التعلّم الجماعي في التعليم — رؤى من صناعة التعلم الإلكتروني

ما هو التعلّم الجماعي؟

التعلّم الجماعي هو قدرة مجموعة أو منظومة تعليمية على إنشاء وتطوير والحفاظ على المعرفة بطريقة تتجاوز حدود الأفراد أو دفعات المتعلمين. الفكرة الأساسية هنا أن التركيز ينتقل من المتعلم الفرد إلى نظام التعلّم نفسه: المعرفة المتراكمة تُنتَج وتُنقّح وتنتقل بين مجموعات متعلمين متعاقبة، فلا يبدأ كل جيل من الصفر. بهذا يصبح النظام برمّته هو المتعلّم، لا الأشخاص فقط.

الفهم المشترك وبناء المعنى

مع مرور الوقت، تؤدي التفاعلات المتكررة بين المتعلمين إلى تشكيل فهم جماعي: مصطلحات متفق عليها، نماذج ذهنية مشتركة، وتفسيرات متوافقة لظواهر ومشكلات محددة. هذا الفهم ليس ثابتاً؛ بل يُختبر ويتحسّن ويتبدّل مع ظهور تجارب وأفكار جديدة.

لمحة تاريخية عن التعلّم الجماعي

التعلّم الجماعي ليس اختراعاً معاصراً، بل بدأ مع البشرية الأولى. في المجتمعات التقليدية، كانت التقاليد الشفوية والقصص والطقوس وسيلة لنقل معارف الصيد والطب والعلاقات الاجتماعية عبر الأجيال. اختراع الكتابة أشعل تحولاً جوهرياً: صار بالإمكان توثيق المعارف، مراجعتها، وتوسيعها على مدى أجيال، مما أتاح فهمًا جماعيًا أكثر ثباتاً وقابلية للتطوير. الجامعات والمؤسّسات الأكاديمية صاغت هذه العملية رسمياً، وبات المنهاج وسيلة لتنظيم المعرفة وإيصالها عبر الأجيال، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من اختيارات أخلاقية وسياسية حول ما يجب الاحتفاظ به أو تحييده.

معنى التعلّم الجماعي في التعليم المعاصر

في سياق المدارس والجامعات، لا يقتصر التعلّم الجماعي على العمل الجماعي أو النقاشات الصفية فحسب. إنه يتعلق بكيفية تصميم البرامج بحيث لا تُمحى نتيجة دفعة من المتعلمين بعد تخرجها، بل تدخل مصادراً من الخبرات والملاحظات والتحسينات في بنية البرنامج ذاته: خطط دروس أو أمثلة أو إطارات تفسيرية تتحسّن عبر الزمن. السؤال المهم إذن ليس فقط: هل يتعلّم الطلاب مع بعض؟ بل: هل تتعلّم المنظومة التعليمية من طلابها؟

يقرأ  وفاة فينس زامبيلا الشريك المؤسس لسلسلة كول أوف ديوتي في حادث سير بالولايات المتحدة — أخبار

التعلّم الجماعي والفهم الجماعي: علاقة مميزة

الفهم الجماعي هو تمثّل مشترك للمفاهيم والممارسات داخل مجموعة؛ يظهر في اللغة المشتركة، والافتراضات التي لم تعد بحاجة لشرح، ونهج حل المشكلات. بينما يكون هذا الفهم في لحظة زمنية نسبياً ثابتاً، فإن التعلّم الجماعي هو العملية الديناميكية التي تختبر وتحدّث ذلك الفهم. الأنظمة التعليمية المصممة جيداً تتيح اختبار الافتراضات القديمة وإدراج وجهات نظر جديدة، بحيث يظل الفهم الجماعي قابلاً للتكيّف.

عناصر الفهم الجماعي
– نماذج ذهنية مشتركة: طرق متفق عليها للتفكير في المفاهيم والتحديات.
– لغة مشتركة: مصطلحات واضحة تقلّل الالتباس.
– تفسيرات متفق عليها: معانٍ مشروطة متناولة ضمن سياق محدد.

أمثلة عملية على التعلّم الجماعي

1) برامج قائمة على الدفعات (Cohort-based programs)
في نماذج الدفعات الفعّالة، لا يُعاد كل شيء من جديد مع كل مجموعة. تُستخدم خبرات الدفعات السابقة—نجاحاتها وإخفاقاتها وافتراضاتها التي تغيرت—لتطوير البرنامج. مكتبات الحالة المشتركة، والتأملات الواقعية، ومنهجية حل المشكلات الواقعية تتيح للدفعات القادمة التعلّم من تجارب سابقة بدل الاقتصار على النظرية.

2) التعليم المهني والتعلّم المستمر
عندما تبقى برامج التعليم المستمر مرتبطة بالممارسة، تصبح مساهمات الممارسين (حالات عملية، تحديات، اتجاهات جديدة) مورداً قيّماً يُجمع ويُحلّل ويُعاد استخدامه لصالح الجميع. هكذا تتعلم البرامج مع مستخدميها وتتكيف مع تغيّر الميدان.

