تآكل مستقبل السودان — ماذا كلفت الحرب للبلاد؟

بعد مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب الأهلية، باتت خرائط السودان وشكل حياته اليومية شبه غير قابلة للمعرفة: أكثر من أربعين ألف قتيل، وحوالي 14 مليون شخص — ربع السكان — نزحوا عن بيوتهم، وبنية تحتية مدنية واسعة تضرّرت أو دُمرت.

«نحن لا نواجه مجرد أزمة فحسب، بل نشهد تقويضًا منهجيًا لمستقبل دولة بأكملها»، هكذا وصَف لوكا ريندا، ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، الوضع لقناة الجزيرة.

تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد دراسات الأمن يوضح عمق الانهيار الاقتصادي في السودان منذ بدء القتال عام 2023، الناتج عن صراع على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع. وحتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً بتهيئة سلام في 2026، يتوقع التقرير فقدان نحو 18.8 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2043، ما يعكس مدى تغيّر المسار الاقتصادي للبلاد بفعل الحرب.

تأثيرات الحرب تتجاوز تراجع النشاط الاقتصادي لتصل إلى قلب أسس الاقتصاد: الزراعة والصناعة والخدمات والمؤسسات الحكومية كلها متأثرة بدرجات متفاوتة، ما يهدد قدرة البلد على التعافي.

تأثير الحرب على البنية التحتية والخدمات الأساسية

أحدثت الحرب دمارًا واسعًا في البنى التحتية والأنظمة التي تدعم الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية، ما تكبّد السودان تكلفة اقتصادية هائلة. وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خسر السودان نحو 6.4 مليار دولار من ناتجه المحلي في العام 2023 وحده، وهو ما يعكس «انهيارًا متزامنًا في كل القطاعات الكبرى للاقتصاد»، مع ضربة قاسمة للبنى التحتية. كان الناتج المحلي الإجمالي للسودان حوالي 26 مليار دولار في 2023، العام الذي تفجر فيه القتال عندما تنازع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وزعيم قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو على السلطة.

القتال ألحق أضرارًا بالأراضي الزراعية وأنظمة الري وشبكات النقل، مساهماً في تقلّص المساحة المزروعة بنحو 15%، وفي المدن أدّت الاستهدافات والتخريب لشبكات الكهرباء إلى انهيار النشاط الصناعي بنحو 90%، مما أَغلق المصانع وفرَض خسائر فادحة في فرص العمل. فقدت قدرة التوليد الكهربائي ما يصل إلى 40%، كما دُمرت أو استُولت على مرافق مائية رئيسية، مما حرم مجتمعات بأكملها من المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي.

يقرأ  رئيس الصومال: اعتراف إسرائيل بصوماليلاند «غريب وغير متوقع»

انهيار منظومات المياه والصحة أسهم في انتشار أمراض مثل الكوليرا، ما زاد العبء على قطاع صحي منهك منذ زمن، ورفع تكاليف التعافي على المدى الطويل. أكدت منظمة الصحة العالمية وقوع أكثر من 200 هجوم على مرافق الرعاية الصحية، مع أقل من 14% منها تعمل بكامل طاقتها في مناطق النزاع. وُثّق إغلاق أو تضرّر آلاف المدارس، ما مزّق مسار تعليم ملايين الأطفال.

ما الذي طرأ على سوق العمل السوداني؟

الزراعة، التي كانت توظف نحو 65% من قوة العمل، كانت دعامة الاقتصاد، لكنها تضررت بشدة بفعل الحرب؛ تقلّصت المساحات المزروعة وتدهورت سبل كسب العيش في المناطق الريفية، مما أنهك ملايين الأسر التي كانت تعتمد على الزراعة للغذاء والدخل. وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عاد متوسط الدخل إلى مستويات كانت سائدة عام 1992، دلالة على عمق الصدمة الاقتصادية.

تدمّر نحو 90% من النشاط الصناعي في مراكز اقتصادية رئيسية، فُقدت آلاف الوظائف، وفي الوقت ذاته تقلّص الاقتصاد غير الرسمي الذي يعتمد عليه الكثيرون للبقاء نتيجة نقص الموارد والنزوح وإغلاق الأسواق والمشروعات الصغيرة. أدى نزوح أكثر من 14 مليون شخص إلى تفاقم الأزمة بفصل الناس عن عملهم الرسمي وغير الرسمي، مما صعّب سبل العيش بصورة متزايدة.

ما الذي حلّ بقطاع النفط؟

أدّى عدم الاستقرار والأضرار بالبنى التحتية إلى تراجع إنتاج النفط. مصفاة الخرطوم (الجلاء)، التي كانت تعبأ ما يصل إلى 100 ألف برميل يوميًا وتغطّي نحو نصف احتياجات البلاد من الوقود، متوقفة عن العمل منذ يوليو 2023. أفاد مسؤولو المصفاة أن أجزاءً من المنشأة تعرضت للتدمير وأجزاء أخرى تحتاج إلى استبدال كامل بعد ضربات متكررة في 2024 و2025. رغم استعادة الجيش السيطرة على المنشأة في 2025، بقيت غير عاملة. كما تعطلت خطوط أنابيب تصدير الخام إلى بورتسودان، وتعرّضت منشآت في حقول مثل هِجلِيج لهجمات بطائرات مُسيّرة نفذتها قوات الدعم السريع.

