«الوطن أو الموت» — خطة كوبا للدفاع عن نفسها أمام هجوم أمريكي

تتذكر هيلين يايف، التي اعتادت السفر إلى كوبا بصورة منتظمة خلال الثلاثين عاماً الماضية، حادثةً عندما اجتاح الجزيرة إعصار من الفئة الرابعة.

كانت يايف آنذاك تعيش في منزل مع ثلاثة عشر شخصاً آخرين، وعند هبوب العاصفة لم يسود الذعر — فقد كان كل فرد يعرف دوره المحدد. بعضهم اصطحب الجيران المسنين والضعفاء إلى الملاجئ، وآخرون استعدّوا لتنظيف الأنقاض فور انحسار الرياح.

لقد نالت منظومة الدفاع الوطني الكوبية إشادة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، لأنها تقلل الخسائر البشرية رغم تكرار الظواهر الجوية القاسية.

واليوم تسعى هافانا إلى تكييف نموذج مماثل لمواجهة تهديد مختلف: احتمال مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، بعد تصاعد خطابات الرئيس دونالد ترمب يوم الأربعاء، وإصدار المدّعين الفيدراليين الأميركيين اجراءً قضائياً ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو — في تصعيد حاد بين البلدين لم تشهده السنوات الأخيرة.

تعود لائحة الاتهام إلى حادثة عام 1996 التي قُتل فيها أربعة أميركيين إثر إسقاط مقاتلات كوبية مؤخّرة طائرات كان يشغّلها منفيون كوبيون، ووجهت إلى كاسترو تهم مؤامرة لقتل مواطنين أميركيين، وأربع تهم قتل، وتهمتين بتدمير طائرات — وقدمت ادانة رسمية حسب ما أوردت السلطات الأميركية.

وسط هذه التوترات، نشرت الدفاع المدني الكوبي يوم السبت دليلاً من عدة صفحات بعنوان “دليل الأسرة للحماية من العدوان العسكري”، يحدّد مسؤوليات العائلات في حال وقوع هجوم أميركي ويستعرض بروتوكولات سلامة متعددة.

يبنى هذا الدليل على عقيدة الدفاع الكوبية المعروفة باسم “حرب كل الشعب”، التي اعتمدت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، والتي تصوّر مقاومة الغزو الأجنبي عبر تعبئة السكان المدنيين بأكملهم من خلال حرب عصابات، ومليشيات محلية، وشبكات دفاع مدني، وفق ما أوضحت يايف.

“الجميع في كوبا يتلقون تدريباً عسكرياً ويدمجون في هذا النظام الدفاعي الوطني”، تقول يايف، أستاذة الاقتصاد السياسي لأمريكا اللاتينية في جامعة غلاسغو ومقدمة بودكاست Cuba Analysis.

تمثل لائحة الاتهام تصعيداً آخر في حملة ضغوط متصاعدة اشتملت في الأشهر الأخيرة على زيادة رحلات المراقبة الأميركية قبالة سواحل كوبا، ومحاولة في مجلس الشيوخ الأميركي فشلت بفارق ضئيل لعرقلة إجراءات تحد من سلطة ترمب في استخدام القوة العسكرية ضد الجزيرة، وقرارات تنفيذية وصفت كوبا بأنها “تهديد كبير” للأمن القومي الأميركي.

وقال ترمب بصراحة إن “كوبا هي التالية”، فحذر محلّلون من أن عملية عسكرية أميركية قد تكون وشيكة.

يقرأ  الصين تُطلق حملة لإبعاد مفسدي البهجة عن الإنترنت

رغم تباين الآراء، يرى بعض المحللين أن كوبا ليست عاجزة تماماً بالرغم من انقطاع التيار الكهربائي، ونقص الوقود نتيجة ما وصفته كوبا بحصار نفطي أميركي، وفقدان امدادات الطاقة من فنزويلا بعد اختطاف وإطاحة نيكولاس مادورو من كاراكاس.

النموذج الفنزويلي “لن ينجح في كوبا”

عندما اختطفت القوات الأميركية مادورو في 3 يناير، فاجأت سرعة العملية العالم. لكن من بين الذين قُتلوا في القتال كان 32 كوبياً — جنود قدموا “مقاومة شرسة”، بحسب يايف. ونقلاً عن تقارير، أقرّ ترمب بهذه المقاومة بنفسه.

من جهته حذّر الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل يوم الإثنين من أن أي عمل عسكري أميركي ضد كوبا سيؤدي إلى “مذبحة”، وأن الجزيرة لا تشكل تهديداً للولايات المتحدة.

