تقدم الحوثيين في اليمن: أكثر من مجرد البحر الأحمر

التقدم السريع الذي حققته جماعة الحوثي على ساحل البحر الأحمر في اليمن هذا الأسبوع انتصار عسكري مذهل، لكنه ليس التحول الجذري الذي يُصوَّر به.

لقد صارت الجماعة قادرة على تهديد طريق ملاحي بالغ الأهمية، لكنها تفعل ذلك منذ 2023. هذا الانتصار الجديد يعزز سيطرتها، ويثبت أن الحكومة اليمنية ليست حالياً في وضع يسمح لها بهزيمتها.

سيطرة الحوثيين السابقة على القسم الشمالي من ساحل البحر الأحمر اليمني، بما في ذلك مدينة الحديدة، مكّنت هذه الجماعة المتمردة المتحالفة مع إيران من مهاجمة السفن المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة لسنوات، ثم استهدفت في الأشهر الأخيرة سفناً مرتبطة بالسعودية.

كما أضرت تلك السيطرة بالاقتصاد العالمي. فقبل وقت طويل من الحرب الأمريكية مع إيران وتحوّل مضيق هرمز إلى أداة لخنق التجارة الدولية، كانت هجمات الحوثيين حول اليمن قد حوّلت باب المندب إلى سلاح مشابه، وأدت إلى حملات قصف ضد الحوثيين من الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل.

وقد شدد مسؤولو الحوثيين أنفسهم على ذلك، إذ قال أحد قادتهم البارزين، عبد القادر المرتضى، في وقت سابق من هذا الأسبوع، إن الجماعة لا تحتاج إلى السيطرة على باب المندب، لأن الحصار على السفن السعودية قائم بالفعل. وكان المرتضى يشير إلى سفن سعودية تجنبت باب المندب منذ أن بدأ الحوثيون مهاجمتها في يوليو، حتى قبل تقدمهم الأخير.

لكن التقدم الخاطف للحوثيين يجعل تعطيل الملاحة أسهل عليهم. فلقد أصبح لديهم وصول إلى المدخل الضيق للبحر الأحمر وإلى عدة جزر فيه، ما يسمح لهم باستخدام أسلحة أقصر مدى، والوصول بسهولة أكبر إلى السفن التي يريدون مهاجمتها والصعود إليها، وربما استخدام الألغام البحرية لزيادة تقييد الملاحة.

المشكلة لن تختفي

زيادة قدرة الحوثيين على استهداف السفن، حتى مع التحفظات المذكورة أعلاه، تؤثر في معنويات السوق. ارتفعت أسعار النفط لأن المتعاملين يضعون في الحسبان قدرة إيران وحلفائها على تعطيل الملاحة في هرمز وباب المندب، وهما نقطتا عبور بحريتان حيويتان في جنوب شبه الجزيرة العربية.

يقرأ  ديوكوفيتش ينتصر في ملحمة مدتها خمس ساعات ليضرب موعداً مع سينر في ويمبلدون

لكن نتائج هذا التقدم لا تقتصر على زيادة قدرة الحوثيين على مهاجمة السفن، بل تتصل أيضاً بحقيقة متزايدة، هي أن مشكلة الحوثيين في البحر الأحمر لن تختفي.

لأشهر، بعد أن دعمت السعودية حملة الحكومة اليمنية ضد القوات الانفصالية في جنوب اليمن في وقت سابق من هذا العام، تغير المزاج في المعسكر المناهض للحوثيين.

وكان الانطباع أن الحكومة اليمنية، بقيادة مجلس القيادة الرئاسي، قد رتبت صفوفها أخيراً. وتحدث الرئيس رشاد العليمي مراراً عن سلسلة قيادة عسكرية موحدة، تسمح للجيش بتجاوز الانقسامات التي أُلقي عليها اللوم في عجزه عن هزيمة الحوثيين.

وقد لمّح مسؤولون يمنيون وسعوديون طوال العام إلى حملة ضد الحوثيين. وكان ساحل البحر الأحمر موقعاً محتملاً: فجغرافيته المسطحة إلى حد كبير تناسب الحكومة، وتسمح للسعودية باستخدام قوتها الجوية بفعالية؛ كما أن كثيراً من السكان ليسوا من قاعدة دعم الحوثيين التقليدية؛ كما أن هجمات الحوثيين السابقة على ملاحة البحر الأحمر جعلت من المرجح وجود تأييد دولي لمثل هذه الحملة.

لكن الاستيلاء على ساحل البحر الأحمر كسر كل هذه الروايات.

الزخم الذي ظنت الحكومة اليمنية أنها تمتلكه، حتى في بداية هذا الأسبوع عندما أعلنت تقدماً في الجوف شرق العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين، قد ذهب الآن.

وبعد أشهر من إظهار الوحدة، ينقلب المعسكر المناهض للحوثيين على نفسه مرة أخرى، ويتبادل الاتهامات بالمسؤولية عن الهزيمة.

مأزق السعودية

الرسالة التي يوجهها الحوثيون إلى السعودية واضحة: شركاؤكم في اليمن لا يستطيعون هزيمتنا.

لذلك، قد تكون حجة الحوثيين المحتملة أن على السعودية أن تعقد صفقة معهم وتوافق على شروطهم، ومنها أن تمول الرياض رواتب القطاع العام، وأن تتيح الوصول إلى إيرادات نفط اليمن وغازها، وألا تفرض قيوداً على الرحلات الجوية والملاحة إلى الموانئ الخاضعة للحوثيين.

يقرأ  معرض صور: حرائق الغابات في فرنسا تجبر 250 ألف شخص على النزوح من منازلهم

ولدى الحوثيين مصلحة في تثبيت مكاسبهم ورفع كلفة أي تصعيد قبل أن تتمكن القوات اليمنية المدعومة من السعودية من إعادة التنظيم.

وقد كانت هجماتهم على السعودية، التي تصاعدت في الأسبوع الماضي، مؤذية، وتوعدت الجماعة بالمزيد إذا زادت الرياض دعمها العسكري للحكومة اليمنية.

خطر أي تدخل من هذا النوع واضح بالنسبة للسعودية. لكن خطر التقاعس واضح أيضاً. فقد طالب الحوثيون مراراً بمزيد من التنازلات عندما كانوا في مواضع قوة.

وبما أن حرب اليمن لم تُحل، فقد يقرر الحوثيون التصعيد مرة أخرى في المستقبل، حتى لو جرى الاتفاق على صفقة الآن.

ولذلك، قد يرى صناع القرار في الرياض أن من الأكثر منطقية بذل جهد منسق لمواجهة المشكلة مباشرة الآن، بدلاً من تركها تتفاقم في المستقبل.

أضف تعليق