الحصة الأولى
نبذة: تتبع هذه القصة معلمة متدربة متوترة، تجعل محاولتها الأولى الفوضوية في التدريس درسًا دائمًا في الضعف والمثابرة، وفي قوة تأثير تشجيع مرشد.
أنزلني والداي عند مبنى جمعية الشبان المسيحية في أوشاوا. توقفت عند مدخل قصر كان يومًا ملكًا لمؤسسي شركة جنرال موتورز في كندا. شعرت وكأنني مراهقة شاردة جُرّت إلى أعماق ذلك المنزل العفِن. بثرياتها الكريستالية وسلّمها الحلزوني، لا بد أنه كان أنيقًا في يوم من الأيام. شعرت وكأنني الفتاة «الشريرة» في فيلم قديم بلون بني داكن. لكنني في الحقيقة كنت معلمة متدربة.
كانت مهام التدريب العملي قد أُعلنت، وأسماء المدارس مثل سانت ماري وأوكوود وسامرفيو لم تكشف لنا شيئًا عن الطلاب أو المجتمعات التي سنُقذف فيها ككرات ثلج تكوّنت بسرعة مفرطة. كانت المهام الأولى قبل عيد الميلاد أسبوعين فقط، وكان يليها ثلاث مهام أطول. تخيلت أن هذه الفترات قد تحوّلنا بأعجوبة إلى معلمين محترفين.
بجانب اسمي قرأت: مدرسة أونيل. بدا الاسم أيرلنديًا، رغم أنني شككت في أن أوشاوا تضم جالية أيرلندية كبيرة؛ ولم تكن لدي أي حجة لهذا الظن. على أي حال، لم أكن أعرف أونيل سوى الكاتب المسرحي يوجين أونيل، وملحمته عن عائلة مختلة مدمنة على الكحول تتبادل الكلمات اللاذعة في مسرحية «رحلة النهار الطويلة إلى الليل».
أعطتني إحدى الزميلات المتدربات رقم هاتف، وهي تصرخ وسط الضجيج بأنها من أوشاوا. وضعته في جيبي، وقلت لنفسي: ربما أتصل. كان يُخصص لنا بدل أسبوعي قدره خمسون دولارًا لتغطية النفقات، مع قائمة بمنازل للإقامة.
كانت مادتا تدريسي هما الفن والإنجليزية، لأنني أحببت الرسم والقراءة. وحين وقعت صدفةً في التاريخ الفني، أصبحت مهمتي أن أرى النسخ الأصلية لآلاف الشرائح التي كانت تُعرض على الشاشة في قاعات المحاضرات المظلمة. كنت مبهورة بالتفاصيل الفاخرة، ومفتونة بالقصص الغريبة التي تحيط بالرسامين.
طاردتُ الفن في أوروبا؛ فتاة من تورونتو، كانت تختار الاتجاه الخطأ بسهولة حين يتفرع الطريق أمامها. كنت أعيش في رأسي، وأفضل جمال الأشياء المُسكِر وجاذبية الغرابة على لمسة الناس الباردة.
في الجامعة، كنت أتنقل وأغازل وألقي بنفسي هنا وهناك، دون أن أفكر كثيرًا فيما يتجاوز إشباع شغفي الخاص. كثرة السهرات والمقالات المتأخرة حالت دون مستقبل لي في التاريخ الفني. هل كان أحد يهتم حقًا بأنني كنت أقضي ليالي في قطارات من الدرجة الثالثة، أطارد نقوش غويا الأعمى المفقودة؟ هل كان إرجاع رأسي إلى الخلف لساعات في كنيسة سيستين لمايكل أنجلو يجعلني باحثة؟ درجاتي جعلتني مجرد متفرجة، وسائحة في عالم الفن، لا طالبة دراسات عليا جادة. وفي النهاية، كان مستقبل الفتيات عادةً يقع تحت عنوانين: ممرضة (ولا علم عندي)، أو معلمة (ولديّ بكالوريوس في الآداب). لذلك تقدمت للتدريس.
