تصنيف لأنماط التعلم سبع طرق نصل بها إلى الفهم

مساهمة: ستيوارت هيس — هيتاجوجي ممارسة المجتمع

هذه التصنيفية محاولة لإعادة تعريف نظرتنا لعملية التعلم داخل سياق الفصل الحديث. التعاريف الشائعة للتعلّم تُركّز غالباً على الأداء وما يمكن للمتعلّم أن يفعله بعد تجربة تعليمية، بينما تتجاهل النمو الكلي للشخصية؛ وقليلون هم من استثنى ذلك مثل جان ليون غانيه. التعريفات المعجمية ترى التعلم كاكتساب معرفة، والتعريف النفسي السائد يعتبره تغييراً في السلوك نتيجة الخبرة. لكن كلاهما يبدوان غير كافيين أمام ما كشفت عنه دراسات الأعصاب من تعقيد مظاهر التعلم.

التقدّم في علوم الدماغ أتاح لنا أن ندرس كيف يتعلّم الناس مباشرةً، لا مجرد استنتاج أي الأساليب ناجعة من نتائج عملية، والتي تميل لأن تكون سردية وغير كمية. بات أكثر منطقية تصميم تجارب تعليمية ترتكز على كيفية حصول التعلم وارتباطه باهتمامات المتعلّم بدلاً من السعي لإنتاج مخرج واحد محدّد.

التصنيف الآتي يركّز على ما يجري داخل ذهن المتعلّم أثناء المرور بتجربة التعلم. ومن هذه القاعدة يمكن الانتقال إلى النتائج نفسها وإلى طبيعة الخبرة التعليمية.

قِسَم التعلم التي أوردناها تشير إلى أن تجارب تعلم مختلفة يمكن تصميمها إما لمساعدة الناس على الوصول إلى مستويات أعلى من الفهم، أو لاستهداف أشخاص يعملون بالفعل عند ذلك المستوى. هذه التصنيفية ليست منظومة تقييم للقيمة؛ فالعادات والسلوكيات المشروطة والكفاءات أساسية للبقاء وللاستخدام الفعّال للموارد، ولا ينبغي أن تُعتبر أقل أهمية من التعلم التكيفي، وإن كانت ربما أكثر بدائية من حيث التعقيد.

أشكال التعلم: سبعة مسارات نحو الفهم

1. التعلم الذاتي التنظيمي والتكيفي (Autopoietic and Adaptive)
هذا المستوى يخصّ ما يمكن تسميته بالتعلّم العميق. تتكوّن روابط معقدة بين ما تعلّمناه سابقاً وبين الحاجة إلى التكيّف. يحدث تفرّع في المسارات المعرفية يؤدي إلى تحوّل في الرؤى، ويمنح ثقة لمحاولة أشياء جديدة والتجريب. النمو الذاتي والتنظيم الداخلي يظهران في بيئات معقّدة وربما فوضوية، حيث يُطبّق التعلم بطرق مبتكرة، وتصبح الممارسات الانعكاسية والتعلّم في حلقتين أو ثلاث حلقات أمراً اعتيادياً لتقييم السلوك والنتائج فتدور حلقة تغذية راجعة مستمرة تؤدي إلى مزيد من التغيير. تتحوّل المعرفة إلى حكمة.

يقرأ  عشرات القتلى في مدينة الميناء آسفي جراء أمطار غزيرة

كلّ تعلم يتطلب إقامة مسارات عصبية تُستدعى بعد ذلك في صورة ذاكرة. في التعلم التكيفي تتراكم روابط بين مسارات مختلفة فتنتج رؤى جديدة وطرائق بديلة لرؤية العالم وفرضيات للاختبار. هذا هو عالم الإبداع والابتكار، وفي النهاية عالم البقاء أمام ضغوط التغيير.

نرى هذا النوع من التعلم يتجلى عند مواجهة مشكلات فائقة التعقيد أو تهديدات للبقاء؛ حينها نُجبر على إعادة نظر جذري في مفاهيمنا وتحدّي الدوغمائيات غير الفاعلة. قد يكون الدافع هنا مصمماً أو ناشئاً عن ارتفاع التوتر؛ الأولى تذكّرنا بمختبرات إديسون أو بيئات العمل في شركات مثل غوغل وأبل—أمكنة خصبة للابتكار. أما الحالة الثانية فقد تؤدي إلى إعادة صياغة نظرية أو تفسير جديد للخبرة أو حتى إعادة اختراع للذات.

2. تحوّل المخططات المعرفية (Shifts in Cognitive Schema)
المخططات المعرفية هي قِيَمنا ومواقفنا ومعتقداتنا التي تنعكس في التفكير والسلوك. في حياتنا اليومية تكون مقاومة للتغيير؛ إذ تُنشأ مبكراً وتُحرّك الكثير من سلوكياتنا. ومع ارتباطها بالأجزاء العاطفية في الدماغ، غالباً ما تتجاوز حتى الأدلة القاطعة المضادة.

لذلك إن تغيير المخطط المعرفي يُعد تجربة تعلم من درجة عليا؛ فهو يتطلب غالباً حدثاً عاطفياً قويّاً أو تجربة مؤثرة. هذا ما فهمه البنائيون والتعلم التجريبي، وما تستثمره كثير من المدارس العلاجية النفسية. كما في التعلم التكيفي، تتشكّل شبكة جديدة من المسارات المعرفية وتنهار القديمة. قد يكون التحول قويّاً إلى حد أن الشخص لا يتذكر لاحقاً أنه حمل معتقداً معيناً في السابق.

