نشرت مجموعة “إيدج” الإماراتية المملوكة للدولة صوراً تظهر قنابلها الموجهة بدقة من عائلة “ثندر” (نسخة P-32) مركّبة على مقاتلة “ميراج 2000” تابعة لدولة الإمارات، إلى جانب حاوية استخبارات ومراقبة واستطلاع. وهذا المزيج يحوّل طائرة صمّمت قبل عقود إلى منصة قادرة على ضرب أهداف عميقة خلف خطوط العدو بدقة عالية.
“ميراج 2000” مقاتلة فرنسية متعددة المهام دخلت الخدمة في أوائل الثمانينات. وتشغّل دولة الإمارات نسخة مطوّرة منها تُعرف باسم “ميراج 2000-9″، وهي من بين المشغّلين القلائل في العالم الذين دمجوا هذه العائلة من القنابل الموجهة مباشرة في إلكترونيات الطيران للطائرة، بدلاً من الاعتماد على طريقة تعليق أبسط وأقل مرونة.
“ثندر” عائلة من مجموعات التوجيه تنتجها شركة “هالكون”، التابعة لقطاع الصواريخ والأسلحة في “إيدج”. صُممت لتحويل القنابل العادية غير الموجهة إلى قنابل موجهة بدقة، بكلفة أقل بكثير من صنع قنبلة ذكية جديدة كلياً من الصفر. تُركّب هذه المجموعات على قنابل “MK-81″ و”MK-82” القياسية في الناتو، وهي ذخائر استخدمتها القوات الجوية الغربية والحليفة لعقود. في جوهرها، تضيف القنبلة نظام توجيه وتحكم حديثاً إلى جسم قنبلة تقليدي.
تعتمد “ثندر” على توجيه بالقصور الذاتي معزز ببيانات الملاحة عبر الأقمار الصناعية، وهو مزيج تسميه الشركة “جاينز”. ويتيح هذا النظام للقنبلة الطيران إلى إحداثيات مبرمجة مسبقاً، حتى من دون وجود ليزر أو كاميرا تتعقب الهدف مباشرة. وعند إضافة باحث ليزري شبه نشط، تزداد الدقة بشكل كبير، إذ تستطيع القنبلة التوجه نحو هدف يُضاء بواسطة مؤشر ليزري، سواء من الطائرة المطلقة أو من طائرة أخرى أو من قوات برية تحدده مباشرة.
الفرق في الدقة بين الوضعين كبير. فعند استخدام نظام “جاينز” وحده، يبلغ الخطأ الدائري المحتمل للقنبلة 10 أمتار، وهو مقياس يصف نصف القطر الذي يُتوقع أن يسقط ضمنه نصف القنابل المطلقة حول الهدف المقصود. أما مع الباحث الليزري شبه النشط، فينخفض هذا الخطأ إلى 3 أمتار فقط، وهو مستوى دقة بالغ الأهمية عند ضرب أهداف قريبة من البنى المدنية، أو عندما تتطلب المهمة إصابة نقطة محددة في مبنى كبير بدلاً من الاكتفاء بإصابة المنطقة العامة.
تأتي “ثندر” في نسختين رئيسيتين مبنيتين حول جسمين مختلفين من القنابل. النسخة “P-31” مبنية على قنبلة “MK-81” الأصغر، ويبلغ وزنها الإجمالي 140 كيلوغراماً، ورأسها الحربي 110 كيلوغرامات، ومداها يصل إلى 27 كيلومتراً عند الإطلاق. أما النسخة الأكبر “P-32” فمبنية على قنبلة “MK-82″، ويبلغ وزنها الإجمالي 240 كيلوغراماً، ورأسها الحربي الأثقل 209 كيلوغرامات، ومداها أقصر قليلاً عند 24 كيلومتراً. صُممت النسختان لتُطلقا من ارتفاع يصل إلى 40,000 قدم، أي نحو 12,192 متراً، ما يتيح للطائرة إطلاق القنبلة من خارج المدى الفعال لمعظم أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى ونيران الأسلحة الخفيفة التي كانت ستهددها لو حلقت على ارتفاع منخفض في نمط قصف تقليدي.
ما يجعل الصور التي نشرتها “إيدج” بالغة الدلالة هو هذا الترتيب نفسه: قنابل “ثندر” مركّبة إلى جانب حاوية استطلاع مخصصة على الطائرة نفسها. هذا المزيج يتيح لمقاتلة “ميراج 2000” واحدة أن تحدد هدفاً وتضربه في مهمة واحدة، باستخدام أجهزة استشعار حاوية الاستطلاع لتحديد الهدف وتأكيده وربما تعليمه بليزر، فيما تحمل الطائرة القنابل الموجهة اللازمة لإصابته فوراً. وهذا يختلف عن الطريقة التقليدية التي تتطلب طائرة استطلاع منفصلة تحدد الهدف أولاً، ثم ترسل إحداثياته إلى طائرة هجومية تنفذ طلعة لاحقة. وقد أصبحت هذه القدرة المدمجة على الاستطلاع والضرب أكثر أهمية في النزاعات الحديثة، حيث يمكن للأهداف المتحركة، مثل المركبات والمدفعية وأنظمة الدفاع الجوي، أن تتحرك أو تتفرق في الوقت الذي يستغرقه تنسيق هجوم جوي تقليدي متعدد الطائرات.
استثمرت القوات المسلحة الإماراتية بكثافة في بناء هذه القدرة على الضرب الدقيق خلال السنوات الأخيرة. ففي فبراير 2023، وقّعت “هالكون” عقداً بقيمة 2.14 مليار درهم، أي نحو 583 مليون دولار، لتزويد القوات المسلحة بقنابل “ثندر P3 لايت” الموجهة بدقة والمجهزة بباحثات ليزرية شبه نشطة. وجاء ذلك ضمن موجة عقود أوسع أُعلنت خلال معرض “آيدكس” الدفاعي في أبوظبي، شملت أيضاً صفقة منفصلة بقيمة 4.7 مليار درهم، أي نحو 1.3 مليار دولار، لنظام “ديزرت ستينغ” جو-أرض من إنتاج “هالكون”. ووصف سعيد المنصوري، نائب الرئيس الأول لوحدة المفاهيم المتقدمة في “إيدج”، برنامج “ثندر P3 لايت” في ذلك الوقت بأنه يزوّد القوات المسلحة الإماراتية بقدرة ضرب جوي فعالة من حيث التكلفة، مؤكداً أن الاقتصاد في الكلفة كان أولوية تصميم مقصودة وليس تنازلاً عن الأداء.
تعود الجذور التقنية لقنابل “ثندر” إلى الهندسة الدفاعية الجنوب أفريقية، إذ طُوّرت بالشراكة بين “هالكون” وشركة “دينيل ديناميكس”، وهي الشركة الجنوب أفريقية نفسها التي تقف خلف عائلة القنابل الموجهة “الطارق”، التي زوّدت بشكل منفصل أساطيل “ميراج 2000″ و”إف-16” الإماراتية والمصرية. وتعكس هذه الشراكة نمطاً أوسع في المشتريات الدفاعية الخليجية، حيث تتعاون شركات إماراتية بشكل متزايد مع شركات هندسية دفاعية عالمية راسخة لبناء قدرة تصنيع محلية، بدلاً من مجرد استيراد أسلحة جاهزة من موردين غربيين أو روس.