تعتزم المملكة المتحدة مشاركة معلومات سرية حول الأسلحة مع أوكرانيا، لتمكينها من إنتاج نسختها الخاصة من صاروخ كروز بعيد المدى “ستورم شادو” المصمم بالشراكة مع فرنسا، وذلك بينما يزور رئيس الوزراء أندي بورنهام كييف في أول رحلة خارجية له بصفته رئيس وزراء المملكة المتحدة.
وتأتي زيارة بورنهام يوم الاثنين لتتزامن مع الذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي، وهي أحدث خطوة دعم من المملكة المتحدة وحلفاء أوكرانيا الأوروبيين الآخرين، في وقت أصبح فيه الدعم الأمريكي متقلبًا، وفقًا لمحللين.
ووصف بورنهام، الذي ظهر إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مراسم بالعاصمة كييف، حرب روسيا على أوكرانيا بأنها “أربع سنوات ونصف من الغزو الشامل الروسي، الهادف إلى سحق الاستقلال الذي نحن هنا للاحتفال به”. وأضاف: “لكن اليوم وفي كل يوم، تثبتون أنهم فشلوا”.
ومن المقرر أيضًا أن يترأس بورنهام اجتماعًا بشكل مشترك لما يسمى “تحالف الراغبين”، أي الدول المستعدة لتقديم الدعم لأوكرانيا التي مزقتها الحرب.
وتتناقض مشاركة المخططات شديدة السرية للأسلحة مع تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشهر الماضي عن وعد بالسماح لأوكرانيا بتصنيع نسختها الخاصة من الصاروخ الاعتراضي الأمريكي “باتريوت” للدفاع الجوي، والذي تقول أوكرانيا إنها بحاجة ماسة إليه لصد الهجمات الصاروخية الباليستية الروسية.
وفي حين قدمت الولايات المتحدة لأوكرانيا في الماضي بطاريات دفاع جوي وذخائر من طراز باتريوت أمريكية الصنع، قال ترامب الشهر الماضي إن تسليم التكنولوجيا الأساسية لأوكرانيا لتتمكن من إنتاجها بشكل مستقل “أمر صعب التخلي عنه”.
غير أن قرار المملكة المتحدة مشاركة المخططات يأتي بعد خطوة مماثلة من فرنسا، وفي وقت تتبادل فيه أوكرانيا وروسيا هجمات جوية عنيفة، ويحذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من ضربات انتقامية مكثفة على البنية التحتية الاقتصادية لأوكرانيا.
وزادت أوكرانيا إنتاجها العسكري المحلي، إذ تصنع مسيّرات وصواريخ بعيدة المدى تضرب عمق الأراضي الروسية، لكن محللين قالوا إن إنتاج نسختها الخاصة من صواريخ ستورم شادو سيمنح كييف القدرة على ضرب الأهداف الاستراتيجية الروسية بكفاءة أكبر وبمعدل غير مسبوق.
### ما هي صواريخ ستورم شادو بعيدة المدى؟
يُعرف هذا الصاروخ في فرنسا أيضًا باسم “سكالب”، ويبلغ مداه نحو 560 كيلومترًا (350 ميلًا)، ما يسمح بضرب أهداف على عمق 240 كيلومترًا (150 ميلًا) داخل الأراضي الروسية. غير أن هذا أقل من مدى المسيّرات الأوكرانية محلية الصنع المخصصة للضرب العميق، مثل صاروخ كروز “إف بي-5 فلامنغو” الذي يبلغ مداه 3000 كيلومتر (1865 ميلًا).
غير أنه بينما تستطيع الصواريخ الأوكرانية بعيدة المدى ضرب أهداف “لينة” داخل روسيا، مثل مستودعات “وايلدبيريز”، فإن صواريخ ستورم شادو تمنح كييف القدرة على ضرب أهداف “صلبة”، بما في ذلك مواقع محصنة بشدة ومحمية عادة بدفاعات أكثر قوة. كما أن أنظمة الملاحة المتقدمة فيها تعني إمكانية استخدامها ليلًا وفي جميع الظروف الجوية.
في العام الماضي، قالت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني إن صواريخ ستورم شادو التي تصنعها شركة “إم بي دي إيه” والتي قدمتها المملكة المتحدة استُخدمت لضرب منشآت روسية، من بينها مصنع كيماويات ومصفاة “نوفوشاختينسك” النفطية، أحد أكبر موردي المنتجات النفطية في جنوب روسيا. وفي هذا العام، استُخدمت في مهاجمة المقر الرئيسي للأسطول الروسي في البحر الأسود بمدينة سيفاستوبول الساحلية في القرم.
وتقدّر تكلفة إنتاج صاروخ ستورم شادو الواحد بنحو مليون دولار، لذلك يُستخدم في هجمات أدق وأكثر حسابًا من وابل المسيّرات الرخيصة التي تنتجها أوكرانيا بالفعل بأعداد كبيرة.
### ما مدى سهولة بناء أوكرانيا لصواريخ ستورم شادو الخاصة بها؟
قال كير جايلز، الزميل المشارك في مركز الأبحاث “تشاتام هاوس”، إنه من المرجح أن تكون لدى أوكرانيا قدرة جيدة على إنتاج أنظمة الأسلحة الأكثر تطورًا هذه بمجرد حصولها على المخططات.
