التعلّم داخل بيئة العمل دليلك الشامل لعام ٢٠٢٦

كل ما ينبغي معرفته عن التعلم في بيئة العمل

في عالم العمل المتغيّر بسرعة بفعل التطوّر التكنولوجي وتبدّل توقعات العملاء، لم يعد التعلم وتطوير المهارات خيارًا ترفيهيًا بل ضرورة أساسية. على الموظفين أن يكونوا مرنين وقادرين على التكيّف مع متطلبات الوظائف المتبدِّلة ليظلّوا ذوي قيمة وقدرة تنافسية. لم يعد التعليم في مكان العمل يقتصر على التدريب التقليدي داخل الفصول؛ بل تحوّل إلى منظومة ديناميكية تتضمّن وحدات صغيرة قابلة للاستهلاك، ودروسًا مصمَّمة أساسًا للهواتف الذكية، وتعلُّماً مُخصّصًا مدعومًا بالذكاء الاصطناعي، ما يجعل اكتساب المهارات أكثر سهولة وملاءمة للمتعلمين أثناء التنقّل — وكل ذلك يهدف إلى جعل التعلم في متناول اليدين وفي الوقت الملائم.

لكن التعلم في مكان العمل ليس مجرّد مسألة راحة؛ إنه أداة استراتيجية لتعزيز الإنتاجية، وسد الفجوات المهارية، وتسريع نمو المؤسسة. سنستعرض في هذا النص مفهوم التعلم المؤسسي، أهميته في تطوير الموظّفين، واستراتيجيات فعّالة لبناء ثقافة تعليمية مستدامة. لنبدأ.

ما هو التعلم في مكان العمل؟

التعلم في مكان العمل هو مجموعة من الممارسات التي تهدف إلى تمكين الموظفين من تحسين مهاراتهم واكتساب معارف جديدة أثناء أداء مهامهم اليومية. يتجاوز هذا النهج الاعتماد على الدورات الرسمية فقط، إذ يتيح اكتساب المهارات دون مقاطعة مستمرة للعمل أو الاعتماد على برامج تطوير طويلة الأمد. كثير من الشركات الحديثة تتبنّى إطار 70-20-10 لتفسير كيفية اكتساب الموظفين لمهاراتهم:

– 70% من التعلم يأتي عبر الخبرة العملية المباشرة: إنجاز مهام معقّدة، مواجهة تحديات يومية، وتجربة حلول جديدة تعمل على ترسيخ المعارف من خلال التطبيق الفعلي.
– 20% ينبع من التعلم الاجتماعي: التوجيه، التغذية الراجعة، التعاوُن مع الزملاء، والملاحظة المباشرة للآخرين تشكّل مصدراً مهماً للتعلم.
– 10% يأتي من البرامج الرسمية: دورات عبر الإنترنت، ورش عمل، ندوات وبرامج تدريب منظّمة.

يقرأ  استقلالية المتعلّمركيزة أساسية لتعزيز التعلم

هذا الخليط بين التطبيق العملي والنقاش الاجتماعي والتعلّم المنهجي يضمن امتلاك الموظفين لمزيج متوازن من المعارف النظرية والمهارات العملية، ويعزّز ثقافة التعلم المستمر داخل المؤسسة.

لماذا أصبح التعلم في مكان العمل مهمًا؟

العمل يتغير باستمرار؛ ومن البديهي أن الموظفين الذين يواكبون هذه التغيّرات ويطوّرون مهاراتهم باستمرار يساهمون في جعل مؤسساتهم أكثر ابتكارًا وقدرة على المنافسة. أبرز أسباب أهمية التعلم المؤسسي:

– الحفاظ على ملاءمة الموظفين: مع تطوّر التكنولوجيا وتحوّل متطلبات السوق، يضمن التدريب المستمر أن يبقى الموظفون مطّلعين وقادرين على استخدام أدوات وأساليب حديثة لتلبية توقعات العملاء.
– زيادة التفاعل والاحتفاظ بالمواهب: الموظفون الذين يشعرون أن مؤسستهم تستثمر في نموّهم المهني يكونون أكثر دافعية وولاءً، ما يقلّل من معدلات الدوران الوظيفي.
– تحسين حل المشكلات والإنتاجية: القوى العاملة المتمكّنة تفكّر نقديّاً، تختبر أساليب جديدة وتبتكر حلولاً تُحسّن العمليات وتسهم في نمو الأعمال.
– إعداد القوى العاملة للمستقبل: التعلم المستمر يجهّز الموظفين للوظائف الجديدة والأدوار القيادية، ويطوّر مهارات ناعمة أساسية تؤدّي إلى أداء أدقّ وتعاون أفضل.

