا عليه لسنوات يتغيّر، وكل هذا يترك حزناً وغضباً وخوفاً وشعوراً بالعجز. لكنه في الوقت نفسه يزيد تمسّكنا بالأرض والذاكرة والهوية».

هذا العرض العدواني للاحتلال الإسرائيلي يمثّل مرحلة تصعيدية من الاستعمار، إذ لا يقتصر على البؤر الاستيطانية والاعتداءات، بل يتجاوزها إلى تشويه قسري للهوية الجغرافية للفضاء الفلسطيني. فبعدما اقتلعت مجموعات من المستوطنين عشرات أشجار الزيتون التي يملكها فلسطينيون من بلدة عرابة، قاموا في الوقت نفسه بتزيين طريق التفافي شمال شرق جنين بالأعلام الإسرائيلية لتأكيد سيطرتهم. هذه الحملات، التي غالباً ما تتم بغطاء من الاجتياحات العسكرية لتأمين المنطقة، تهدف إلى تغيير المشهد الفلسطيني بشكل مصطنع، وتزامنت مع نشر سريع للبيوت المتنقلة وإقامة عشرات البؤر الاستيطانية في مناطق جديدة من الضفة الغربية.

أما الفلسطينيون الذين يمرّون يومياً عبر هذه المناطق في طريقهم إلى أعمالهم أو بيوتهم، فإن فقدان المشهد المألوف يشعرهم بالارتباك والاغتراب. المصوّرة فاتن عبد الهادي، التي تتنقل كثيراً بين قلقيلية ونابلس وطولكرم وسلفيت، لاحظت تغيّرات جذرية حدثت بين حزيران/يونيو وآب/أغسطس. وتقول: «أصابتني الحيرة أمام جغرافية أعرفها، إن صح التعبير. التغيير الكبير الذي طال أبرز معالم الشوارع بدا وكأنه نتاج فترة طويلة، لكنه في الحقيقة حصل في أقل من شهرين. المشهد مؤلم جداً؛ بيوت المستوطنين المتنقلة وأعلامهم وتجمّعاتهم على جوانب الطرق الرئيسية تعيدنا إلى حقيقة أن هؤلاء سرقوا حقّنا وانتماءنا».

يقرأ  اعتقال الرئيس السريلانكي السابق رانيل ويكريميسينغه — خبر عاجل

تصاعدت هذه الظاهرة بشكل واضح بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين تزايد التوسع الاستيطاني غير القانوني والاقتحامات العسكرية في الضفة الغربية. ومنذ ذلك التاريخ، قتلت القوات الإسرائيلية والمستوطنون أكثر من 1100 فلسطيني، كما تم تهجير سكان قرية فلسطينية سادسة وستين، بحسب منظمة «بتسيلم». وفي الوقت نفسه، يهدد طرح إسرائيل عطاءات بناء في مستوطنة «إي1» قرب القدس بتقسيم الضفة الغربية إلى نصفين، ويقول محللون إن ذلك سيقضي على أي أمل في إقامة دولة فلسطينية.

عادةً ما يبدأ التوسع الإسرائيلي بتحركات لمجموعة «شباب التلال» المتطرفة، كإقامة خيمة واحدة أو إطلاق أغنام للرعي على تلة فلسطينية، قبل أن تتحول المنطقة إلى مستوطنات إسرائيلية أكبر بدعم من الحكومة. وقد أفادت لجنة مقاومة الجدار والاستيطان بأن السلطات الإسرائيلية راجعت 113 مخططاً هيكلياً لتوسيع أو إقامة مستوطنات جديدة خلال النصف الأول من عام 2026، وهو ما يبدو نقلة استراتيجية من الحكومة الإسرائيلية لإنتاج مستوطنات على نطاق واسع بهدف فرض السيادة وضم الأراضي الفلسطينية.

ويقول خلدون البرغوثي، الباحث في الشؤون الإسرائيلية بالمركز الفلسطيني للدراسات، إن نشر الأعلام الإسرائيلية في هذه المناطق هو تكتيك لفرض حضور إسرائيلي مادي ونفسي في المناطق الفلسطينية. ويريدون إيصال رسالة إلى الفلسطينيين بأن المستوطنين جزء دائم من الأرض، في حين أن وجود الفلسطينيين مؤقت. ويعكس هذا الترهيب المحلي تصريحات المستويات القيادية الإسرائيلية العليا، إذ تفاخر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مؤخراً ببناء 104 مستوطنات و160 مزرعة استيطانية، كما يستخدم وزيراه المتطرفان بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير سلطاتهما لدعم أهداف المستوطنين التوسعية.

ويوضح البرغوثي أن «السيطرة التي يعملون عليها لا تقتصر على العمل الميداني، أي بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي وتقليص مساحة ما يملكه الفلسطينيون، بل تهدف أيضاً إلى كي الوعي الفلسطيني فيما يتعلق بوجودهم على أرضهم». وفي النهاية، تخدم هذه الحرب النفسية هدفاً ديموغرافياً كبيراً؛ فالخطة الشاملة لشباب التلال ومن خططوا لاعتداءات المستوطنين الأخيرة على القرى الفلسطينية هي إجبار الفلسطينيين على الرحيل من مجتمعاتهم الريفية، بحيث يبقون محصورين في مناطق حضرية معزولة، فيما يكون المشهد الطبيعي والبصري للضفة الغربية قد صار بالكامل تحت أقدام المستوطنين والجيش الإسرائيلي.

يقرأ  ابنا مخرج "الرجل الخيزران" يكملان ثلاثية والدهما الراحل

أضف تعليق