وأضاف للجزيرة: “أوكرانيا، تحت وطأة خوض حرب بقاء وطني، طوّرت صناعة دفاعية مرنة للغاية، وعالية الحماس، ولا مركزية، وهي متقدمة بمراحل في التكيف مع الاحتياجات الحالية مقارنة ببعض نظيراتها في أوروبا الغربية، بما فيها المملكة المتحدة”. وأوضح أن القدرة على إنتاج كميات أكبر من هذا الصاروخ، وليس فقط القدرة على إنتاجه، هي ما قد تصنع الفارق.
وقال: “كان على أوكرانيا أن تكون انتقائية للغاية في الأهداف التي تستخدم ضدها مخزونها المحدود جدًا من أنظمة الأسلحة الأكثر تقدمًا. روسيا، في الوقت نفسه، تزيد إنتاجها من المسيّرات والصواريخ بمعدل تصاعدي، وهو اتجاه مستمر منذ عدة سنوات”. وأضاف المحلل: “لذا فإن تصحيح هذا الخلل في التوازن سيكون خطوة كبيرة إلى الأمام لأوكرانيا، خاصة إذا تمكنت من تقليل عدد الصواريخ التي تُطلق على أوكرانيا كل ليلة، عبر ضرب المنشآت التي تجعل عمليات الإطلاق تلك ممكنة”.
### هل تمكنت أوكرانيا من إنتاج صواريخ بعيدة المدى خاصة بها؟
نعم. فإلى جانب إنتاجها الضخم لمسيّرات قصيرة المدى وصواريخ اعتراضية رخيصة، تستطيع أوكرانيا تصميم وتصنيع أنظمة صواريخ بعيدة المدى أكثر تطورًا، ومن هذه الأنظمة صاروخا كروز “نبتون” و”فلامنغو”.
وقال كاران فاسيل، محلل شؤون أوراسيا في شركة الاستخبارات الخاصة البريطانية “سيبيلاين”، إن أوكرانيا تعمل أيضًا على تطوير واختبار أنظمة صواريخ باليستية خاصة بها. غير أن فاسيل قال للجزيرة إن “ستورم شادو/سكالب” نظام أسلحة شديد التعقيد يضم عقودًا من البحث والتطوير البريطاني-الفرنسي، مشيرًا إلى أن “الإنتاج المرخص يمنح أوكرانيا إمكانية الوصول إلى معرفة وعمليات صناعية، لولا ذلك لاستغرق إعادة إنتاجها وقتًا وموارد كبيرة”.
أما جايلز، الذي يقود أيضًا مركز أبحاث دراسات الصراع، وهو مجموعة خبراء في الأمن الأوراسي، فقال إنه قد تكون لدى أوكرانيا بالفعل معرفة بتصميم صواريخ ستورم شادو، لكن استخدام هذه المعرفة دون تعاون مع الحلفاء سيكون “صفعة على وجه مؤيديها في التحالف”.
وقال إن السبب في أن أوكرانيا لا تحصل على مخططات الصواريخ إلا الآن له علاقة بالسياسة. “الولايات المتحدة غير مستعدة لتزويد أوكرانيا بالصواريخ الاعتراضية لأنظمة باتريوت، لذلك هناك فجوة في الدفاعات الجوية والصاروخية الأوكرانية، تستغلها روسيا”. وأضاف: “الدول الأوروبية الشريكة تضطلع بمهمة ضمان قدرة أوكرانيا على الانتصار في الحرب، وجزء كبير من ذلك هو ضمان قدرتها على الضرب داخل روسيا”.
وقال فاسيل إن استعداد بريطانيا وفرنسا لنقل المعرفة السرية المتعلقة بإنتاج الصواريخ يشكل سابقة قد تكون مهمة للتعاون المستقبلي بين الحلفاء. قال إنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان ذلك سيؤثر على موقف واشنطن بشأن صواريخ باتريوت الاعتراضية.
كيف يمكن لأوكرانيا تسريع إنتاج صواريخ ستورم شادو؟
أعربت فرنسا وبريطانيا عن أملهما في مساعدة أوكرانيا على إنشاء خط إنتاج لهذه الصواريخ قبل نهاية العام.
غير أن التقديرات تشير إلى أن دفعة جديدة من صواريخ كروز بهذا المستوى من التعقيد قد تستغرق نحو عامين من توقيع العقد حتى التسليم، وفقًا لفاسيل، الذي أضاف أن إنشاء هذا الإنتاج سيكون مهمة صعبة، وسيظل على الأرجح معتمدًا على سلسلة توريد دولية معقدة.
كما تتضمن صواريخ ستورم شادو بعض التقنيات الأمريكية الحساسة، مما يعني أن بعض جوانب التوريد أو النقل قد تظل بحاجة إلى موافقة أمريكية، و”من غير المؤكد كيف سينطبق ذلك على الإنتاج داخل أوكرانيا”، على حد قوله.
وهناك أيضًا تحديات أمنية كبيرة. وتابع فاسيل: “إن منشآت إنتاج الصواريخ داخل أوكرانيا ستشكل أهدافًا قيّمة لروسيا، وستضطر إلى العمل تحت التهديد المستمر للصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية بعيدة المدى”.
“لذلك، فإن حماية مواقع الإنتاج، وتوزيع التصنيع، والحفاظ على إمدادات المكونات الأساسية، قد يصبح أمرًا لا يقل أهمية عن الحصول على المعلومات التقنية نفسها.”