مع التحوّل في المخططات تتغير السلوكيات تبعاً لذلك. فمثلاً قد تكشف تجربة تعليمية مُتقنة في ورشة عمل أن لدي ميلاً إلى السلوك التسلطي كقائد؛ تلك البصيرة قد تدفعني إلى تقويض النزعة، وتفويض المهام، وثقة بالآخرين بدل الإدارة الدقيقة المفرطة.

يقرأ  سفن قافلة مساعدات غزة تُنقل إلى جزيرة كريت بعد اعتراض إسرائيلي أخبار: تصاعد التوتر الأميركي — الإسرائيلي بشأن إيران

3. بناء القدرة (Capability Development)
الأشخاص الأكفاء قادرون على توظيف تعلمهم في مواقف جديدة وكذلك مألوفة، ولديهم إحساس عالٍ بالكفاءة الذاتية، ويتعاونون بصورة فعّالة، ولديهم قابلية للتعلّم. هنا يصبح السياق مفتاحاً للتعلم الجديد؛ فبتغيير السياق تتاح فرصة لتجريب الكفاءات واكتشاف طرق أصيلة لحل المشكلات.

لتطوير القدرة يجب أن أطبّق مهاراتي في طيف من المواقف الجديدة، أن أحافظ على هدوئي أمام التعقيد، أن أستخدم التفكير التحليلي في كيفية توظيف المهارات، أن أتعلم مهارات جديدة، وأن أبحث عن مرشد أو أتعلم بالاحتكاك بالآخرين. أُدرِك أهمية التعلم العلاقي وإمكانات فضاءات التعلم المشتركة. كلما ازدادت مهارتي ارتفعت ثقتي بقدرتي وتعممت.

4. التعلم الضمني (Tacit Learning)
الكفاءات الرفيعة تُستَوْدع داخلياً إلى حد يتيح أداء مهام متقنة دون تفكير ظاهر أو معلَن؛ قد يُستدعى التفكير عبر السؤال الخارجي. يظهر التعلم الضمني غالباً لدى الممارسين الخبراء ويحدث بصورة لاواعية. يُوضَع المتعلّم في مواقف تُنقّح مهاراته أمام مهام ذات تعقيد متصاعد.

5. الكفاءة (Competence)
الكفاءات تتكوّن من معرفة ومهارات نكتسبها مباشرة أو بالوساطة، وبطرق رسمية وغير رسمية. معظم التعليم الرسمي يُعنى بتحصيل الكفاءة وإعادة إنتاجها. في عصر الشبكات يسهل الحصول على الكفاءات أكثر من أي وقت مضى، وغالباً ما نكتسبها عبر عمليات غير رسمية عند الحاجة.

6. التكييف الفاعل (Operant Conditioning)
استجابات مشروطة لاواعية لمثيرات بيئية، تُعرف أيضاً بالتكييف الفاعل. هذا شكل شائع من التعلم في سياقات رسمية وغير رسمية، ومسؤول عن اكتسابنا العديد من المهارات الجسدية والاجتماعية الضرورية للبقاء. نؤدّي سلوكاً ثم نُكافأ باعتراف أو مكافأة أو نتيجة إيجابية؛ تكوّن المكافأة الاستجابة فنميل إلى تكرار السلوك مستقبلاً. تشرُب السلوكيات المعقدة في صورة عادات تُعاد بلا وعي. يمكن أن يكون هذا التعلم كذلك بالنيابة—بمشاهدة الآخرين وهم يحصلون على نتائج إيجابية.

يقرأ  اضطرابات الإنترنت في الشرق الأوسط وجنوب آسيا إثر قطع كابلات البحر الأحمر

7. تعلم الإشارات (Signal Learning)
أبسط أشكال التعلم، ويعرف أيضاً بالتكييف الكلاسيكي. هو شائع ولاواعي. مثال من الطفولة: حينما أعطتني أمي عسلًا على الخبز وأنا مريض بحمى القرمزيّة، شعرت بالغثيان؛ منذ ذلك الحين أصبحت أنفر من العسل. كانت استجابة غير مقصودة للمثير. يستخدم المعلنون هذا النوع من التكييف لربط منتج بمثيرات إيجابية—شخص جذاب يقود سيارة معينة أو رائحة عطر صديق تستدعي مشاعر طيبة دون وعي.

خلاصة
هذه التصنيفات لا تُصنّف القيمة، بل تشرح مستويات مختلفة لما يحدث داخل عقل المتعلّم وكيف يمكن تصميم خبرات تعليمية تتناسب مع تلك المستويات. من التعلم الشرطي البسيط إلى بناء الحكمة عبر شبكات معرفية معقّدة، يبيّن هذا النموذج طيفاً واسعاً من السبل التي نقترب بها من الفهم والتغيير—سواء أكان ذلك عن طريق التصميم المتعمد أم تحت ضغط الضرورة، حيث يبرز دور التحفيظ الداخلي والسياق والعلاقات والانعكاس في تشكيل نمونا المعرفي والسلوكي.

أضف تعليق