رئيس وزراء قطر السابق — نتنياهو يستغل حرباً ضد إيران لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط

الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران ليست تصعيداً مفاجئاً، بل ذروة لأجندة إسرائيلية طويلة الأمد تهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالعنف، هذا ما أكّده الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني في مقابلة صريحة وواسعة على برنامج “المقابلة” في قناة الجزيرة.

وهم نتنياهو وزلّة الولايات المتحدة
الديبلوماسي المخضرم قدّم قراءة قاسية للمشهد الجيوسياسي المتقلّب، محذِّراً من أن أزمة مضيق هرمز تمثّل أخطر نتاج للحرب الراهنة. ورأى أن هناك دفعاً نحو مواجهة مع إيران تقوده فصائل متشددة داخل إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، الذي نجح —بحسبه— في إقناع واشنطن بأن النزاع سيكون قصيراً وسريعاً وأن النظام الإيراني سينهار خلال أسابيع، ما شكّل «وهمًا» سمح بجر الولايات المتحدة إلى مسار عسكري كان سابقاً محل تردّد. ولئن اعتمدت إدارات أميركية سابقة على الحذر، فإن الحسابات الخاطئة لإدارة الولايات المتحددة هذه المرّة ساهمت في انفلات الأمور.

المضيق كأداة استراتيجية وخطر عالمي
في تقييمه لاستراتيجية طهران، لفت الشيخ حمد إلى أن إيران امتصّت الضربات العسكرية الأولى وأدركت أنها قادرة على التحوّل إلى قوة امتيازية عبر التحكم بممر الملاحة الحيوي: مضيق هرمز. وصف تسليح هذا الممر بأنه “النتيجة الأخطر” للحرب، معتبرًا أن اعتبار طهران للمضيق كساحة ذات سيادة فعلية يهدد الاقتصاد العالمي أكثر من البرنامج النووي الإيراني بحد ذاته. وأضاف أن دول الخليج هي التي تحملت العبء الأكبر من آثار الأزمة، وقد أدت الضربات الإيرانية على منشآت طاقية وصناعية ومدنية في الخليج، بذريعة استهداف المصالح الأميركية، إلى استنزاف رأس المال السياسي لطهران وإثارة سخط شعبي واسع جراء الخسائر الاقتصادية والأمنية.

دعوة إلى ناتو خليجي
من أخطر ما قاله الشيخ حمد أن الخطر الأكبر على دول الخليج ليس إيران ولا القواعد الأجنبية بل التفكك الداخلي للخليج ذاته. اقترح إنشاء «ناتو خليجي» أو تحالف خليجي سياسي-عسكري يبدأ بمجموعة أساسية من الدول المتوافقة استراتيجياً، على أن تكون السعودية العمود الفقري الطبيعي لهذا الإطار، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي بدأ بعدد محدود من الدول ثم توسّع، وأن نجاح أي نموذج خليجي يتطلب مؤسسات وقوانين ملزمة تحترمها الدول الأعضاء. واعتبر أن الوجود العسكري الأميركي قد سجّل دور ردع مهم لعقود، لكن التحوّل الاستراتيجي لواشنطن نحو آسيا وحصر الصين يعني أن الاعتماد المطلق على المظلة الأميركية لم يعد ممكناً، فبات لزاماً على دول الخليج أن تُبني شراكات استراتيجية طويلة الأمد على أساس مصالح واضحة مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان ومصر.

يقرأ  ترامب: إسرائيل ولبنان تتفقان على وقف مؤقت لإطلاق النارأخبار الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران

غزة والتطبيع وسيناريو التفريغ السكاني
في الشأن الفلسطيني دان الشيخ حمد قتل المدنيين من جميع الأطراف، وندد بما وصفه “كارثة سياسية وأخلاقية” في غزة، مشيراً إلى سقوط أكثر من 72,500 قتيلًا منذ بدء الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023. حذّر من مؤامرة لإفراغ القطاع من سكانه عبر عروض مالية تُشجّع على الرحيل، ما يحوّل القضية إلى مشروع عقاري بحكم الواقع. كما نوّه بتعاطف عالمي غير مسبوق مع القضية الفلسطينية منذ 7 أكتوبر 2023، ونصح الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حماس، أن تُحصِن مواقفها بإدراك التكلفة الإنسانية الهائلة لأي قرار عسكري أو سياسي. وقطع بأن نزع سلاح حماس غير مقبول ما لم يواكبه أفق سياسي واضح للدولة الفلسطينية المستقلة، ممدوحًا في الوقت ذاته موقف السعودية الرافض للتطبيع بلا خارطة طريق، وهو موقف أزعج حسابات نتنياهو الإقليمية.

انعطافات إقليمية وسقوط نظام الأسد
مستذكراً تحوّلات إقليمية، عبّر الشيخ حمد عن ارتياحٍ لسقوط نظام بشار الأسد، وكشف أنه نصح الرئيس السوري سابقاً في بدايات الثورة بالاستماع إلى شعبه. وأضاف أن الجغرافيا تفرض التعايش، ودعا إلى حوار خليجي جماعي وصريح مع إيران بدلاً من اتصالات منفردة متناثرة، بهدف وضع إطار واقعي للتعايش والأمن المشترك.

خلاصة القول، كما طرح الشيخ حمد بن جاسم، أن إعادة ترتيب الشرق الأوسط جارية بالفعل، وأن خيارات القوى الإقليمية والدولية اليوم هي التي ستحدد ملامح المنطقة لعقود، مع ضرورة تحاشي الانقسامات الداخلية وبناء مؤسسات إقليمية قادرة على إدارة الأزمات بما يحمي مصالح شعوب المنطقة. أشاد بالواقعية التي تميزت بها القيادة السورية الجديدة في تفادي الاستفزازات الإسرائيلية، وحثّها على تكريس جهودها لإعادة الإعمار الاقتصادي والمؤسسي بعد ما يقارب أربعة عشر عاماً من الحرب وسوء إدارة الحكومه.

يقرأ  الجيش الأمريكي: «مشروع الحرية» في مضيق هرمز المحاصر بدأ للتوأخبار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران

كشفت المقابلة أيضاً عن فصل من التاريخ الدبلوماسي المغمور. أفصح الشيخ حمد أن القيادة القطرية أرسلتْه الى طهران في أواخر التسعينيات ليوصل رسالة من إدارة كلينتون، مفادها أن الولايات المتحدة طالبت إيران بتسليم برنامجها النووي الناشئ لروسيا أو الخضوع لترتيبات دولية.

ورغم أن قطر قامت بدور الرسول فحسب، فإن طهران آنذاك كانت تنظر إلى الدوحة على أنها محاذية للموقف الأمريكي، على حد قوله.

أضف تعليق