السياسة الطبقية في أوبئة العصر الحديث قضايا الصحة العامة

لا شيء يمنع الأثرياء من الاستمتاع بعطلاتهم. سواء كانوا يتزلّجون على امتداد منحدرات ثلجية أو يختلطون بنخبة المترفين على متن رحلات بحرية فاخرة، ينجحون دوماً في تأمين فسحة للترف واللهو، أحياناً حتى على أعتاب تفشٍّ صحي.

في يناير 2020، أثبت سائح ألماني يقضي إجازته في جزر الكناري إصابته بفيروس كورونا المستجد، ليُعد أول حالة مؤكدة لكوفيد-19 في اسبانيا. المريض، إلى جانب خمسة مواطنين ألمان كانوا يسافرون معه، خضعوا للمراقبة. ولاحقاً تبيّن أن السائح كان قد اختلط بأعمال صينية مصابة في ألمانيا قبل سفره إلى الأرخبيل. هذه الحادثة سبقَت نمطاً سيهيمن على مجرى الجائحة: العوامل الممرِضة تنتقل سريعاً عبر مسارات تنقل الأغنياء ورجال الأعمال والنخب الدولية.

خلال الشهور الأولى لكوفيد-19 ارتبط الفيروس كثيراً بحركة التنقل الرفيعة المستوى. كانت بؤر التفشّي الأولى مرتبطة بعطلات التزلج، ورحلات عمل إلى ووهان، وعبّارات سياحية فاخرة عملت كحاملات للعدوى. كما كتب بيورْن ثور آرنارسون في Scientific Reports: «كان لا بد من نقل بشري لنشر الفيروس إلى أماكن جديدة.» أولئك الذين تحرّكوا بحرية أكبر عبر الحدود كانوا في الغالب من أصحاب المال.

أفرز هذا الديناميك انطباعات عامة غريبة. في المكسيك، صرّح الحاكم لويس ميغيل باربوسا بشكل فظ «إن كنت غنياً فأنت معرض، أما الفقير فليس كذلك؛ نحن الفقراء مُحصنون.» كانت تصريحاته سخيفة، لكنها عكست ظاهرة حقيقية آنذاك. عاد عدد من المصرفيين الأثرياء في المكسيك من رحلة تزلج في فايل بكولورادوا حامليْن للفيروس. وعندما حاولت السلطات الصحية التواصل مع عدد منهم للتحقق من احتمالية التعرض، أفيد أن كثيرين لم يتجاوبوا.

ومع ذلك، الأمراض التي تبدأ ضمن دوائر النخبة نادراً ما تبقى حبيسة تلك الدوائر. واجه مسؤولو الصحة العامة مفارقة معروفة: بينما يسرّع المسافرون الأثرياء انتشار الأمراض على الصعيد الدولي، تكون الفئات الأشد فقراً هي التي تتحمل وطأة المعاناة عندما يستقر التفشّي. في زمن كوفيد-19، فرّت العائلات الثرية إلى منازل ثانية، عملت عن بُعد وعزلت نفسها، فيما واصل عمّال الطبقة العاملة الكدّ في مدن مكتظة ومصانع ووسائل نقل عامة. حمل الأغنياء الفيروس عبر الحدود، لكنّ الفقراء تكبّدوا معظم المخاطر.

يقرأ  العشرات في عداد المفقودين بعد غرق قارب للمهاجرين قرب الحدود الماليزية — التايلاندية

بهذا المعنى، كثيراً ما تعكس الأوبئة عدم المساواة المتأصلة في العولمة: من يملكون حرية التنقل الأكبر هم من يولّد مخاطر وبائية غير متناسبة، ومن يملكون أقل الموارد هم الأكثر عرضة للعواقب.

