سبيس إكس على أعتاب أكبر طرح عام أولي في الولايات المتحدة
من المتوقع أن تطرح سبيس إكس للاكتتاب العام يوم الجمعة، في ما قد يصبح أكبر طرح عام أولي (IPO) في تاريخ الأسواق الأمريكية. وتُقدَّر قيمة الشركة بنحو 1.8 تريليون دولار، أي ما يعادل تقريباً 135 دولاراً للسهم، متجاوزة بذلك قيمة أرامكو السعودية التي أُدرجت عام 2019 بقيمة بلغت 1.7 تريليون.
قوانين ناسداك وتأثيرها على المستثمرين الأفراد
تشير التعديلات الأخيرة في قواعد بورصة ناسداك إلى أن المستثمرين الأفراد قد يتمكنون من امتلاك أسهم هذه الشركات بعد وقت أقصر من المعتاد — ربما بعد 15 يوماً عمل من أول يوم تداول. وقد دفعت هذه التغييرات احتمالات طرح أوبن إيه آي وأنثروبيك للاكتتاب العام أيضاً، إذ تُتوقع كلتا الشركتين أن تسجّلا تقييماً يقارب التريليون دولار.
توزيع الأسهم وإقبال المستثمرين الصغار
أثار طرح سبيس إكس ضجة بين المستثمرين الأفراد؛ إذ من المتوقع أن تُخصّص الشركة حوالي 20% من الأسهم للمستثمرين الأفراد، وقد تلقت طلبات اكتتاب بأحجام تصل إلى نحو 70 مليار دولار وفق وكالة رويترز. ومع ذلك يثار قلق واسع من أن تكون القيمة المعلنة مبالغاً فيها، مما يعرض خصوصاً أصحاب المعاشات وحقوق التقاعد لمخاطر خسارة مدخراتهم.
فترة التثبيت وأثرها على صناديق المؤشرات
تقليدياً، توجد فترة انتظار بين الطرح العام وإدراج الشركة في مؤشرات مثل S&P 500 أو ناسداك-100، إذ يُتطلب عادة إثبات ربحية خلال أربعة أرباع متتالية بالنسبة لمؤشر S&P وخلال ثلاثة أشهر تقويمية لمؤشر ناسداك-100، مستثنى منها شهر الإدراج. سعَت سبيس إكس للحصول على استثناء للشركات العملاقة، وقد سمحت قواعد ناسداك المعدّلة بدخول أسرع إلى المؤشر بعد 15 يوماً تداولياً، في حين لم تُغير مؤشرات S&P قواعدها.
الالتزام بشراء مكوّنات المؤشر وحصانة مديري الصناديق
ترتبط استثمارات صناديق التقاعد بصناديق مؤشر تعتمد على أداء S&P 500 وناسداك-100؛ ما يعني أن أصحاب المعاشات قد لا يمتلكون خيار الموافقة أو الرفض بشكل مباشر. وصفت تحركات ناسداك بأنها قد تُجبر مديري الصناديق على شراء أسهم الشركات المدرجة حديثاً بنسب متماثلة مع أوزانها في المؤشر، وهو ما قد يكون غير مرغوب إذا كانت هذه الشركات مُسعّرة بأكثر من قيمتها الحقيقية.
تحفّظات المحللين وقرارات صناديق التقاعد
قدّرت بعض دور التحليل، مثل مورنينغستار، قيمة سهم سبيس إكس بما يقارب 63 دولاراً، أي بخصم يُقدَّر بنحو 53% عن سعر الطرح. وأعلنت ولاية كارولاينا الشمالية مثلاً أنها لن تشتري حصة مباشرة لصالح صندوق التقاعد الخاص بالمعلمين ورجال الإطفاء والشرطة لارتفاع التكلفة، بل ستشارك عبر الصناديق المؤشرية الكبرى التي تستثمر فيها.