يقرأ  بعد فظائع جديدة في السودان: ما الذي سيُنهي الصراع؟

تأثير الحرب على الأسعار والمعيشة

انهار الجنيه السوداني وانقطعت سلاسل الإمداد، ما أدى إلى ارتفاع حاد في تكاليف المعيشة. هبط سعر الصرف من نحو 570 جنيهًا للدولار قبل الحرب إلى ما بين 3,500 و3,600 جنيه اليوم، وفق الجهاز المركزي للإحصاء السوداني، مما جعل الواردات أكثر تكلفة. ارتفعت أسعار الغذاء بدرجة كبيرة: في الخرطوم باتت أربع أرغفة خبز تكلف نحو 1,000 جنيه بدل أن تشتري ستّ أرغفة سابقًا؛ وفي ولاية الجزيرة ارتفع كيس سكر 50 كيلوجرامًا من 155,000 إلى 175,000 جنيه، وقفزة في سعر كيس الأسمنت من 35,000 إلى 55,000 جنيه، بحسب تجار نقلت عنهم صحيفة سودان تريبيون. في بورتسودان زاد ثمن عبوة زيت طهي سعتها 7 لترات من 30,000 إلى 35,000 جنيه، ما زاد الضغط على ميزانيات الأسر.

تكاليف النقل والوقود شهدت زيادات حادة أيضًا: ارتفعت أجرة الحافلات في ود مدني بنحو 50%، وزادت أجرة الركوشات في بعض المناطق إلى نحو الضعف، ووصلت أسعار الوقود في عدة مناطق إلى ما يفوق 7,000 جنيه للتر. في المقابل، لم تلحق الأجور بمعدلات التضخّم، ما ترك كثيرًا من الأسر عاجزة عن تأمين الاحتياجات الأساسية.

الصورة العامة تؤشر إلى بلد تكاد تتلاشى فيه مقومات الحياة الطبيعية نتيجة تآكل البنى الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، ما يضع أمام المجتمع الدولي والسودانيين تحديًا كبيرًا لاستعادة حدّ أدنى من الاستقرار وإعادة الإعمار. وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعاني الآن ما يقرب من نصف السكان من نقص حاد في الغذاء، بينما تفيد نحو 90% من الأسر النازحة بأنها لا تستطيع تحمل تكاليف طعام كافٍ.

ماذا يعني الانهيار الاقتصادي لشعب السودان؟

لا يمكن إدراك انهيار اقتصاد السودان بمجرد الاطلاع على الأرقام وحدها.

يقرأ  إيقاف بث برنامج جيمي كيميل: ماذا يعني ذلك لحرية التعبير في الولايات المتحدة؟

«طفل يولد في السودان بعد أبريل 2023 يدخل عالماً قد يكون المستشفى الذي من المفترض أن يعتني به مُغلقًا، وقد لا تعمل المدرسة التي من المفترض أن تعلّمه، والأسرة التي يفترض أن تحتضنه قد تكون مُهجّرة»، قالت رندا، مضيفة أن ذلك ينتج عنه «طفولات ضائعة، وتعليم مفقود، وصحة ضائعة».

حوالي 34 مليون شخص بحاجة الآن إلى مساعدات، ويواجه 19 مليونًا نقصًا حادًا في الغذاء.

التاثير الإنساني بات مرئيًا بالفعل: منذ اندلاع الحرب وُلد نحو 5.6 مليون اطفال، كثيرون منهم في ظروف لا تعمل فيها منشآت الرعاية الصحية.

تعطلت العملية التعليمية بشكل شديد لحوالي 19 مليون طفل، بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إذ تعمل نحو 20% فقط من المدارس في بعض المناطق.

ماذا يعني استمرار الحرب لمستقبل السودان؟

أودت الحرب بالفعل بحياة كثيرين وتركت آثارًا نفسية وخسائر جوهرية، لتلقي بظلالها الطويلة على مستقبل السودان وتُضعف آفاق جيل يُشكّل العنف مسارات حياته.

تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أنه لو استمر الصراع حتى عام 2030، فسيكون اقتصاد السودان في عام 2043 أصغر بحوالي 34.5 مليار دولار عما كان سيكون عليه لولا الحرب، وسينخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1700 دولار.

سيرتفع مستوى الفقر المدقع إلى أكثر من 60% من السكان، ما سيدفع 34 مليونًا إضافية إلى دائرة الحرمان.

وصف رندا الحرب بأنها «فرصة شفط للتعافي»، حيث أن كل شهر إضافي من الصراع يغرز أضرارًا أعمق وأكثر استحالةً للعكس.

«كل شهر إضافي يكلف أرواحًا ويزيد الضرر البنيوي عمقًا»، قال رندا لقناة الجزيرة. «الأولوية القصوى الآن هي وقف الصراع. الخيارات التي تُتخذ اليوم ستحدد ما إذا كان بالإمكان عكس مسار السودان أم لا».

أضف تعليق