بينما يتركز العالم على إيران إسرائيل تنتهج سياسة مُمنهجة لتجويع غزة — أخبار غزة

مع توجّه الأنظار الدولية نحو المساعي الدبلوماسية لوقف الحرب على إيران، صعّدت إسرائيل عملياً هجماتها على غزة وخنقت وصول المساعدات الحيوية، ما أدخل القطاع المحاصر في ما يصفه خبراء الاقتصاد الآن بـ«مجاعة مصطنعة ومركّبة».

أعداد شاحنات الإغاثة الداخلة إلى غزة تراجعت بشكل حاد مخالفةً اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. وسجّل مكتب الإعلام الحكومي في غزة منذ ذلك الحين نحو 2400 انتهاك عسكري من قبل القوات الإسرائيلية، تسبّب في مقتل أكثر من 700 فلسطينياً.

قصص موصى بها

يوم الثلاثاء، قتلت القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 11 فلسطينياً، بينهم طفلان، في هجمات منفصلة عبر القطاع الممزّق بالحرب. تصاعدت حدة هذه الهجمات وسط توترات إقليمية مرتفعة، ففي الفترة بين 28 فبراير و8 أبريل، بينما كانت إسرائيل والولايات المتحدة تخوضان حملة قصف ضد إيران، قصفت القوات الإسرائيلية غزة في 36 يوماً من أصل 40 يوماً.

خلال الأسابيع الخمسة الماضية وحدها قُتل أكثر من 100 شخص، بمن فيهم الصحفي في الجزيرة محمد ويشع. وتفيد الحصيلة الرسمية بأن أكثر من 72,336 شخصاً سقطوا منذ انطلاق الهجوم العسكري العنيف في 7 أكتوبر 2023.

خداع الشاحنات

بينما تدّعي إسرائيل أنها تسمح بدخول مئات الشاحنات إلى غزة، يرى المسؤولون الفلسطينيون وخبراء الاقتصاد أن هذه الأرقام «خداع رياضي» متعمّد. فوفق مكتب الإعلام الحكومي دخلت غزة خلال الأشهر الستة الماضية 41,714 شاحنة إغاثة وتجارية فقط، ما يمثل 37 بالمئة من أصل 110,400 شاحنة نصّ عليها الاتفاق. وضع الوقود أكثر خطورة، إذ دخلت 1,366 شاحنة وقود فقط من أصل 9,200 موعودة — أي نسبة امتثال تبلغ 14 بالمئة.

تُبرز سجلات دخول الشاحنات اليومية شدة الاختناق: فقد سمح في 13 أبريل بدخول 102 شاحنة إغاثة و7 شاحنات وقود و216 شاحنة تجارية لكامل القطاع، وهو جزء ضئيل من أكثر من 600 شاحنة مطلوبة يومياً بموجب صفقة «وقف النار». وفي 14 أبريل ظلت الأعداد منخفضة للغاية (122 شاحنة إغاثة و12 شاحنة وقود). والأهم أن السلطات الإسرائيلية أغلقت كلياً نقاط دخول إضافية مثل معبري زيكيم وكَسوفيم الذين كانا يستقبلان عشرات الشاحنات قبل يوم فقط، محصّرة المرور المحدود عبر معبر كرم أبو سالم.

يقرأ  من يمكنه التأهل إلى مرحلة «سوبر إيتس» في كأس العالم بنظام العشرين كرة، وكيف يتم ذلك؟

قال محمد أبو جيّاب، خبير اقتصادي فلسطيني مقيم في غزة، للجزيرة إن إسرائيل تستخدم «خداعاً تقنياً وتجاريّاً» لتضخيم هذه الأرقام. أوضح أن «الشاحنة الإسرائيلية تحمل حتى 32 أو 34 لوحاً (باليت) تُفرغ بعد ذلك في شاحنتين أو ثلاث شاحنات فلسطينية صغيرة ومتهالكة على الطرف الآخر»، وبالتالي يحسب كل من الأمم المتحدة وإسرائيل عدداً مضاعفاً أو ثلاثياً للشاحنات الإسرائيلية الداخلة. كل باليت يحمل نحو طن واحد من البضائع أو المواد الغذائية.

علاوة على ذلك، حظرت إسرائيل مؤخراً الشحنات المختلطة: فإذا أدخل تاجر 20 باليت سكر، يجب أن تظل المساحات الاثنتا عشرة المتبقية في الشاحنة شاغرة، ومع ذلك تُسجّل الشاحنة على أنها شاحنة تجارية كاملة. «النص السياسي نصّ على كلمة “شاحنة” لكنه لم يحدد كميات أو أوزاناً أو عدد ألواح التحميل»، يقول أبو جيّاب، مما يتيح لإسرائيل تحويل اللوجستيات إلى أداة تقييد للمساعدات تحت ستار الالتزام.