هيكل الحوكمة وصلاحيات موسك
أثار الهيكل المقترح لحوكمة شركة سبيس إكس مخاوف مديري صناديق التقاعد على مستوى الولايات، إذ يمنح إيلون موسك صلاحيات تصويتية هائلة — قد تصل إلى حوالي 85% من قوّة التصويت رغم امتلاكه نحو 42% من رأس المال. وبذلك تصبح إمكانية إقالته عملياً مرهونة بموافقته هو شخصياً، وهو وضع اعتُبر استثنائياً بين الشركات الكبرى المملوكة جمهورياً.
هذا الهيكل يقوّض قدرة المساهمين، بمن فيهم المستثمرون المؤسسيون وصناديق التقاعد، على مساءلة الإدارة أو إقالة المدير التنفيذي إذا فشلت الشركة في الوفاء بوعودها.
الآثار المحتملة على صناديق التقاعد والهبات الجامعية
حذر خبراء مثل ألكساندر توميتش من كلية بوسطن من أن التقييمات المبالغ فيها لسبيس إكس وربما لأوبن إيه آي وأنثروبيك قد تسبّب خسائر كبيرة لصناديق التقاعد والحسابات الفردية وصناديق الوقف الجامعية إذا انهارت هذه التقييمات، لا سيما مع تسهيل إدخال الشركات إلى المؤشرات عبر قاعدة الخمسة عشر يوماً التي قد لا تتيح وقتاً كافياً لمراقبة أداء الطرح الأولي.
خلاصة
التغييرات التنظيمية الأخيرة على قواعد الإدراج قد تسرّع دخول عمالقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي للأسواق العامة، ما يفتح فرصاً واسعه للمستثمرين الأفراد لكنه في الوقت نفسه يطرح مخاطر ملموسة، لا سيما لصناديق التقاعد والمستثمرين الذين لا يملكون قدرة اختيارية فعّالة على المشاركة في هذه الاستثمارات. ولا يزال السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كانت هذه التقييمات سترسو على أساس متين بعيداً عن ضجيج السوق — وما إذا كانت استراتيجيات الحوكمة المقترحة ستحمي مصالح الملاك العامين ام لا.
نظام جامعة كارولاينا الشمالية، على سبيل المثال، ربط نحو عشرة في المئة من صندوقه الوقفي بشركة سبيس إكس، بحسب تقرير وول ستريت جورنال، وينطبق ذلك أيضاً على جامعتي واشنطن في سانت لويس وستانفورد في بالو ألتو.
رهان ماسك
أطلق ايلون ماسك وعوداً طموحة وطويلة الأمد لسبيس إكس في السنوات المقبلة، شملت رهانات كبيرة على مستقبل الذكاء الاصطناعي وخططاً لبناء مراكز بيانات في الفضاء. غير أن هذه الوعود تطغى عليها تاريخ طويل من المبالغة في الوعد وقصور في التنفيذ. تحليل لصحيفة نيويورك تايمز أظهر أنه وفَّى بوعده في الوقت المحدد — إن تم الوفاء به أصلاً — في حوالي 19 في المئة فقط من نحو 600 التزام قدمها.
في 2016 أعلن أن البشر سيكونون على سطح المريخ بحلول 2025؛ هذا لم يحدث. كما لم يحقق وعده بأن سيارة تيسلا الروبوتية ستكون ذاتية القيادة بالكامل بحلول نهاية 2025، ولم تتحقق أيضاً وعوده، أثناء قيادته لوزارة كفاءة الحكومة، بخصومات ميزانية بقيمة تريليوني دولار.
أفادت سبيس إكس بخسارة بلغت 4.9 مليار دولار العام الماضي، مع إيرادات وصلت إلى 18 مليار دولار مقارنة بـ14 مليار في العام السابق. ويُعزى كثير من نمو الإيرادات إلى شبكة ستارلنك، التي تتجاوز عشرة ملايين مشترك وتُعدُّ جزءاً رابحاً من أعمال الشركة، وتشكل بين 50 و80 في المئة من إيراداتها تقريباً.
