الغاز والكهرباء: دور الذكاء الاصطناعي في عصر جديد للطاقة أخبار الطاقة

مقدمة
على مدى عقدين من الزمن كان الطلب العالمي على الطاقه ثابتًا إلى حدّ كبير، فالمكاسب في الكفاءة، والتحولات الاقتصادية، ونمو مصادر الطاقة المتجددة خلقت وهم السيطرة. السرد السائد كان يقدّم فكرة “انتقال مُدار” — خط مستقيم من الوقود الأحفوري إلى منظومة طاقية أنظف وربما أبسط.

الإضافة لا الاستبدال
في مؤتمر LNG 2026 بوسط الدوحة بدا المشهد مؤشِّرًا إلى أن الرواية تغيرت. حضر قادة شركات طاقة عالمية على منصة واحدة — من قيادات قطر للطاقة وشركات نفط وغاز كبرى — وإجماعهم أن عصر الطلب قد بدأ وأن زمن الغاز يتسارع لا يتضاءل. الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وكهربة القطاعات ونمو السكان كلها عناصر تدفع النظام الطاقي نحو أفق أوسع، والطلب يرتفع بمعدلات تتجاوز قدرة الشبكات والبُنى التنظيمية على التكيّف.

من النفط إلى الطاقة
الشركات نفسها تغير لغة تعريفها: لم تعد تُعرّف بنفْس الحصر كمستَخرِجي نفط دوليين فحسب، بل بوصفها “شركات طاقة دولية” تسعى لإدارة الجزيئات والأنظمة وسلاسل الإمداد في عالم يتطلّب موارد أكبر.

نمو الغاز السائل وبناء القدرات
التقديرات التي استعرضها التنفيذيون تُبرز تغيّر المعادلة: الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال (LNG) — نحو 400 مليون طن سنويًا حاليًا — من المتوقع أن يصل إلى 600 مليون طن بحلول 2030 ويقترب من 800 مليون طن بحلول 2050، مع نمو يزيد عن 3% سنويًا، مما يجعله أسرع الوقود غير المتجدد نموًا وفق بياناتهم. وبدعم مشاريع ضخمة، تعمل قطر للطاقة على توسيع إنتاج الغاز وتكوين أسطول ناقلات قد يصل إلى نحو 200 سفينة ناقلة للغاز، وهو أحد أضخم التوسعات الشحنية في تاريخ الطاقة.

استثمارات إقليمية وعالمية
شراكات عابرة للقارات تظهر في مشاريع مشتركة؛ فعلى سبيل المثال تتعاون شركات كبرى في الولايات المتحدة وكندا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية على بناء منشآت ومنافذ تصدير جديدة. هذه استثمارات هائلة تهدف إلى ملامسة الطلب المتزايد وتوفير قدرة شحن وإمداد واسعة النطاق.

يقرأ  المدعي العام: توقيف خمسة أشخاص إضافيين في فرنسا على خلفية سرقة مجوهرات من متحف اللوفر

أوروبا وأمن الطاقة
أعطت الحرب الروسية–الأوكرانية نقطة تحوّل واضحة: فقدان أوروبا المفاجئ لإمدادات الغاز عبر الأنابيب أدى إلى قفزة في واردات الغاز المسال من نحو 50 مليون طن إلى نحو 120 مليون طن سنويًا، محوّلًا القارة إلى سوق رئيسية للـLNG بين ليلة وضحاها. هذا التحوّل أظهر أن الغاز المسال يوفر مرونة وأمنًا وسعة، واستعاد ثقة المستثمرين في جدوى بنية تحتية استراتيجية للغاز.

عودة هادئة للنفط
قبل بضع سنوات كان كثيرون يتوقّعّون تراجع النفط من مزيج الطاقة قبل 2030، لكن الطلب ظل resilient، وبعض منتجي الغاز باتوا يوسّعون محافظهم النفطية. المنظور الآن عملي: ليس نقاشًا عن ما إذا كان النفط والغاز مطلوبين، بل عن كيفية توفيرهما بتكلفة وانبعاثات أدنى، وقد شهدت مواقف بعض المشككين السابقين تغيرًا صامتًا.

الذكاء الاصطناعي ونهاية الفترة منخفضة الطلب
أكثر محركات التغيير إلحاحًا اليوم ليس الجغرافيا السياسية بقدر ما هو الذكاء الاصطناعي. بعد عقود من ثبات الطلب، دخل النظام في طور تكبير مفرط: مراكز بيانات مدفوعة بالذكاء الاصطناعي تستهلك كهرباء بمقاييس لم تتوقعها خطط البنية التحتية، حيث قد تحتاج منشأة واحدة إلى آلاف الميغاواط بصورة مستمرة وعلى مدار الساعة دون تقبل أي انقطاع. الطلب هنا غير مرن؛ مراكز البيانات تتطلّب قدرة فورية يمكن الاعتماد عليها والتشغيل عند الطلب.

عندما تحتاج المتجددة إلى دعم
لم يرفض التنفيذيون دور الطاقة المتجددة؛ بل أكدوا أهمية الرياح والشمس في المزيج المستقبلي. ومع ذلك شددوا على قيود هذه المصادر: تقلبها يجعل الشبكات التقليدية المتوقعة توليدها تتعرض لضغوط أكبر، والحوادث الأخيرة من انقطاع واسع أو شبه انقطاع كشفت ثمن الاختلال في التوازن. “عندما لا تهب الرياح ولا تشرق الشمس، يملأ الغاز الفجوة”، كما قال أحدهم. التوربينات الغازية تُعدّ ضرورية لاستقرار الشبكات؛ والطاقة النووية تحتاج عقودًا للتوسع، والبطاريات في تحسّن لكنها محدودة، والهيدروجين واعد لكنه لم يبلغ بعد وتيرة النشر المطلوبة.

