لا أتذكر مرحلة من طفولتي لم تكن فيها صوت شيرين أبو عاقلة حاضراً. كانت واحدة من الثوابت القليلة في مشهدنا المتقلب، رمزاً رسّخ قضية الفلسطينيين في ضميرٍ عربيّ جامع.
بدأت تغطيتها لأهمّ الأحداث في فلسطين قبل أن أولد. وثّقت انتفاضة الأقصى والحملة على جنين عام 2002، وفي 2005 كانت أول صحافية عربية تدخل سجن عسقلان لتجري مقابلات مع أسرى فلسطينيين مكثوا سنوات هناك.
أَذكر تماماً أثناء حرب غزة 2014، كنت حينها في الثانية عشرة من عمري، كنت أُتابع الأخبار بانتظام وأنتظر شيرين على رأس كل ساعة أمام التلفاز لأعرف إن كانت هناك تهدئة قادمة أم أن الضغط على إسرائيل سيوقف القصف. رغم أن صوتها كان يحمل ألم ما يجري في غزة، إلا أن حضورها على الشاشة كان يبث أملاً وصموداً.
كانت محبوبة ومحترمة من كل الفلسطينيين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو السياسية. شجاعتها وصفاؤها الأخلاقي وإصرارها على إيصال صوت الشعب الفلسطيني كانت مصدر إعجاب وخشية في الوقت نفسه.
فعندما وصلنا خبر اغتيالها في 11 مايو 2022، كانت صدمة مدمّرة. رأينا المشاهد: شيرين ملقاة على الأرض، زميلتها شذى حنايشة بجانبها، وكاميرا التصوير تلتقط شخصاً يصرخ طالباً إسعافاً بينما النار الإسرائيلية تعيق محاولات الإنقاذ وتتركها تنزف دون أن يتم سحبها إلى بر الأمان. اغتيال إحدى أبرز صحافيات فلسطين في وضح النهار لم يكن مجرّد جريمة صادمة، بل كان نذيراً لما سيأتي.
بعد عام ونصف بدأت حملة من الاستهداف المنظّم للصحافيين الفلسطينيين في غزة؛ حتى اليوم قُتل على الأقل حوالي 260 من العاملين في الإعلام، وصُنِّفت إسرائيل على أنها أكبر قاتل للصحافيين في العصر الحديث. مع ذلك لم تُسكت اغتيالات شيرين وزملائها — مثل أنس الشريف وفادي الواحيدي ومريم أبو دقّة — أصوات الشباب كما كانت تأمل إسرائيل؛ بل دفعت كثيرين منا لالتقاط الكاميرا والميكروفون والقلم ومواصلة العمل.
أنا واحدة من هؤلاء. اغتيال شيرين غيّر شيئاً عميقاً بداخلي. كنت طالبة أدب إنجليزي، غارقة في قوة اللغة وسحر السرد، لكن موتها حوّل نظريّتي نحو العالم الواقعي. أدركت أن الأدب يحفظ ثقافتنا، لكن الصحافة تدافع عن حقيقتنا الراهنة. لم أعد أكتفي بالكتابة وحدها، أردت أن أُبلِغ وأن أشهد؛ أردت أن أكون مثل شيرين.
التحقت بدورات صحفية داخل كليتي لأطوّر مهاراتي. كان الفظيع في الأمر أن المذبحة التي جعلت مهنة الصحافة مهنة قاتلة في غزة كانت هي نفسها المدخل الذي أطلق مساري الصحفي. كوني من سكان مدينة غزة جعلني شاهدة مباشرة على الفظائع التي تساقطت على الشمال؛ نجاّتني عدة هجمات إسرائيلية وأُجبرت على النزوح مع عائلتي مرات عدة.
بدأت أوثق تجربة الإبادة في يومياتي. كثيراً ما تخيّلت ماذا كانت لتقول شيرين أمام هذه الفظائع التي تكاد لا تُصدّق؛ شعرت أنها كانت تراقبنا من فوق وتبكي. بدا العالم أصمّ أعور أمام الموت الجماعي للفلسطينيين. ثم تذكرت كلماتها: «اخترت الصحافة لأكون قريبة من الناس. قد لا يكون تغيير الواقع سهلاً، لكن على الأقل أستطيع أن أوصل هذا الصوت للعالم.» كانت رسالتها الخفية لشباب أمثالي: أن تكون صحافياً يعني أن تتكلم حتى لو لم يرغب العالم في الاستماع.
بدأت أكتب عن الوضع في شمال غزة، حيث بقيت تحت حصارات ومجاعة متعاقبة. بسبب انقطاع الإنترنت لم أتمكن طويلاً من التواصل مع الخارج. بعد الهدنة المؤقتة التي أعلنت في يناير 2025 استعيد بعض الاتصال، ونشرت مقالي الأول بعنوان «النجاة من الحرب في شمال غزة» يوثّق تفاصيل الرعب والحياة والموت التي شهدتها.
شعرت بفخر ورضا لأنني كسرت حصار الصمت، لكن لعائلتي كانت ثمن هذه الخطوة خوف عميق؛ كانوا يخشون أن أكون هدفاً أيضاً. ومع ذلك واصلت الكتابة رغم أن إسرائيل كانت تقتل صحافيين أسبوعياً وأن العالم لم يتحرك لوقف ذلك.
اليوم يفترض أن هناك «هدنة»، لكن جرائم قتل الصحافيين لم تتوقف. قبل شهر قُتل الزميل محمد وشيح، مراسل قناة الجزيرة المباشر. ومع ذلك لا زلنا نحنن جيلًا كبيرًا من الشباب الذين يصرون على التوثيق والكتابة والصراخ بكلماتنا أمام الرعب والظلم. حملنا الشعلة التي تركتها شيرين ومضينا بها إلى الأمام.
فلسطين لن تُسكت.