“يتحدثون عن النموذج الفنزويلي، والسؤال كان: هل سيطبقون النموذج الفنزويلي في كوبا؟ لن ينجح في كوبا”، تقول يايف. وأضافت أن السرد من قبل القادة الكوبيين، ومن الشعب نفسه، يتمثل في: “يظنون أن ما واجهوه كان مقاومة عنيفة؟ كان ذلك 32 كوبياً. تخيلوا إن جاءوا إلى هنا، سيكونون أمام عشرة ملايين.”

يتفق كارلوس مالامود، محلل شؤون أميركا اللاتينية بالأرجنتين في معهد إلكانو الملكي في مدريد، على أن التحدّي الكوبي يختلف جذرياً عن الفنزويلي؛ فالجيش الكوبي، برأيه، مدرّب ومجهّز أفضل من نظيره الفنزويلي.

في المقابل، يقدم سيباستيان أركوس، المدير الكوبي الأميركي لمعهد الدراسات الكوبية بجامعة فلوريدا الدولية، قراءة مختلفة حادة، إذ يرى أن الجيش الكوبي “عتيق” وأن فرصته في مقاومة الولايات المتحدة ضئيلة.

لكن المتغير الجغرافي يظل عاملاً حاسماً، يتفق المحلّلون. قرب كوبا من الولايات المتحدة يرفع من “قدرة الردّ” الكوبية، بما في ذلك سلاحها الجوي، مقارنةً بما واجهته الولايات المتحدة في كاراكاس أو طهران — حيث تجري حرب معقدة منذ نهاية فبراير، رغم وجود هدنة هشة — وفق مالامود.

أي هجوم على كوبا قد يحمل في طياته إمكانية واقعية لردّ كوبا يصل إلى المدن الأميركية. “القدرة على التسبب بخسائر في السكان المدنيين، وفي المدن الأميركية مثل ميامي، أعلى بكثير”، قال مالامود.

أشار أركوس إلى أن كوبا قد تستهدف مراكز مدنية أميركية محاولةً قلب الرأي العام الأميركي ضد إدارة ترمب.

نشرت وسيلة إعلام أميركية تقريراً استشهد بذكريات استخباراتية غير مؤكدّة يفيد بأن كوبا حصلت على 300 طائرة دون طيّار عسكرية وخططت لضرب غوانتانامو وسفن بحرية أميركية ومدينة كي ويست. لكن يايف ومالامود عبّرا عن تشكيكهما في تلك المعلومات، مُشيران إلى أن كوبا ليست ساعية لمواجهة عسكرية مفتوحة. أرجَس قال إن تقرير أكسيوس «يبدو منطقيًا»، مشيرًا إلى أن كوبا لطالما حافظت على روابط وثيقة مع روسيا والصين، وكان أولوية قادتها الأمن حتى في ظل محدودية الموارد.

يقرأ  خطة درس مجانيةتحدي الراتب للمراهقين

من جانبها، ندّدت هافانا بالتقرير واعتبرته محاولة لبناء مبررات لهجوم أمريكي محتمل، وأكدت أن لها «حق الدفاع المشروع» عن نفسها ضد أي عدوان أمريكي.

قيود داخلية متفاوتة
—————–
خارج الحسابات العسكرية، يشير المحلّلون إلى مجموعة من القيود السياسية الداخلية التي تجعل غزو الولايات المتحدة لكوبا أكثر تعقيدًا بكثير من عملية فنزويلا، وربما كارثيًا بالنسبة للموقع الداخلي لترامب.

أهم هذه القيود، بحسب يايف، هو تدفق موجة هجرة غير قابلة للسيطرة إلى الولايات المتحدة كنتيجة مباشرة لأي هجوم على الجزيرة. «أي ضربة ضد كوبا ستُطلق فورًا تدفقًا جماعيًا لا يمكن ضبطه، في المقام الأول عبر البحر»، قالت يايف.

وأضافت أن مثل هذه النتيجة وحدها ينبغي أن تدفع واشنطن إلى التروّي، خصوصًا وأن الهوية السياسية للرئيس تقوم على خطاب معادٍ للهجرة، ولا ننسى اقتراب انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر.

أمريكا اللاتينية في واشنطن: تمثيل الجاليات
——————————————
تتمتع الجالية الكوبية-الأمريكية بوجود سياسي أكبر بكثير من الشتات الفنزويلي، بحسب مالامود. «لا يمكن المقارنة»، كما قال، موضحًا أن منفيي فنزويلا، الذين عارضوا حكومات مادورو وشافيز، غالبيتهم استقروا في الولايات المتحدة خلال العقد الماضي فقط، بينما كانت الجالية الكوبية محركًا سياسيًا لسنوات مع تمثيل بارز في الكونغرس وفي إدارة ترامب نفسها، وعلى رأسهم ماركو روبيو كوزير للخارجية آنذاك.