في كلية التربية، كنت أشخبط في المحاضرات عن جون ديوي، وأنام وعيناي مفتوحتان خلال السياسات والإجراءات والنصائح العملية لإدارة الصف. وكثيرًا ما كنت أتخيل نفسي في بروفانس أو هايدلبرغ، أحل لغزًا خفيًا، مثل محققة فنية تطارد تقنية أحد الرسامين.
لم أكن مستيقظة إلا في حصص طرق تدريس اللغة الإنجليزية. كان الأستاذ يشرح كيف تشعل القصائد والروايات مسارات من المغامرة في الكلمات والصياغة والحكايات المخفية. كانت الكلمات تستدعي صورًا في رأسي، إذ تخيلت مشاهد محبوسة في إيقاعات قصص رُويت بجمال.
درّست أول درس تدريبي أمام زملائي عن «تسمية الأجزاء». عندما رسمت على السبورة زهرة «جابونيكا» الواردة في القصيدة، كنت داخل قصة مجند يهيم بخياله في الخارج في يوم ربيعي، بدلًا من أن يستمع إلى قائده وهو يسمي أجزاء البندقية. لا بد أنني كنت شغوفة، أو مسلية على الأقل؛ فقد ابتسمت ثلاثون عينًا استحسانًا، وانجذبت إلى عرضي الذي صنع معنى لهم، وربطهم بتجاربهم، وأبقى اهتمامهم حيًا لاستكشاف نفسية المجند عبر النقاش والحوار؛ ولم يقطع ذلك سوى جرس نهاية الحصة.
كانت حصة محفزة بالنسبة إليّ؛ فقد كان زملائي مستمعين لي، يدفعهم الفرح الذي يأتي حين يثير التعلّم الشخصَ على مستوى عميق، ويمتد به إلى الجماعة.
في أوشاوا، اتصلت بالرقم الذي وصلني. كانت وجهًا في قاعة المحاضرات، لكنني أدركت سريعًا أننا نتشارك أكثر من مادة الإنجليزي؛ فكلانا عصابية، وأصابعنا لا تتوقف عن التمشيط في شعرنا. رأيت بقعًا فارغة في فروة رأسها وهي تلف خصلات شعرها وتفكّها. أما شعري أنا، كما طمأنت نفسي، فكان ما يزال كثيفًا، ولا أحد يعرف سرّي المُذنب. ومع ذلك، كنت أنا أيضًا أنتف تلك الشعيرات المشاغبة. ضحكنا على طباعنا الوسواسية، وتساءلنا إن كان التدريس سيكون علاجًا شافيًا يجعلنا أخيرًا ننسجم مع زملائنا ممشطي الشعر بعناية، والذين بدوا واثقين من مصيرهم كمعلمين. تساءلتُ هل سنبقى دائمًا مثل المجند في قصيدتي، نحلم بالهروب، أم سنجد ملاذنا في الفصل الدراسي.
حين جاء صباح أول مهمة تدريبية، وصلت إلى مدرسة أونيل لأعلّم الفن. بدا الأستاذ المشرف شابًا، بين الخامسة والعشرين والأربعين، على ما ظننت. كان يبتسم وهادئًا، وقال: «يمكنك مشاهدتي لبضعة أيام لتأخذي فكرة عن الصف. وعندما تصبحين جاهزة، يمكنك تدريس حصة». اصطكت ركبتاي وابتسمت ابتسامة حمقاء.
كان ليام جونسون يشارك الطلاب فضاءهم بطبيعة وسهولة. كان واضحًا أنهم يحبونه. حين يكون المعلم مثل ليام، يحدث التعلّم فعلًا، إذ تتحول حل المشكلات إلى لعبة واضحة ومثيرة يتزاحم الطلاب على لعبها. أن تمدّ عقلك بطرق مبتكرة شعور رائع. عشت هذا الشعور يوم درّست «تسمية الأجزاء».
