تجدد الحرب وأزمة الوقود العالمية تُثْقِلان الاقتصاد اللبناني — تصعيد إسرائيلي على لبنان

بيروت، لبنان — بعد فترة وجيزة من افتتاح ماريو حبيب لحلاقته في عام 2006 اندلعت حرب بين إسرائيل وحزب الله. وبعد عشرين عاماً، يجد نفسه يعيش حلقة جديدة من العنف.

محله صار جزءاً من حيّ فرن الشباك؛ ماريو، البالغ من العمر 51 عاماً، ذو وشوم وشعر أسود قصير، يطلق مزاحاً متقطّعاً أثناء قصّه لشعر الزبائن الذين يتوافدون طوال النهار.

قصص موصى بها

مع ذلك، لاحظ ماريو انخفاضاً في زبائن المحل مقارنةً بالسابق. حرب إسرائيل على لبنان والحملة الأميركية-الإسرائيلية على إيران تُصبان ضرراً كبيراً على اقتصاد لبنان. الأسعار ترتفع نتيجة مشكلات في الإمداد—خصوصاً النفط القادم من دول الخليج، الذي توقّف إلى حدّ كبير بعد إغلاق مضيق هرمز بفعل إجراءات واشنطن وطهران. وفي بلدٍ يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية عميقة، تقلّ فرص العمل ويخسر الناس وظائفهم.

«تكلفة تشغيل المولّد تكاد تقتلني»، قال ماريو. «كل شيء أصبح أغلى؛ سعر البنزين تضاعف، السوبرماركت أغلى، حتى المواد اللي أستخدمها للشغل غلاّت.» 

في العام الماضي بدا أن حكومـة لبنان كانت تتكلّم بتفاؤل عن الاقتصاد، فيما سجّل البنك الدولي نموّاً متواضعاً بنسبة 3.5% في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025.

لكن مع عودة البلد إلى أتون الحرب والتأثيرات العالمية للنزاع مع إيران، بدا أن ذلك النمو قد تلاشى.

في مارس سجّلت البلاد أعلى معدل تضخّم خلال 18 شهراً، ويتوقّع بنك أو دي الآن أن يكون نمو الناتج المحلي صفراً في 2026 إذا استمرّت الحرب.

ومع كل الضغوط، يؤكّد ماريو أنه يرفض رفع تسعيراته.

«أفضل دائماً أن يشعر الزبون بالارتياح هنا»، قال. «الكثير بات أغلى، لكني أحاول أن أظل محافظاً على السعر. أعتقد أنّ من يأتي إليّ يريد أن يغادر سعيداً ومسترخياً.»

يقرأ  إمكانية الوصول في مقاطع الفيديونحو تعليمٍ شاملٍ للجميع

آثار متراكمة

في الثاني من مارس كثّفت إسرائيل حربها على لبنان. وبعد 15 شهراً من انتهاكات وقف النار الإسرائيلية، ردّ حزب الله على الهجمات الإسرائيلية واغتيال قائد أعلى لإيران، آية الله علي خامنئي، قبل يومين.

كانت هذه المرّة الثانية التي توسّع فيها الجيش الإسرائيلي هجماته على لبنان في أقلّ من عامين، لكنها جاءت أيضاً في ظلّ سلسلة أزمات أخرى في البلد، والتي يقول الاقتصاديون إنها تضافرت لتؤثّر بشكل مركّب على الاقتصاد والمجتمع اللبناني.

في 2019 أدّت سنوات من الإدارة الماليّة السيّئة إلى أزمة مصرفية قطعت وصول الناس إلى أموالهم، وتخبّطت العملة المحلية حتى فقدت أكثر من 90% من قيمتها.

انفجار مرفأ بيروت في 2020 أسفر عن مقتل 218 شخصاً، وتبعه تدهور أوسع في خدمات الدولة في 2021 و2022 وموجة هجرة جماعية. ثم، في أكتوبر 2023 دخل حزب الله وإسرائيل في مواجهة أدّت إلى نزوح آلاف اللبنانيين لم يعودوا إلى منازلهم خلال ما يقارب الثلاث سنوات.

في 2024 كثّفت إسرائيل هجماتها على لبنان فأدّت إلى نزوح أكثر من مليون شخص. وللبقاء على قيد الحياة—سواء كأنشطة تجارية أو كأسر—اضطرّ كثيرون إلى استهلاك جزء كبير من مدّخراتهم. فيما فقد آخرون وظائفهم مع إقفال شركات أو تقليص أعمالها.

تبعت تهدئة اتفاق وقف إطلاق نار في نوفمبر 2024 انتعاشاً اقتصادياً، رغم استمرار نزوح آلاف من المنازل في جنوب لبنان. إلاّ أن الهجمات الإسرائيلية منذ مارس قضت على ذلك الانتعاش: أكثر من 1.2 مليون نازح، قرى جنوبيّة دُمرت، والعديد من المنازل والمحلات في أجزاء من سهل البقاع الشرقي وضواحي بيروت الجنوبية باتت في حالة خراب.