أهداف ومجالات تطبيق التعلم في مكان العمل

رغم أن التركيز الأساسي غالبًا ما يكون على رفع مستوى المهارات (Upskilling) وإعادة التأهيل المهني (Reskilling)، فإن فرق التعلم والتطوير تستفيد من برامج التعلم أيضاً لأغراض أخرى مهمة:

– رفع المهارات وإعادة التأهيل: رفع مستوى الموظفين داخل أدوارهم الحالية أو تأهيلهم للانتقال إلى وظائف جديدة. مثال: مدير تسويق يتعلّم أدوات التحليل لتحسين أداء الحملات.
– التهيئة والاستقبال (Onboarding): برامج تعليمية منظّمة تساعد الموظف الجديد على استيعاب مسؤولياته وثقافة الشركة وأدوات العمل بسرعة.
– الامتثال وسلامة العمل: دورات امتثال تضمن المعرفة بالإجراءات الأمنية وسياسات الخصوصية ومكافحة التحرش، ما يقي المؤسسة من المخاطر القانونية ويؤمّن بيئة آمنة.
– إدارة الأداء: توجيه التدريبات لسدّ الثغرات المهارية وتحقيق أهداف الأداء عبر مواءمة البرامج التدريبية مع مؤشرات الأداء.
– القيادة وتطوير المسار المهني: برامج إرشاد وورش تدريبية تُعدّ الموظفين للمناصب القيادية وتبني جيلًا من المديرين المؤهَّلين.

يقرأ  التغلب على تحديات الانخراط من خلال تخصيص تجربة التعلم

أنواع التعلم في مكان العمل

يمكن تقسيم أنماط التعلم إلى نوعين أساسيين: رسمي وغير رسمي. التعلم الرسمي يتبع هيكلًا محدّدًا مثل الورش والدورات عبر منصات LMS، بينما التعلم غير الرسمي أكثر مرونة ويشمل مقاطع الفيديو، البودكاست، المقالات والمحادثات السريعة بين الزملاء. غالبية المؤسسات الفعّالة تستخدم مزيجًا من الطريقتين. أمثلة أخرى على أساليب التعلم:

– التعاون ضمن الفرق.
– برامج الإرشاد والتوجيه.
– التدريب المهني والتلمذة.
– نشرات بريدية تَعليميّة.
– التطوّع كفرصة تعلم.
– أدوات الدردشة والتشارك السريع للمعرفة.
– منصات ومواد رقمية لمشاركة المحتوى.
– ندوات إلكترونية.
– نظم تعليمية تمنح شهادات.
– بوابات التعلم الإلكتروني.

نجاح هذه الأساليب يعتمد على وضوح الأهداف، سهولة الوصول للمحتوى، وتحفيز الإنجاز عبر مكافآت أو اعتراف بالمجهود.

الفوائد الرئيسية للتعلم في مكان العمل

الاستثمار في تعليم الموظفين يعود بالنفع على الفرد والمؤسسة معاً. من أبرز المزايا:

– رفع الإنتاجية: امتلاك مهارات جديدة وتلقّي تغذية راجعة مخصّصة يمكن الموظف من إنجاز المهام بكفاءة وجودة أعلى.
– زيادة الارتباط والرضا الوظيفي: الموظف الذي يشعر بالتقدير والاستثمار في مستقبله المهني يكون أكثر التزامًا واستقرارًا.
– تقليص الفجوات المهارية: التدريب المستمر يمنع اتساع الفجوات مع تطوّر التقنيات والاتجاهات.
– تعزيز التعاون بين الفرق: مشاركة المعرفة والخبرات تخلق بيئة تعلم مشتركة تقود إلى أفكار مبتكرة وحلول عملية.

كيف تبني ثقافة تعليمية داخل مؤسستك

ثقافة التعلم القوية ليست خيارًا بل استثمار استراتيجي؛ فالمؤسسات التي تتبنّاها تسجّل معدلات تفاعل واحتفاظ أعلى بكثير. خطوات عملية للبدء:

– تسهيل الوصول إلى الموارد: اجعل الدورات والوحدات المختصرة وورش العمل متاحة بسهولة ليتمكن الموظفون من التعلم بوتيرة تناسبهم.
– تقدير الجهود التعليمية: الاعتراف بالمتعلّمين ومكافأتهم يشجّع المشاركة ويعزّز تبنّي برامج التدريب.
– تشجيع التعلّم الذاتي: اترك مساحة للمبادرة الفردية والتجريب، مع توفير تغذية راجعة مستمرة ودعم للتطوّر.
– تعزيز التعاون والإرشاد: برامج التوجيه والمشاريع التعاونية تتيح تبادل الخبرات وتسرّع عملية التعلم.
– مواءمة التعلم مع أهداف الشركة: اربط البرامج التدريبية بتحديات العمل الحقيقية ومسارات الترقية لتزداد صلتها وتحفيز الموظفين على تطبيق ما تعلّموه.

يقرأ  مصرع ٥٠ شخصًا على الأقل وتدمير مجتمعات بأكملها بعد أمطار غزيرة وانهيارات أرضية تجتاح القرى

خلاصة

الدافع للحفاظ على التعلم المستمر يختلف بين الموظفين—منهم من يسعى للتقدّم المهني ومنهم من يبحث عن إثراء معرفي—لكن الأكيد أن على الشركات توفير بيئة تعلم متكاملة تُدخِل التعلم في لسان حال العمل اليومي. هذا الاستثمار لا يزيد من إنتاجية الموظفين فحسب، بل يؤسّس لنمو طويل الأمد للمؤسسة وقدرة أفضل على مواجهة تحديات المستقبل. ضروريى أن تُعامل برامج التعلم كركيزة استراتيجية، إذ تضمن توافر قوى عاملة مرنة، قادرة على الابتكار والقيادة.

أضف تعليق