أعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية أن الجيش الروسي تكبّد 42 ألفاً و800 خسارة في يوليو/تموز، وهو رقم إذا كان دقيقاً سيكون أعلى معدل خسائر تقدّره كييف خلال هذا العام.
وفي الوقت نفسه، ردّت روسيا على أدائها العسكري السيئ وأزمات الطاقة الداخلية بمضاعفة استخدام السلاحين اللذين لم تجد أوكرانيا دفاعاً مناسباً ضدهما، وهما القنابل الانزلاقية والصواريخ الباليستية.
وقالت وزارة الدفاع الأوكرانية إن روسيا أطلقت 8300 قنبلة انزلاقية في يوليو/تموز، أكثر من أي شهر آخر منذ بدء الحرب. ومعدل الخسائر الأوكراني في الارتفاع، تماشياً مع اعتقاد الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن روسيا ستستدعي ما يصل إلى نصف مليون جندي احتياطي في أكتوبر/تشرين الأول.
ولا تستطيع الجزيرة التحقق بشكل مستقل من ادعاءات أي من الجانبين بشأن الخسائر في الحرب التي ما زالت مستعرة عامها الخامس.
وقد امتنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حتى الآن عن استخدام المجنّدين النظاميين والاحتياطيين فيما يسميه “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا، خشية رد فعل سياسي. وإذا أجبرته أوكرانيا على ذلك، فقد يشكّل ذلك نقطة تحول سياسية في شعبية بوتين داخلياً.
أما بخصوص الخسائر الأوكرانية، فقال زيلينسكي مؤخراً لقناة فوكس نيوز إنها بلغت 450 ألف شخص، بينهم 50 ألف قتيل.
وقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) مؤخراً أن “نسبة الخسائر بين روسيا وأوكرانيا ارتفعت على الأرجح إلى نحو 8 إلى 1 في النصف الأول من 2026، بعد أن كانت بين 2 إلى 1 و3 إلى 1 خلال معظم فترات الحرب، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى استخدام أوكرانيا للمسيرات”. وقال زيلينسكي إن المسيرات تسببت في 30 ألفاً و272 خسارة روسية في يوليو/تموز.
روسيا في تراجع
معدل الخسائر الروسية المتصاعد يرافقه تراجع في الأداء الميداني. ويقدّر معهد دراسة الحرب، وهو مركز أبحاث في واشنطن يقيس السيطرة على الأراضي باستخدام مواد مفتوحة المصدر محددة جغرافياً، أن روسيا احتلت في يوليو/تموز مساحة 37.85 كيلومتر مربع فقط من أوكرانيا، مقارنة بـ455 ألف كيلومتر مربع في يوليو/تموز 2025. وهذا يعكس الأداء الضعيف لروسيا هذا العام.
ويقدّر المعهد أن روسيا خسرت، على سبيل التوازن، 183.5 كيلومتر مربع من الأراضي الأوكرانية هذا العام، مقارنة بـ2198 كيلومتر مربع استولت عليها في الأشهر السبعة الأولى من 2025.
وقد نجحت موسكو في التسلل إلى مناطق أوكرانية عبر إرسال جنود بشكل فردي للتمركز مسبقاً وانتظار التعزيزات، ما يجعل السيطرة الأوكرانية على تلك المناطق موضع نزاع، حتى لو لم تكن روسيا تسيطر عليها سيطرة كاملة.
وتسللت روسيا إلى 121.6 كيلومتر مربع في يوليو/تموز، وفقاً لمعهد دراسة الحرب، ليصل إجمالي الأراضي التي تسللت إليها هذا العام إلى 379.9 كيلومتر مربع. وقد نجح الجيش الأوكراني في عكس كثير من هذه التسللات، لكنها قد تكون فعالة في كوستيانتينيفكا، أقصى مدن أوكرانيا الحصينة جنوباً، حيث أعرب المدافعون الأوكرانيون مؤخراً عن شكوكهم في قدرتهم على الصمود أكثر من بضعة أشهر.
تجدد حملة الضربات
أوكرانيا أيضاً تحافظ على حضورها في الجو. فقد أعلن زيلينسكي نجاح حملة ضربات جوية استمرت 40 يوماً، وجدّدها في 4 أغسطس/آب. وهدفت الحملة المكونة من ثلاثة مستويات إلى ضرب الإنتاج العسكري ومصافي تكرير النفط داخل روسيا، ومسارات الطاقة والأسلحة في الأراضي المحتلة القريبة من خط الجبهة، والمواقع الأمامية.
وقال جهاز الأمن الأوكراني إنه ضرب 14 مصفاة، وعشرات مستودعات النفط ومحطات التحميل، و14 طائرة وأربعة مطارات خلال 40 يوماً. كثير من هذه الضربات وقعت في الأسبوع الماضي، عندما أشعلت أوكرانيا النار في مصفاة لوك أويل في فولغوغراد، وثلاث مصافٍ في مدينة أوفا على بعد 1600 كيلومتر من أوكرانيا، ومصفاة سلافنفت-يانوس في ياروسلافل، ومطاري إنجلز 2 وساراتوف، ومصنعاً في إيجيفسك يصنع مسيّرات شاهد.
وقال خبير التكنولوجيا العسكرية سيرهي بيسكريستوف إن هذا المصنع، على عكس مصنع شاهد الأكبر في ألابوغا الذي يعتمد على قطع صينية، يستخدم قطعاً روسية بالكامل تقريباً.