هندسة المجاعة

هذا الاختناق اللوجستي جزء من استراتيجية أوسع. قال حسن أبو رَيالة، وكيل وزارة الاقتصاد الوطني في غزة، في لقاء نشر على قناة الوزارة على تليغرام إن إسرائيل «تعمل على هندسة سياسة تجويع». وأضاف أن الاحتلال استهدف أغلب الطواقم التي كانت تراقب الأسعار، واغتال الوكيل السابق لوزارة الاقتصاد وخمسة مديرين عامين أثناء الحرب.

وكانت النتائج مدمّرة: اختفت السلع الأساسية، وتراجع إنتاج الخبز إلى 200 طن يومياً، بدلاً من 450 طناً لازمة لإطعام السكان. «ندير هذا العجز الهيكلي في ظل ظروف استثنائية وقسرية»، قال إسماعيل الثوابته، مدير عام مكتب الإعلام الحكومي للجزيرة. ووصف استمرار تقليص الإمدادات رغم الهدنة بأنه «تقييد منهجي للسلع الأساسية» يدفع السكان نحو مستويات خطرة من انعدام الأمن الغذائي. وارتفعت أسعار الخضروات الطازجة ارتفاعاً هائلاً، إذ قفز سعر كيلوغرام واحد من الطماطم من نحو 1.50 دولار إلى ما يقارب 4 دولارات في أسابيع قليلة.

يقرأ  واشنطن ترفع مكافأة مقابل معلومات عن لاعب أولمبي سابق أصبح زعيم عصابة مخدرات — اعتقال 7 أشخاص في كندا | أخبار المخدرات

علاوة على ذلك، تُسارع الكارثة الإنسانية بتراجع عمل المنظمات الكبرى، وأشار الثوابته إلى أن تقليص أو تعليق عمليات مؤسسات دولية رئيسية، لا سيما برنامج الغذاء العالمي، بسبب القيود الإسرائيلية، يمثل «تطوراً خطيراً للغاية» يهدد بانهيار كامل لمنظومة الإغاثة في غزة. «نطلق نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي وضامني الاتفاق للضغط الفوري على إسرائيل لفتح المعابر… قبل بلوغ نقطة اللاعودة وحدوث انفجار إنساني وشيك»، قال.

مجاعة مركّبة

الأزمة تجاوزت انعدام الغذاء لتتحوّل إلى انهيار كامل للاقتصاد الفلسطيني. وصف أبو جيّاب الوضع الحالي بأنه «مجاعة مركّبة»: مع ارتفاع البطالة إلى 80 بالمئة وتدمّر أكثر من 160,000 وظيفة في القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية، فقد السكان كامل قدرتهم الشرائية.

«أصبح من العبث ربط دخول الإمدادات من المعابر بتوافرها للمواطن الفلسطيني»، قال أبو جيّاب للجزيرة، مضيفاً أنه حتى عند وصول السلع إلى السوق، لا تستطيع 70 إلى 80 بالمئة من الأسر شراؤها لغياب الدخل تماماً. هذه الحرمانات القاسية تدفع المدنيين إلى بدائل مهددة للحياة: عودة طوابير طويلة أمام الأفران، ولجوء المواطن إلى حرق البلاستيك والنفايات لعدم توفر غاز الطهي — مؤشرات ميدانية خطيرة على تدهور غير مسبوق. وتكافح المرافق الصحية الحكومية حالياً لعلاج الأمراض التنفسية والجلدية الناجمة عن هذا التلوّث السام.

الحصار الطبي

ويمتد الخنق إلى المرضى الأكثر هشاشة في غزة. فرغم اشتراط الاتفاق فتح معبر رفح للإخلاءات الطبية، أبقت إسرائيل الحدود مقيدة بإحكام. وخلال الأشهر الستة الماضية سُمح فقط لعدد 2,703 أشخاص بالعبور عبر رفح من أصل متوقع بلغ 36,800 — أي نسبة امتثال تبلغ نحو 7 بالمئة. الانهيارر الكامل للخدمات الصحية ووصول الحالات الطارئة إلى مآلات مأساوية يبقى محذراً إن لم تُعالج هذه الاختناقات فوراً. وبالتالي، سُمح لثمانية بالمئة فقط من المرضى المصابين بجروح بالغة ومن ذوي الأمراض المزمنة والمقرر إجلاؤهم طبيًا على وجه السرعة بالمغادره.

يقرأ  شهادات طبية وفواتير مصرية قديمة تُعرض للجمهور

وبحسب منظمة الصحة العالمية، ما يزال نحو 18 ألف شخص محاصرون في قطاع غزة ينتظرون تلقي علاجات قد تنقذ حياتهم في الخارج.

(الجزيرة)