هناك أيضاً تأثير عالمي على الأسعار نتيجة الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وقد انعكس ذلك خصوصاً على تكاليف الوقود بعد إغلاق مضيق هرمز.

يقرأ  هجوم مميت يستهدف روضة أطفال في السودان

سامي زغيب، اقتصادي ومدير بحوث في معهد السياسات ببيروت، قال إن لبنان يعيش «لحظة فريدة جداً في التاريخ الاقتصادي».

«هذه حرب تأتي بعد حرب»، قال زغيب. «تأتي بعد انهيار مؤسساتي. تأتي بعد واحدة من أسوأ الأزمات المالية في التاريخ.»

وحذّر من أنه إذا استمرّ هذا النمط فإن اقتصاد لبنان قد يصبح قريباً غير قابل للاستمرار، وسيقرّر كثير من المستثمرين أن فتح أو تشغيل الأعمال لم يعد مجدياً. ومع أنّ بعض المناطق تعرّضت لضربات أشدّ من غيرها، فإن الأثر امتدّ إلى أنحاء البلاد، ولم يعد هناك من لم يمسّه التأثير الاقتصادي للحرب.

تصدّع اجتماعي

شهدت مرحلة الحرب بين 2023 و2024 خسائر اقتصادية كبيرة في لبنان.

«الزراعة والتجارة والسياحة—قطاعات تمثّل 77% من الخسائر الاقتصادية—هي مصادر دخل رئيسية للعاملين بأجور منخفضة وللعمال غير النظاميين الذين باتوا عرضة للخطر»، وفق البنك الدولي، الذي قدّر في مارس 2025 تكلفة إعادة الإعمار والتعافي من الصراع بنحو 11 مليار دولار.

في أواخر أبريل قال وزير المالية اللبناني إن الخسائر المرتبطة بالحرب في 2026 تُقدّر بنحو 3 مليارات دولار، على أن التقييمات ما تزال جارية. وشهر بعد ذلك لا تزال إسرائيل تشن هجماتها وتصدر أوامر نزوح يومية، ما يعني أن المجموع مرجّح أن يكون أعلى بكثير.

الأكثر تضرّراً هم الفقراء والفئات الضعيفة، بحسب فرح الشامي، باحثة أولى ومديرة برنامج الحماية الاجتماعية في المبادرة العربية للإصلاح.

في 2023 كانت التحويلات المالية إلى لبنان قرابة 6.6 مليار دولار حسب أرقام البنك الدولي، ومن المتوقع أن تتراجع هذه السنة بشكل كبير.

أشار تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2023 إلى أن أسعار النفط تؤثر بقوّة على مستوى التحويلات، خصوصاً من دول الخليج. ومنذ مارس ارتفعت أسعار النفط بنحو 65% بحسب البنك الدولي، ما يعني أن الكثير من التحويلات من دول الخليج ستتأثر، بحسب الشامي.

يقرأ  الإغلاق الحكومي الأمريكي يدخل يومه الأربعين — كيف يؤثر على حياة الأميركيين؟

وكان هناك أيضاً أثر اجتماعي: هجمات إسرائيل فاقمت الانقسامات الداخلية في لبنان، ويقول محلّلون سياسيون إن ذلك تكتيك مقصود—إذ يعتقد قادة إسرائيليون أن الجوار المنقسم أسهل في الإدارة.

ويعتقد اقتصاديون أن الأثر الاقتصادي على الناس سيعمّق الشقوق الاجتماعية ويفتح الباب لمزيد من التصدّعات في النسيج الوطني. ذكر زغيب أن نخب لبنان السياسية تاريخياً سعت إلى إجهاض أي شكل من أشكال التضامن الطبقي عبر البحث عن كباش فداء سياسيين، وأن هذا النمط قابل لأن يُعاد تفعيله مجدداً.

أزمة النزوح أثرت بصورة رئيسية على المجتمع الشيعي اللبناني، الذي تستمدّ منه حزب الله جزءاً كبيراً من قاعدته الشعبية. وهجمة إسرائيل على مناطق يغلب عليها الطابع الشيعي دفعت أجزاء من هذه المجتمعات إلى التوّزع داخل مناطق مختلطة أو متجانسة اجتماعياً.

وفي أحيان كثيرة لم تتوانَ إسرائيل عن استهداف تلك المناطق الجديدة أيضاً، مما عمّق الشرخ الطائفي. ويرى زغيب أن بعض النخب السياسية قد يستغلّون هذه التصدعات لتوجيه اتهامات طائفية، وتحميل تعثّر الاقتصاد مسؤولية النازحين الذين يقبلون بأجر أقل — ذات الرواية التي وُجّهت سابقاً إلى سوريين أو فلسطينيين.

وأضاف زغيب: «هذا بالنسبة إليّ أمر شديد الخطورة.»

أضف تعليق