وتابع أن هذه الجالية لن ترضى بحل على طراز فنزويلا — أي حل يحفظ البنية السلطوية القائمة تحت إدارة جديدة، كما حصل بتولّي ديلسي رودريغيز. بالنسبة لمنفى كوبا، أي حل لا يتضمن تغييرًا جذريًا لمرحلة كاسترو هو «غير مقبول».

خلافات داخل المعسكر الجمهوري
—————————-
لوحظ، بحسب يايف، تباين في الآراء حتى بين روبيو وترامب؛ فبينما «احتكر روبيو أذن ترامب بشأن كوبا»، فإن ترامب يميل أكثر إلى الحلول الصفقة-مبنية وله تاريخ شخصي من الاهتمام بالفرص التجارية في كوبا. كما صرح ترامب أنه «لا يمكن الانتقال إلى كوبا» قبل الانتهاء من ملف حرب إيران — فكرة تتأخر بعيدًا عن الواقع كما رأت يايف.

يقرأ  انزلقت طائرة شحن عن المدرج وسقطت في البحر بمطار هونغ كونغ الدولي

من ثم، فإن اختطاف على طريقة مادورو لكاسترو عقب توجيه لائحة اتهام لن يرضي لا القاعدة الكوبية-الأمريكية ولا يحقق نتائج استراتيجية، بحسب يايف. وفي الثقافة الثورية الكوبية ترتبط الهيئة الشرفية بالاستشهاد؛ الشعار الرسمي «الوطن أو الموت، سننتصر». «لا أرى أن اختطاف راؤول كاسترو سيُحرز ضغطًا يدفع الحكومة إلى تقديم تنازلات»، لخصت الأستاذة.

تصور للعملية العسكرية
——————–
توقّع أرجُس عملية عسكرية «تقع بين فنزويلا وإيران»، تتمحور حول ضربات جوية بلا قوات برية.

الدفاع في زمن أزمة اقتصادية خانقة
———————————-
حذر ماتياس بروم، أستاذ الاقتصاد المساعد بجامعة ORT الأوروغوايية، من أن أي تطورات قادمة في كوبا — التي تعاني أزمة اقتصادية تفاقمت بفقدان النفط الفنزويلي بعد اختطاف مادورو — ستكون إنذارًا صارخًا للمنطقة.

«كنت أعتقد أن الولايات المتحدة لن تغزو ولن تفعل شيئًا، لكنهم غزوا واختطفوا مادورو»، قال بروم للجزيرة، مضيفًا: «أنا آخذ تصريحاته [ترامب] بجدية الآن؛ لم أكن أأخذه على محمل الجد سابقًا، لكنني الآن خائف».

الدول اليسارية في المنطقة، مثل كولومبيا والمكسيك اللتين هددهما ترامب أيضًا سابقًا بالانسياح، ستراقب بعناية أي تحرك ضد كوبا، بحسب بروم.

مبادرات غرانت ومواقف دولية
—————————
في الوقت نفسه، عرض روبيو في وقت سابق إقامة علاقة جديدة مع هافانا عبر تقديم 100 مليون دولار غذاءً ودواءً، مستندًا إلى عرض سابق من إدارة ترامب لِمساعدة اقتصادية قال دياز-كانيل إنه منفتحٌ عليها. لكن وزير الخارجية الأمريكي لم يقرّ بأن الأزمة الاقتصادية في كوبا هي نتاج جزئي للحصار الأمريكي المستمر لعقود، بل حمّل القيادة الكوبية مسؤولية نقص الكهرباء والغذاء والوقود.

في هذا الإطار، قال أرجُس، متماشيًا مع موقف روبيو، إن أزمة كوبا بدأت قبل ثلاثين عامًا بانهيار الاتحاد السوفييتي، وإن «تعنّت» الحكومة هو سبب الانهيار الاقتصادي، لا العقوبات أو الحصار.

موازين الردع والقدرة على المناعة
——————————–
مهما كانت تفسيرات الأزمة، يرى مالامود أن كوبا تحتفظ ببعض الميزات التي تجعلها أكثر قدرة على ردع هجوم أمريكي مقارنًة بفنزويلا، لكن تفاقم الأزمة الإنسانية قد يضعف هذه القدرة ويقوّض فاعلية الردع في نهاية المطاف.

هذا هو العنصر المركزي — الصعوبة العملية في حافظة الدولة على قدرتها الدفاعية وسط انهيار اقتصادي متسارع — وقد يكون ذلك العامل الحاسم في مسار الأحداث المقبلة.

أضف تعليق