3) بيئات التعلم المفتوحة والشبكية
– الدورات الضخمة المفتوحة (MOOCs): إذا صُممت بشكل يسع للمساهمة الجماعية، تتحوّل إلى أنظمة يتبلور فيها نمط من المعارف من تفاعلات آلاف المتعلمين.
– مجتمعات البحث المفتوح: المعرفة تُنتج وتُنقّح بشكل تعاوني واستمرار.
– مجتمعات الممارسة المهنية: التجريب العملي يُغذّي الفهم المشترك ويطوّره.

أربع مبادئ لتصميم التعلّم الجماعي

1. بقاء المعرفة بعد رحيل المتعلّم
لكي نقول إن نظاماً قد تعلّم، يجب أن يبقى أثر المعرفة بعد مغادرة من ساهم فيها. إذا انقضت المعارف مع مغادرة الأفراد، فالتعلّم ظل محصوراً بهم لا بالنظام.

يقرأ  تظاهرات في أنحاء إسبانيا ضد ارتفاع ضريبة القيمة المضافة على مبيعات الأعمال الفنية

2. إمكانية إعادة الزيارة
الفهم يتعمّق عندما يُعاد النظر في الأفكار، يُعاد تفسيرها، ويُربط ما بين خبرات متعدّدة. تصميم الأنظمة يجب أن يسهل العودة إلى الموارد وإعادة المناقشة.

3. التقاط المعرفة لا مجرد استهلاكها
الأنظمة الفعّالة لا تكتفي بتقديم المحتوى، بل تجمع التأملات، التفسيرات، والحلول العملية لِتتحوّل إلى معرفة يمكن تراكمها وتطويرها.

4. بناء الدفعات الجديدة على خبرات القديمة
كل دفعة جديدة يجب أن تحصل على “ميزة” تراكمية: دروس عملية، حالات، أو تفسيرات مدعّمة بتجارب سابقة، ليس الانطلاق من الصفر.

دور مصممي التعليم (Instructional Designers)

مسؤولية مصممي التعليم تتجاوز إعداد دورات متكاملة الأهداف والقياس. عليهم التفكير بمنظور طويل الأمد: كيف سيساهم كل مساق في نظام يعيد إنتاج المعرفة ويُحسّنها؟ هم مسؤولون عن آليات التقاط الأفكار، تأطير التأملات، واتخاذ قرارات حول ما يُحفظ وما يُهمل. كما تنشأ هنا أسئلة أخلاقية حقيقية: من يملك المعرفة المُنتَجة داخل النظام؟ المؤسسة؟ المنصة؟ أم المساهمون أنفسهم؟ ومن تُسمع أصواتهم ومن يُهمّش؟ هذه التساؤلات تتطلب وعيًا وتصميماً متعمّقين من قبل المصممين.

الخلاصة

التعلّم الجماعي هو القوة الخفية التي تجعل من التعليم أكثر من تجارب فردية؛ إنه عملية منظومية لحفظ المعرفة، تحديها، وتطويرها عبر الأجيال. السؤال الذي يجب أن يطرحه القائمون على التصميم التعليمي ليس فقط: هل تعلّم هؤلاء الأفراد؟ بل: ما المعرفة الجديدة التي أُنتجت، هل ستصمد، ومن سيستفيد منها لاحقاً؟ هل نصمّم لأثر يمتد أم لتجربة تنتهي بانقضاء الدورة؟

أسئلة متكرّرة (FAQ)

ما هو التعلّم الجماعي؟
التعلّم الجماعي هو إنتاج ومشاركة وحفظ المعرفة على مستوى المجموعة أو النظام، بحيث تستمر الخبرات والدروس عبر الوقت بدلاً من أن تقتصر على أفراد محدّدين.

لماذا التعلّم الجماعي مهم؟
لأنّه يسمح بتراكم المعرفة وتحسينها مع الزمن، يساعد المؤسسات التعليمية والمنظمات على تذكّر تجاربها، ويجعلها قابلة للتكيّف واتخاذ قرارات أفضل.

يقرأ  السل يودي بحياة ١٫٢٣ مليون شخص خلال العام الماضي، بحسب منظمة الصحة العالمية

كيف ظهر التعلّم الجماعي تاريخياً؟
بدأ عبر التقاليد الشفوية ثم تحوّل مع اختراع الكتابة إلى عملية توثيق ومراجعة متواصلة، وتطوّر لاحقاً في مؤسّسات مثل الجامعات التي نظّمت المعرفة ونقلت ما اختير منها عبر الأجيال.

ماذا يعني التعلّم الجماعي في التعليم؟
يعني أن نتائج التعلم تتجاوز الأفراد لتؤثر في المنهج والطرق التعليمية للدفعات اللاحقة، بحيث تتكوّن بنية معرفية متطوّرة عبر الزمن.

ما أمثلة على التعلّم الجماعي؟
برامج الدفعات، مكتبات الحالات المشتركة، التعليم المهني المرتبط بالممارسة، الدورات المفتوحة والمجتمعات البحثية المفتوحة، ومجتمعات الممارسة المهنية.

ما هو الفهم الجماعي وكيف يرتبط بالتعلّم الجماعي؟
الفهم الجماعي هو التمثّل المشترك للحقيقة داخل مجموعة في لحظة زمنية؛ في حين أن التعلّم الجماعي هو العملية التي تنتج وتحدّث هذا الفهم بشكل مستمر عبر الأجيال والدفعات.

أضف تعليق