يقرأ  غوستاف كليمت — آخر لوحة من مناظر أترسي «السفح الغابي في أونتراخ» تُباع في دار سوذبيز بمبلغ ٧٠٫٨ مليون دولار

عقبات التنفيذ
ورغم التفاؤل الاستثماري، تواجه مشاريع الطاقة حواجز حقيقية: تراخيص تمتد لأكثر من عقد، مشكلات ربط بالمياه وشبكات الكهرباء، ونقص في اليد العاملة الماهرة. هذه اختناقات تجعل بناء قدرات جديدة أبطأ وأكثر تعقيدًا مما تتطلبه سرعة نمو الطلب. تتصاعد مقاومة المجتمعات المحلية، بدافع القلق من التكاليف والضغط البيئي.

انتقد التنفيذيون بصراحة أطر السياسات التي يرونها منفصلة عن واقع التشغيل. فالتنظيمات المتداخلة والمتضاربة، كما جادوا، ترفع التكاليف وتؤخر وصول الإمدادات.

«السوق هو من يفرض ما يمكن تسليمه»، قال أحد القادة محذراً من أن الحكومات قد تخنق شرايين تدفق الطاقة.

الاستدامة، الانبعاثات والعقد الاجتماعي

تعترف الصناعة بأن مستقبلها مرهون بأدائها في مجال الانبعاثات. لا تزال تسريبات الميثان وكفاءة العمليات وبصمات التصنيع وانبعاثات النقل موضوع رقابة صارمة. يوفر الغاز خفضاً فورياً عندما يحل محل الفحم — ما يقارب 40% في توليد الكهرباء و20% في وقود الملاحة. وتندمج تقنيات احتجاز الكاربون وتخزينه تدريجياً في المشاريع الجديدة.

أشاد دارن وودز من إكسون موبيل بالسعي لتموضع الشركة كلاعب تكنولوجي — يعمل على الهيدروجين واحتجاز الكاربون واستخدامات جديدة للهيدروكربونات تتجاوز مجرد الاحتراق. يصفون هذا المسار بأنه إضافة مسؤولة للطاقة.

لكن التوتر قائم. دفعت موجة الطلب الحالية قضايا البيئة إلى الخلفية، والتنفيذيون يدركون أن هذه النافذة مؤقتة. قابلية الغاز للاستمرار في هذا الدور تخضع لتدقيق حاد.

رغم أنه يحترق أنظف من الفحم، تبقى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان، إلى جانب بصمة نقل الغاز المسال، في قلب نقاش المناخ. يعترف قادة الصناعة بأن الغاز يجب أن يتطور للحفاظ على رخصته الاجتماعية. شدد رئيس مجلس إدارة قطر للطاقة على تسليم الطاقة «بأكثر الأساليب مسؤولية بيئياً».

هناك وعي بأن موجة الطلب الحالية طوقت الاهتمامات البيئية، لكنها ستعيد الظهور بقوة فور انحسار أزمة القدرة الفورية. تواجه صناعة الغاز مصيراً مشابها للفحم إذا فشلت في تسريع جهود إزالة الكربون عبر احتجاز الكاربون واستخدامه وتخزينه (CCUS) ودمج غازات منخفضة الكربون مثل الهيدروجين.

يقرأ  مالك فوكوشيما يقترب من إعادة تشغيل أول مفاعل منذ كارثة الانصهار النووي

شاملة لا منافِية

تفرض الديناميكية مع الطاقات المتجددة والتقنيات الناشئة طبقة إضافية من التعقيد. يعترف التنفيذيون أنه في كثير من المناطق، تشكل المتجددة الخيار الأرخص والأسهل لبناء بنية تحتية جديدة.

يتحول دور الغاز، إذن، من مزود أساس إلى «دور تكميلي يتبع الأحمال»، ضروري لموازنة الشبكات التي تشبعها طاقة رياح وشمس متغيرة.

كما يلوح تقدم تقنيات تخزين البطاريات كمنافس محتمل لهذا الدور الموازن. يُتصور مستقبل خليط الطاقة كمزيج وفير ومتاح وموثوق ونظيف، لكن المسار لا يزال غير مؤكد.

تستمر الاستثمارات في الهيدروجين والأمونيا، رغم مستويات الضجيج المتقلبة، ما يشير إلى قطاع يبحث عن الاختراق التالي.

الصلة الإنسانية

إن استُبعدت السياسة والتقنية، يبقى الدافع جوهرياً إنسانياً. لا يزال نحو خمسة مليارات إنسان يستهلكون طاقة أقل بكثير من اقتصادات متقدمة. وباختصار كلام الكعبي: الازدهار يحتاج طاقة.

إزالة فقر الطاقة تعني إضافة إمدادات — إمدادات موثوقة وميسورة التكلفة — على نطاق غير مسبوق. في هذا الإطار يضع رؤساء الشركات موقفهم من الغاز: ليس جسرًا، بل مثبت. تراهن المنتجة على أن الطلب العالمي — المعزز بالذكاء الاصطناعي والطموح الاقتصادي — سيتجاوز قدرة المتجددة وحدها على التحمل.

يبنون لعالم، كما يقولون، لا يستطيع تحمل نقصاً أو انقطاعات أو نقاشات مثالية نظرية. الغاز، في تصورهم، ليس جسراً وإنما أساس للتصدي لعواصف الطلب.

وستُقاس مستقبله بمؤشر بسيط: هل يستطيع النظام أن يوفر طاقة وافية، متاحة، موثوقة، ومتدرجة في نظافتها؟ ربماا هذه هي المسألة الحاسمة.

أضف تعليق