لكن ليام لم يكن صديقهم حقًا، بل أقرب إلى مرشد. كان يخاطبهم باحترام، وكانوا بدورهم محترمين. كان يستمع ويلاحظ ويعلّم بطريقة تُظهر أنه يستمتع بما يفعل. لم يتعالَ عليهم، ولم يتعامل معهم برعاية زائفة، وكان يدرك بحدسٍ أساليب كل طالب واحتياجاته. كتبت في مذكرتي: «لا مشاغبين هنا، ولا مشاكل في إدارة الصف». حتى وأنا في التاسعة عشرة، أدركت أن ليام من النوع الذي يملأ ذهنك بالخيارات، ويجعلك ترغب في أن تحذو حذوه وتتخذه قدوة.
مع الوقت تعلمت أن تدريس الفن أمر سهل؛ فالطلاب يختارون الفن بأنفسهم، ويعملون وفق إيقاعهم الخاص، ويمكنهم أن يكونوا مبدعين. الفن واحة وراحة من المقاعد الصلبة التي لا يُسمح لهم بالتحرك منها في الحصص المفروضة الأخرى، ومن الأصوات التي تظل تطن في مواضيع لا يهتمون بها.
ظللت ألازم ليام حتى طرح السؤال المحتوم: «هل أنتِ مستعدة للتدريس؟» في الحقيقة، كنت سأكتفي بمشاهدته يعلّم إلى الأبد.
فماذا كان بوسعي أن أقول سوى «نعم»؟
توقف لحظة وقال: «الطلاب مستعدون لبدء قطع المشمع. يمكنك قضاء عشرين دقيقة في شرح العملية لهم». فابتسمت مرة أخرى ابتسامة غبية.
بدأت أبحث في ويكيبيديا، فقرأت أن «التصميم يُقطع على سطح المشمع بسكين حاد». كنت أعرف ذلك مسبقًا؛ فقد خضت تجربة في فن الطباعة، وكل طفل في المدرسة الابتدائية صنع بطاقة عيد الميلاد، لكنني أردت أن أتأكد من أنني لم أغفل شيئًا.
والواقع أنني وزعت بعناية ثلاثين قطعة من المشمع قبل مغادرة المدرسة في الليلة السابقة. وكنت أعرف أن وضع المشمع على المشعات يدفئ القطع الجلدية ويجعل قطعها أسهل. كنت قلقة طبعًا من أن يقطع الطلاب باتجاه أجسادهم فيجرحوا جلدهم، أو يقطعوا شريانًا يحتاج إلى أطباء وغرز. كنت أسمع عويل سيارة إسعاف تتوقف أمام باب المدرسة. هززت رأسي، وتركت الصرخات تتلاشى.
أما بخصوص الطريقة التربوية، فكتبت الخطوات على بطاقات صغيرة، ورسمت مخططات، ووجدت أمثلة طريفة في كتب فنية قديمة في مكتبة ماكلولين العفنة.
وقفت أمام مرآة غرفة نومي وتجهّمت. لم أفعل في المدرسة حتى الآن سوى التحرك في الصف وإبداء تعليقات إيجابية. لا بد أنني كنت مصدر إزعاج بسيطًا للطلاب؛ كانوا يسمحون لي بالإعجاب بأعمالهم، أو أومئ برأسي عند ملاحظات نقدية سطحية. رأيتهم يضحكون مع ليام ويدخلون في أحاديث حقيقية. رأيت الثقة في أعينهم، ورأيت تبادلات تبدو ذات معنى.
أعدت النظر في صورتي في مرآة الغرفة وهمست: «صباح الخير أيها الصف»، وبدأت عرضي أمام غرفة نوم صامتة. توقفت لأتأكد من أن الطلاب الوهميين ينتبهون. تحدثت ببطء، وأنطقت الكلمات بوضوح، وأنا أتمرن بأفضل صوت لدي، وهو صوت كان يرتجف رغم ذلك. فكرت في تعليماتي وأعدت التفكير فيها، وراجعت ملاحظاتي، وأعدت ترتيب وسائلي البصرية، وقررت أين أقف في حديثي المخطط.
