وجدت المحكمة العليا في البرازيل نفسها في قلب فضيحة فساد تهز البلاد، إذ تدرس الآن فتح تحقيقين في قاضيين من أعضائها، اتهم كل منهما الآخر بارتكاب مخالفات.
ويتمحور الخلاف حول القاضي ألكسندر دي مورايس، الذي أشرف على المحاكمة التي أدانت الرئيس السابق جايير بولسونارو، والقاضي أندريه ميندونكا، الذي عيّنه بولسونارو في المحكمة.
وقد نشر ميندونكا هذا الأسبوع تقريراً يزعم وجود صلات بين دي مورايس والمصرفي المُشِين دانيال فوركارو، المتهم في مخطط احتيال واسع النطاق. وردّ دي مورايس باتهام ميندونكا بإساءة استخدام سلطته بنشر هذه الوثائق.
وقال رئيس المحكمة إدسون فاشين يوم الجمعة إنه سيمنح النائب العام خمسة أيام لتقييم الاتهامات الموجهة إلى ميندونكا. ومن المقرر أيضاً أن تبت المحكمة الأسبوع المقبل في ما إذا كانت ستفتح تحقيقاً مع دي مورايس.
وقال فيليبي ريكوندو، الصحفي والباحث الذي يتابع المحكمة منذ فترة طويلة: “ربما تكون هذه هي اللحظة الأكثر دراماتيكية في تاريخ المحكمة الاتحادية العليا في البرازيل”.
أما اليمين فقد استغل الاتهامات الموجهة إلى دي مورايس لإلقاء الشكوك على القضية ضد بولسونارو، الذي يخضع حالياً للإقامة الجبرية بعدما صدر عليه حكم بالسجن 27 عاماً لتورطه في مؤامرة انقلابية.
فبعد خسارته في انتخابات 2022 أمام الرئيس الحالي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، يقول الادعاء إن بولسونارو وحلفاءه من اليمين المتطرف حاولوا قلب نتائج الانتخابات وتعطيل انتقال السلطة. وبلغت التوترات ذروتها في هجوم على مبانٍ حكومية رئيسية في العاصمة برازيليا في الثامن من يناير/كانون الثاني 2023، قاده أنصار بولسونارو الذين يُزعم أنهم كانوا يأملون في إثارة تمرّد عسكري. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أوصت الشرطة الاتحادية البرازيلية بتوجيه اتهامات إلى بولسونارو ومجموعة من أقرب حلفائه.
غير أن بولسونارو يقدّم القضية على أنها “مطاردة ساحرات” يقودها اليسار، وقد حظي بدعم شخصيات بارزة، من بينها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وكان دي مورايس قد أشرف على قضية بولسونارو، مما وضعه في قلب عاصفة سياسية. وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية في عهد ترامب عقوبات لفترة وجيزة على دي مورايس بسبب مشاركته في محاكمة بولسونارو، وكذلك بسبب تعليقه منصات على الإنترنت مثل رامبل وX، وهذه الأخيرة يديرها إيلون ماسك، حليف ترامب.
وقد عُين دي مورايس في المحكمة العليا في عهد الرئيس ميشال تامر، وهو سياسي من يمين الوسط. ومنذ ذلك الحين، أصبح هدفاً لليمين المتطرف في البرازيل بسبب تورطه في قضايا حساسة، من بينها قضية بولسونارو.
ويقول خبراء مثل ريكوندو إن المحكمة العليا كانت تعمل وسيطاً في بعض أكثر المعارك السياسية اشتعالاً في البرازيل. وأضاف ريكوندو: “يمكن للمحكمة العليا أن توفر بعض التوازن في هذه اللعبة. أخرج المحكمة من ذلك الموقع، ولن يتبقى سوى الصراع، وهذا مشكلة”.
لكن فضيحة فوركارو تهدد الآن بتشويه سمعة المحكمة. فالوثائق التي كُشف عنها هذا الأسبوع تشير إلى أن المصرفي فوركارو ربما تواصل مع دي مورايس لطلب المشورة. وقد دعا سياسيون دي مورايس إلى توضيح علاقته بالمصرفي، وطالب بعضهم باستقالته.
وفي الوقت نفسه، يسعى مرشحون من اليمين واليسار إلى تصوير بعضهم بعضاً على أنهم فاسدون، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول. وستشهد هذه الانتخابات مواجهة بين لولا اليساري وفلافيو بولسونارو، الابن الأكبر لجايير بولسونارو وعضو مجلس الشيوخ.
وقد سعى المرشح اليميني إلى استغلال الفضيحة، وقدّمها على أنها مؤامرة بين دي مورايس واليسار السياسي لتفكيك إرث والده. وقال السيناتور بولسونارو في منشور حديث على وسائل التواصل الاجتماعي: “يسقط لولا! يسقط مورايس! لا مكان لهذا الثنائي في قيادة البلاد. حان وقت التغيير! ستنتصر البرازيل!”
لكن فلافيو بولسونارو نفسه لم يسلم من الانتقادات بسبب علاقاته بفوركارو. ففي وقت سابق من هذا العام، نشر موقع إنترسبت برازيل الاستقصائي رسائل يُزعم أنها جرت بين السيناتور وفوركارو، وكان السيناتور يطلب منه تمويلاً. وكان التمويل موجهاً إلى فيلم عن والده جايير بولسونارو. وبحسب التقارير، تعهّد فوركارو بتقديم ملايين الدولارات لدعم مشروع الفيلم. ونفى السيناتور بولسونارو أي مخالفة، معتبراً أن الأمر مجرد مشروع خاص.