يقول مايكل موناغان، المدير الشريك لمديري المحافظ في FounderETFs، لقناة الجزيرة: «عندما نقود سيارة ننظر عبر الزجاج الأمامي لا المرآة الخلفية؛ لذا كمديرين مؤسسيين ننظر إلى الأمام ونسأل ماذا يمكن أن تكسب الشركة. نحن مستثمرون طويلو الأمد». وأضاف أنهم يتوقعون ما يمكن لسبيس إكس تحقيقه بحلول 2030 من دون مفرطة في التفاؤل: نحو 50 مليار دولار من ستارلنك و50 مليار دولار أخرى من قطاع الدفاع.
تطلق سبيس إكس الصواريخ بوتيرة أسرع مما فعلته أي برامج فضائية سابقة، مع إطلاق صاروخ تقريباً كل يومين، وخصوصاً فالكون-9 الذي أكمل 165 رحلة العام الماضي وحده. كما يرى موناغان أن الشركة في موقع جيد لبناء قاعدة على القمر، وهو أمر أولوية لوزارة الدفاع الأمريكية: «هناك شركة واحدة فقط يمكنها البناء والتسليم والإمداد».
تتفق مؤسسات مالية كبرى مع هذا الرأي؛ فبعض التقديرات التي نقلت عن مورغان ستانلي تشير إلى أن الإيرادات قد تتجاوز 330 مليار دولار بحلول 2030، فيما تضع جولدمان ساكس رقماً أعلى يقارب 470 مليار دولار لنفس الإطار الزمني.
تأثير متسلسل
مع تعميق سبيس إكس رهاناتها لبناء مراكز بيانات في الفضاء، يبرز قلق متزايد من أن قطاع الذكاء الاصطناعي قد يكون فقاعة قابلة للانفجار. يلفت كلارك إلى أن «هناك كثيراً من التقديرات المحتملة لقيمة شركة فضائية، خاصة مع تزايد معرفتنا بالفضاء وقيود الموارد بالتوازي مع ارتفاع طلب الحوسبة؛ لذا هذا الجانب يبقى مفتوحاً للتأويل».
وبسبب الترابط الشديد بين شركات الذكاء الاصطناعي، قد يسحب أداء ضعيف أسهماً متعددة إلى الأسفل دفعة واحدة — وبالتالي يؤثر على السوق الأوسع وسط مخاوف من فقاعة في هذا القطاع. يقول توميتش: «من جهة، من يريد تعرُّضاً للذكاء الاصطناعي يمكنه الحصول عليه عن طريق شراء سهم هذه الشركة. ومع ذلك، للأفضل أو للأسوأ، هناك اعتبارات جدية… بأن فقاعة تتشكل، وقد لا يكون الوقت مناسباً للتعرُّض المفرط للذكاء الاصطناعي».
وفي حال انفجار هذه الفقاعة، فإن ذلك سيمتد تأثيره إلى الشركات في السلسلة التحتية والمستهلكين الذين قد لا يملكوا خياراً بتفادي المخاطر. يذكر تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في أبولو جلوبال مانجمنت، في مذكرة العام الماضي أن «الفرق بين فقاعة تكنولوجيا المعلومات في التسعينيات وفقاعة الذكاء الاصطناعي اليوم هو أن أكبر عشر شركات في مؤشر S&P 500 اليوم مبالغ في قيمتها أكثر مما كانت عليه في التسعينيات».
من بين هذه الشركات نفيديا التي لها استثمارات وشراكات كبيرة مع أوبن إيه آي وسبيس إكس وأنثروبيك. كما استثمرت مايكروسوفت في أوبن إيه آي وأعلنت في وقت سابق هذا العام شراكة مع ستارلنك. وتمثل أكبر عشرة ممتلكات في المؤشر — كلها شركات تقنية ما عدا بيركشاير هاثاوي — أكثر من 40 في المئة من وزن المؤشر، وذلك حتى قبل أن تدخل أسماء مثل سبيس إكس أو أوبن إيه آي أو أنثروبيك إلى الحساب.