ووجد تحليل حديث لصحيفة فايننشال تايمز لصور الأقمار الصناعية أن أوكرانيا دمّرت نحو ثلث الطاقة التكريرية الفعلية لروسيا. وتطلق أوكرانيا نحو 10 آلاف مسيّرة بعيدة المدى شهرياً لتحقيق هذه النتائج.
وقال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن 6225 مسيّرة أوكرانية توجهت نحو موسكو في يوليو/تموز، وهو ما يمثل نحو ثلثي جميع الضربات الأوكرانية بعيدة المدى على الأراضي الروسية.
وعندما أطلقت أوكرانيا حملتها بالمسيّرات في نهاية 2023، كان هدفها تصنيع 11 ألف مسيّرة بعيدة المدى في كل عام 2024. منذ ذلك الحين، أبرمت اتفاقيات مع تسعة حلفاء لتصنيع المسيّرات على أراضيهم، على أن يُرسل 50 بالمئة من الإنتاج إلى أوكرانيا، وتقول إن 15 اتفاقاً إضافياً قيد الإنجاز.
وكانت نتائج حملة الأربعين يوماً الأكثر دراماتيكية في شبه جزيرة القرم المحتلة، حيث ضربت أوكرانيا 201 محطة كهرباء فرعية. وقال روديون ميروشنيك، السفير المتجول للكرملين: “شبكة الكهرباء في شبه جزيرة القرم واجهت حملاً غير مسبوق وعملت في وضع حرج. وحدث انقطاع متداول للتيار الكهربائي في جميع مناطق القرم”.
ولم تكن الأوضاع أفضل في المناطق المحتلة المجاورة خيرسون وزابوريجيا، حيث قال إن “انقطاعات كبيرة للتيار الكهربائي سُجلت على مدار الأسبوع في جميع المناطق”.
وقالت أوكرانيا إنها أغرقت أو عطّلت 206 ناقلات وعبارات روسية تنقل النفط والمعدات الحربية إلى القرم عبر البحر الأسود وبحر آزوف. وقال قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية إنه لم يعد أمامه أهداف.
وأجبرت أزمة الطاقة الكرملين على إنفاق مليارات الروبلات لدعم شبه الجزيرة، بما في ذلك وضع سقف لسعر البنزين عند 100 روبل (1.20 دولار) في الأسبوع الماضي.
وفي هذه الأثناء، واصلت الضربات الأوكرانية، حيث دمّرت مستودعاً للمنتجات النفطية سعته 60 ألف طن في تامان على الجانب الروسي من مضيق كيرتش، وكان يستخدم لإمداد القرم، ما تسبب في حريق كارثي يوم 31 يوليو/تموز. وتابعت أوكرانيا بضرب حظائر طائرات في ييفباتوريا، ورصيفاً لليخوت في تشورنومورسكي، وقاعدة إمداد للواء مدفعية، كلها في القرم.
الرد الروسي
القنابل الانزلاقية الروسية ذخائر قصور ذاتية مزودة بزعانف تمنحها مدى أكبر ودقة أعلى، بحيث يمكن إسقاطها من مسافات آمنة تتراوح بين 20 و30 كيلومتراً من خطوط الجبهة. بعضها يحمل ثلاثة أطنان من المتفجرات. تطير بسرعة كبيرة لا تسمح للمسيرات باعتراضها، ولا يمكن التشويش عليها وتشتيت مسارها.
وبالإضافة إلى القنابل الانزلاقية، أطلقت روسيا أكبر عدد شهري من الصواريخ على المدن الأوكرانية، حيث بلغ 376 صاروخاً في يوليو/تموز، مقارنة بالرقم القياسي السابق البالغ 288 في مارس/آذار. من بين هذه الصواريخ، كان 120 صاروخًا باليستيًا، وقد أدى هذا الكثافة إلى استنزاف مخزون أوكرانيا من صواريخ باتريوت الاعتراضية، وهي الصواريخ الوحيدة التي أثبتت فاعليتها ضد هذا النوع من التهديدات.
وخلال الأسبوع الماضي، لم تتمكن أوكرانيا من إيقاف سوى صاروخ واحد فقط من أصل 51 صاروخًا باليستيًا من طراز إسكندر-M. وقد انعكس هذا الاختراق الروسي مباشرة على الإصابات والقتلى المدنيين، حيث سقط ما لا يقل عن تسعة قتلى في الأول من أغسطس، وسبعة عشر قتيلًا في الخامس من أغسطس في كييف وحدها.
وتشير التقديرات إلى أن روسيا تنتج نحو 70 صاروخًا من طراز إسكندر-M شهريًا، لكن يبدو أن الصواريخ الباليستية الكورية الشمالية بدأت تلعب دورًا في المعركة. وقال زيلينسكي إن صاروخًا أُطلق على بلدة رادوشن في أوكرانيا الشهر الماضي كان من الصنع الكوري، وهي المرة الثانية فقط التي يُستخدم فيها مثل هذا الصاروخ في الحرب.
وناشد زيلينسكي الدول أن ترسل جزءًا من مخزوناتها من صواريخ باتريوت الاعتراضية، التي تُقدَّر بنحو 4000 إلى 5000 صاروخ. وقال: “الولايات المتحدة تعرف ما نحتاجه، وأوروبا تعرف ما نحتاجه. الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية يجب أن تحمي الناس، لا أن تبقى جالسة في المخازن.”
وتظهر هشاشة الوضع الأوكراني بوضوح في الأرقام التي نشرها سلاح الجو الأوكراني: فقد اعترضت أوكرانيا 4,626 صاروخًا من أنواع مختلفة منذ بداية الحرب، لكن من بينها 437 صاروخًا باليستيًا فقط.