كان جسدي غارقًا في العرق.
حين وصلت مبكرًا، كان ليام موجودًا في الصف ليرحب بي ويشجعني: «رأيتك مع الأطفال. ستكونين بخير».
بالتأكيد. سأكون بخير.
«صباح الخير»، بدأت تمامًا كما خططت. بل توقفت في المكان المناسب، وأدرت رأسي يمينًا ويسارًا لأحيي الطلاب بابتسامات ترحيبية.
«اليوم سنقوم بـ…»
تابعت الحديث… وكنت أسمع كلماتي، لكن جُملي كانت تزداد سرعة مع كل عبارة درّبت عليها بعناية. وكأنها قطار فوق السكة يجمع زخمه كلما ابتعد عن المحطة، كنت أسمع كلماتي تتسارع بينما أبدأ في الاستعجال بالخطوات، من الأولى إلى العاشرة. لساني، متجاهلًا عقلي، كان له قائد خاص. رأسي ثم جسدي لم يكونا سوى ملحقين لفم أخذ يقذف نفسه بسرعة متهورة، لا يتوقف عند نقطة أو وقفة. وقفت أراقب نفسي من الخارج، ورأيت المعلمة المتدربة في مقدمة الصف ترفع الوسائل البصرية، والكلمات تندفع من فمها أسرع فأسرع.
رغم تسابق كلماتي، ما زلت أتمكن من أن أوضح كيف تُمسك السكين، وتُثبت الشفرات المختلفة، ويُرسم الرسم، وتُدهن الأجزاء المراد حفرها بالحبر الهندي، ويُسخن المشمع، ويُقطع المشمع، وتُطبع الصورة…
لكنني كنت أسيرة لساني؛ تلك الأفعى البنفسجية الثرثارة التي لم أستطع السيطرة عليها. كيف لدخل كائن غريب فمي، وأخذ لساني رهينة لأنني تظاهرت بأنني معلمة؟ في رعب، تحركت كإنسان آلي، عبدةً للكلمات التي واصلت تسابقها.
وجوه الطلاب، التي لم تكن على بعد قدمين مني، تحول فيها الهدوء البارد إلى ذهول. غير مصدقين أن هذه المتظاهرة بأنها معلمة تسوق كلماتها روح شريرة، التفتوا إلى بعضهم وهم لا يعرفون ماذا يفعلون. ظلوا ملتصقين بمقاعدهم، مصدومين حتى أنهم لم يتحركوا. ربما كانوا ينتظرون أن أتحول إلى شيء أفظع من معلمة متدربة تهذي.
أنهيت حصتي في ثلاث دقائق، لا عشرين!
كما لو أن زنبركي انفرط تمامًا، صرت منهكة وبلا كلمات؛ فقد القطار لم يخرج عن القضبان، بل عاد إلى المحطة بسرعة جنونية، وقد تناثرت حمولته في كل مكان. خائبة ومحرجة، وعيناي مثبتتان أمامي، والدموع بالكاد محبوسة، توجهت إلى مؤخرة الصف. التفتت الرؤوس، وتبعني أعين لا ترمش. كان هناك صمت. أردت أن أهرب.
غير أن الطلاب التقطوا أدواتهم وبدأوا العمل.
من خلال ضباب من الدموع، رأيت ليام يقترب. قبل أن يفتح فمه، تيقنت أن مسيرتي التدريسية قد انتهت. كنت على وشك أن أتوسل.
قال: «لقد أبليتِ اليوم بلاءً حسنًا».
عرفت أنها كذبة، لكنها كانت الكلمة التي كنت أشد ما أحتاج إلى سماعها.