لطالما شكّل الانتماء الطبقي ليس فقط مدى القابلية للإصابة، بل أيضاً الروايات الاجتماعية المحيطة بالأوبئة. اُغتُربت السلّ ذات مرة كمرض الفنانين والمثقفين، جزئياً لأن الكُتّاب والرسامين سجّلوا تجاربهم معَه. في المقابل، ارتبطت أمراض مثل إيبولا وفيروسات نقص المناعة بالأوجه الفقيرة. ورغم ذلك، يبقى لحركة النخبة دور بالغ الأهمية في نشر الأمراض المعدية في عالمٍ يزداد ترابطاً. وعاودت التوترات نفسها بين الثروة والتنقّل والضعف الظهور خلال حالة الهانتفيروس الأخيرة على متن السفينة إم في هونديوس.

حين غادرت السفينة إم في هونديوس مدينة أوشوايا الأرجنتينية في الأول من أبريل، شرع ركابها في رحلة فاخرة نحو الرأس الأخضر. كانت السفينة تقل 88 راكباً و59 من أفراد الطاقم من 23 دولة؛ بعض التذاكر بلغت قيمتها ما يصل إلى 18 ألف يورو. قلّ من كان يتخيل أن يصبحوا محور تفشٍّ لهانتفيروس، وهو التفشّ الذي ارتبط لاحقاً بسبع حالات مؤكدة وحالتين مشتبه فيهما وثلاث وفيات.

مع اقتراب السفينة من جزر الكناري في مايو، رفضت السلطات الإسبانية في البداية السماح لها بالرسو. وبعد احتجاجات من الركاب وعائلاتهم، تَوصّل الطرفان إلى حل وسط سمح للسفينة بالبقاء على المغاير قبالة تينيريفي. دافع فرناندو كلافيخو، رئيس جزر الكناري، عن القرار محذراً من أن القوارض المصابة على متن السفينة قد تصل إلى اليابسة وتنتشر بها العدوى. قلّلت السلطات الصحية الإسبانية لاحقاً من احتمال حصول ذلك، لكن الحادثة كشفت عن قلق أوسع: المسافرون الأثرياء قد يحتضنون مَمرِضات تصل إلى مناطق يتكبّد سكانها المحليون نتائجها.

يقرأ  منظمة غير حكومية: قوات الدعم السريع تحتجز آلافاً في الفاشر

غيّرت جائحة كوفيد-19 نظرة كثيرين إلى السفر النخبوي بحد ذاته. قبل الجائحة بسنوات، انتُقدت السياحة الفاخرة لبصمتها الكربونية وتأثيرها البيئي. أضاف كوفيد-19 بُعداً آخر: العواقب الميكروبية لحركة عالمية غير منضبطة. وهذه الآثار نادراً ما تتوزع بالتساوي. الفئات الأشد فقراً، خاصّة في الجنوب العالمي، تبقى أكثر عرضة للتفشّيات بسبب الاكتظاظ، وضعف أنظمة الرعاية الصحية، ونقص المياه، وضغوط مناخية تُعزّز انتشار الأمراض.

يثير هذا سؤالاً سياسياً محرجاً: هل يجب أن تتحمل المجتمعات الغنية مسؤولية أكبر عن المخاطر الوبائية الناتجة عن تنقّل النخبة؟

يمكن أن تتصاعد الأمراض المعدية الناشئة سريعاً إلى أزمات دولية تزعزع اقتصادات وتتسبّب في خسائر بشرية فادحة. لم تكن الحادثة على متن إم في هونديوس مجرد حادثة بحرية معزولة، بل تذكير بأثر عدم المساواة على الصحة العالمية. وحتى في لحظات الحجر والطوارئ، تظل حركة الأشخاص متباينة. عاد الركاب الأثرياء إلى بلدانهم لتلقّي المراقبة الطبية والعلاج، بينما تُركت المناطق المُعرَّضة لإدارة حالة عدم اليقين والمخاطر.

قصة إم في هونديوس تكشف في النهاية عن واقع مألوف في العولمة: المترفون هم أكثر الناس تنقلاً على الأرض، لكنهم نادراً ما يكونون الأكثر تعرُّضاً لعواقب تلك الحركة.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال تعكس رأي الكاتب وحده ولا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق