زيارة إلى الأرجنتين: ما مدى أهمية هذه الرحلة في جهود إسرائيل تجاه أمريكا اللاتينية؟

أطلقت اسرائيل والأرجنتين رحلات مباشرة اعتبارًا من نوفمبر، في خطوة تجري في ظل دفْعٍ متسارع لتوطيد العلاقات بين رئيس الأرجنتين اليميني المتطرف خافيير ميلي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

الرحلة التي تُسيّر مرتين أسبوعيًا جاءت في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى ترسيخ حضورها الجيوبوليتيكي في أمريكا اللاتينية، في ظل عزلة دولية متنامية وصورة متجذرة بوصفها قوة محتلة.

الحجز على أولى رحلات الناقلة الوطنية «إل عال» فُتح في 7 مايو، وقد رُفِعَتْ لتشمل خطًا مباشراً بين تل أبيب وبوينس آيرس بطول نحو 12 ألف كيلومتر — أطول مسار في تاريخ شركة الطيران. ورغم ذلك، يبدو أن دافع هذه الرحلة سياسي أكثر منه اقتصاديًا، فالرحلة تستغرق نحو 16.5 ساعة ويقف وراءها طموحات استراتيجية واضحة.

في احتفال أقيم الشهر الماضي في القدس الشرقية المحتلة، حيّا نتنياهو زيارة ميلي واعتبر إقلاع «أول رحلة مباشرة» بين البلدين علامةً على شراكة متنامية. وبرز في الفعالية السفير الأمريكي مايك هوكابي الذي مزح بأنه سيشتري تذكرة المقعد الأول ووصف القائدين بأنهما «أكبر أصدقاء للرئيس دونالد ترامب».

الخط الجوي يهدف إلى ترجمة إطار يُعرَف بـ«اتفاقيات إسحاق» — إطارٌ لاتيني مستلهم من «اتفاقيات إبراهيم» — إلى واقع عملي. وقد طبّعت دول مثل المغرب والسودان علاقاتها مع إسرائيل في إطار اتفاقيات إبراهيم التي أُبرمت خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب.

وراء الكواليس، دفع الحاخام أكسل واهنيش، سفير الأرجنتين لدى إسرائيل، بهذا الإطار الذي يسعى إلى إرساء تعاون استراتيجي في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب والذكاء الاصطناعي مع دول لاتينية مثل الإكوادور وكوستاريكا وباراغواي.

تجارة التكنولوجيا مقابل الشرعية

إسرائيل تدرك أن وضعها كقوة محتلة، ومع تفاقم الحرب في غزة التي يُوصف كثيرون بأنها إبادة جماعية، قد أضرّ بصورة الدولة على الساحة الدولية. لذلك تسعى للفوز باعترافات وتجاوز مقاطعات دولية، خصوصًا من أوروبا الناقدة، عبر تسويق تقنياتها العسكرية ومجالات المراقبة المتقدِّمة.

يقرأ  هل يمكن للقاحات مِرْنَا المضادة لكوفيد-19 أن تقاتل السرطان أيضاً؟ — أخبار الأدوية

قال ايهاب جبارين، محلّل شؤون إسرائيل، لقناة الجزيرة إن استراتيجية تل أبيب تغيّرت: «الصورة الأخلاقية لإسرائيل تآكلت بالكامل. المنطق الآن: قد لا تُحبّنا، لكنك بحاجة إلينا». وإسرائيل تعرض خبراتها في الأمن السيبراني وأنظمة الذكاء الاصطناعي مثل “لافندر”، وإدارة الحدود والطائرات المسيّرة — تقنيات اختُبرت على أجساد وأراضي الفلسطينيين — على دول تواجه صراعات داخلية وجريمة منظمة.

وأضاف جبارين أن إسرائيل توظف البُنى التحتية — موانئ، كابلات تحت بحرية، أو الطيران المدني — كأدوات للأمن الوطني والنفوذ. «هذه الرحلة ليست لنقل ركاب فحسب؛ إنها ممر دائم لرجال الأعمال في مجالات الأمن والتقنية»، كما قال.

نفس الاستراتيجية تُطبّق في أفريقيا حيث بنت إسرائيل علاقات وثيقة مع إثيوبيا وكينيا وتشاد، وفي ديسمبر الماضي صارت أول دولة تعترف بصوماليلاند، الإقليم المنشق عن الصومال. كما استعانت بدول جزر صغيرة في المحيط الهادئ لضمان أصوات مواتية في الأمم المتحدة وكسر عزلتها الدولية.

«إسرائيل تحاول خلق شبكة مصالح عالمية تجبر الدول على الموازنة بين علاقتها بإسرائيل وموقفها من القضية الفلسطينية»، أضاف جبارين. «تسعى لأن تجعل العالم غير قادر على العيش من دونها».

الكيمياء بين ميلي ونتنياهو

الدافع الرئيس لهذا التقارب في أمريكا اللاتينية هو الرابطة الأيديولوجية بين نتنياهو وميلي. بينما قاطعت أو شجبت قيادات يسارية في المنطقة، مثل الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، سياسات إسرائيل في غزة، تبنّى ميلي الرواية الإسرائيلية بلا تحفظ.

بالنسبة إلى ميلي، الذي أعلن في مارس أنه «أكثر الرؤساء صهيونية في العالم»، توفر هذه الشراكة موطئ قدم سريع في الشرق الأوسط وروابط أقرب بمجموعات الضغط في واشنطن وموقفًا مضادًا لليسار التقليدي في أمريكا اللاتينية. أما لنتنياهو، فميلي يمثل دعماً عاطفياً ورمزياً لا تزال إسرائيل تفتقده في أوروبا.

يقرأ  إطلاق نار يستهدف عناصر الحرس الوطني في واشنطن العاصمة: ماذا حدث ومن المشتبه به؟أخبار دونالد ترامب

«نتنياهو يعي قيمة الحليف الرمزي»، قال جبارين. «يحتاج إلى زعماء يمكن تسويقهم كدليل على أن إسرائيل ما تزال قادرة على عقد تحالفات أيديولوجية، وليس فقط تحالفات براغماتية. الأرجنتين تحت حكم ميلي أصبحت أهم “جزيرة نفوذ” لإسرائيل».

ملاذٌ آمن من ملاحقات جرائم الحرب

للخط الجوي أيضاً وظيفة أمنية عملية: مع تصاعد التحديات القانونية ومذكرات التوقيف التي تستهدف جنودًا ومسؤولين إسرائيليين في أوروبا بتهم تتعلق بجرائم حرب في غزة، يوفر مسار تل أبيب ـ بوينس آيرس طريقًا تحايليًا حاسمًا.

أعلن وزير المالية اليميني المتطرف بزاليل سموتريتش أنه أُبلغ بأن المحكمة الجنائية الدولية طلبت مذكرة توقيف بحقه، كما أن نتنياهو مطلوب من المحكمة نفسها بشأن تهم جرائم حرب. حاليًا يعتمد المسافرون بين البلدين على رحلات عبور تستغرق بين 21 و33 ساعة عبر مراكز أوروبية مثل مدريد أو باريس.

يرى محللون مثل دييغو روسارين من البرازيل أن المشروع يهدف إلى تأمين تنقّل خالٍ من المتاعب للإسرائيليين، خصوصًا العسكريين، وحمايتهم من استجوابات أمنية أو مخاطر توقيف في أوروبا. وجبارين أكّد أن الخوف من الملاحقة القانونية في أوروبا يشكّل هاجسًا حقيقيًا داخل المؤسسة الإسرائيلية: «الرحلة المباشرة تتجاوز أي مضايقات قانونية محتملة في أوروبا»، كما قال. «أصبحت أمريكا اللاتينية تُحتسب الآن في حسابات إسرائيل كمجال سياسي أكثر مرونة مقارنة بأوروبا التي تُعطي أولوية للحقوق».

مخاطر اقتصادية واحتجاجات محلية

رغم قيمتها الاستراتيجية، تواجه الرحلة عراقيل لوجستية واقتصادية جدية. فالطائرات الإسرائيلية محرومة من عبور أجواء عدد من الدول الأفريقية، بما في ذلك ليبيا، ما يضطرها إلى التحوّل عبر مسار أطول فوق البحر المتوسط والأطلسي بتكلفة مرتفعة.

ولتخفيف المخاطر الاقتصادية لمسار الرحلة الطويل، منحت الحكومة الإسرائيلية دعمًا استثنائيًا لشركة «إل عال» بقيمة 20 مليون شيكل (نحو 5.4 مليون دولار) موزعًا على ثلاث سنوات.

يقرأ  ترامب يوقّع أمراً تنفيذياً يصنّف الفنتانيل كسلاح دمار شامل — أخبار دونالد ترامب

يعتمد نجاح الخطّ أيضاً على الجالية اليهودية في الأرجنتين — الأكبر في أمريكا اللاتينية ويُقدَّر عددها بنحو 300 ألف نسمة. ووفق بيانات «سابر»، سافر نحو 55.3 ألف شخص بين البلدين في 2025، بزيادة 37% عن 2024 لكنها لا تزال دون مستوى 71.2 ألفًا المسجّل عام 2019.

وقد أثار المشروع انتقادات داخل البلدين. في إسرائيل، حذّر وزير النقل من أن سحب طائرات بوينغ 787 دريملاينر من خطوط أمريكية مربحة لخدمة بوينس آيرس قد يرفع أسعار التذاكر للمتعلمين إلى أميركا الشمالية. وفي الأرجنتين، اتهمت النائبة اليسارية مريام بريغمان حكومة ميلي بأنها تُجرّ البلاد إلى «حرب إمبريالية» من دون موافقة البرلمان، محذّرةً من تعدٍّ دستوري.

كما أدّت تدفّقات السياح الإسرائيليين، كثيرون منهم من العسكريين المفرج عنهم حديثًا، إلى توتر في جنوب الأرجنتين. اتهم السكان المحليون وناشطون سياحًا إسرائيليين بالتسبب في حرائق مدمّرة في محميات باتاغونيا بسبب الإهمال؛ وكان آخرها حريق ضخم في يناير 2026 دمر 77 ألف هكتار وأسفر عن توقيف سائح إسرائيلي.

وبالنسبة لإسرائيليين، يحمل خط «إل عال» إلى بوينس آيرس رمزية تاريخية عميقة: ففي مايو 1960 استخدمت الموساد رحلة رسمية لشركة «إل عال» لتهريب النازي السابق أدولف آيخمان من الأرجنتين إلى إسرائيل لمحاكمته وإعدامه.

أضف تعليق