روسيا تخترق أولى “المدن الحصينة” بينما تبدّل أوكرانيا حراسها

أعلنت روسيا هذا الأسبوع أنها تتقدم في مناطق سومي وخاركيف ودونيتسك الأوكرانية، بينما عيّنت أوكرانيا قيادة سياسية جديدة في وزارة الدفاع وقيادة عسكرية جديدة في قواتها المسلحة. وجاءت هذه التغييرات بعد إقالة غير مسبوقة لوزير الدفاع ميخايلو فيدوروف ولقائد القوات المسلحة أولكسندر سيرسكي خلال أسبوع واحد.

الأكثر إثارة للقلق كان ما نقله جنود أوكرانيون من منطقة دونيتسك الشرقية، من أن روسيا كانت تقطع الطريق فعلياً عن كوستيانتينيفكا، أقصى المدن الحصينة الأربع جنوباً، والتي تعهدت روسيا بالاستيلاء عليها في محاولة للسيطرة على ما تبقى من أراضي المنطقة الحرة بحلول نهاية العام. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال مؤخراً إن كوستيانتينيفكا هي المفتاح لتحرير كامل أراضي جمهورية دونيتسك الشعبية.

قال جندي لموقع هرومادسكي الأوكراني: “الأوضاع سيئة جداً في كوستيانتينيفكا. السؤال ليس ما إذا كنا سنخسرها أم لا، فنحن عملياً خسرناها. إذا كان هناك عدد كبير من الروس هناك، فلا يمكن القول حقاً إننا صامدون فيها. إنهم يحشرون رجالنا في الزاوية”. وقال قائد ميداني أوكراني لهرومادسكي إن الروس يتوغلون في قريتي مولوتشاركا وإيجيفكا شمال المدينة، وقد يجد رجاله أنفسهم محاصرين خلال شهر أو شهرين، ما لم تصل تعزيزات أو تتغير تكتيكات الاحتواء.

وقبيل إقالته في 21 يوليو/تموز، كان سيرسكي قد رسم صورة أكثر تفاؤلاً، إذ قال إن هناك نحو 145 متسللاً روسياً في المدينة، يتكبدون خسائر كبيرة بنحو 25 شخصاً يومياً، بينما كانت وحدات المسيّرات الأوكرانية تطاردهم في ملاجئهم داخل المدينة. وشارك قائد مجموعة تُدعى “كورت وشركاه” النظرة الأكثر تفاؤلاً نفسها مع موقع سوسبيلني. وقال القائد الذي يحمل النداء كورت: “هناك قتال عنيف وتبادل لإطلاق النار في أنحاء المدينة كافة. لكننا ما زلنا نسيطر على معظم المدينة، والعدو يتمركز أساساً على الأجنحة. إنهم يحاولون الالتفاف حولنا وقطع الطرق علينا، لكننا صامدون في دفاعنا. نحن نتعرض باستمرار لقنابل الكاب، التي تدمّر مواقعنا. هذا هو الشيء الوحيد الذي ما زال يحقق للروس نجاحاً، وهو مشكلة كبيرة لنا”.

يقرأ  زيلينسكي يعين رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية الأوكرانية كيريلو بودانوف كبير مساعديه

وقنابل الكاب قنابل جوية ضخمة تحمل حمولات تتراوح بين 500 و3000 كيلوغرام، تلقيها روسيا على المواقع الأوكرانية بمعدل يتجاوز 200 قنبلة يومياً، وأحياناً أكثر من 300. وقد وضعت أوكرانيا مراراً معدات الدفاع الجوي في مقدمة مطالبها من الحلفاء.

قبل ثلاثة أسابيع فقط، كان معهد دراسة الحرب، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، يقدّر أن القوات الروسية موجودة في 37% فقط من كوستيانتينيفكا، معظمها على شكل تسللات وليس سيطرة راسخة. غير أن أحدث تقييم له يشير إلى أن التسلل الروسي امتد إلى معظم المدينة.

غير أن القوات الروسية كانت تتباطأ بشكل عام. وقدّر المعهد أنها كانت تستولي على 16.6 كيلومتر مربع يومياً في النصف الأول من عام 2025، لكن المعدل انخفض إلى كيلومتر واحد يومياً في يونيو/حزيران من هذا العام. وفي يوليو/تموز، قدّر المعهد أن روسيا تخسر أراضيها بمعدل 1.6 كيلومتر مربع يومياً.

ويبدو الآن أن روسيا تبذل جهداً لاستعادة زمام الهجوم. وقال قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية روبرت بروفدي إن العدد الفعلي لأفراد العدو المشاركين في العمليات الهجومية على طول خط الجبهة خلال الشهر زاد بنسبة 12% مقارنة بيونيو/حزيران، وبنسبة 18% مقارنة بمايو/أيار، استناداً إلى تحليل مركز استخبارات قوات الأنظمة غير المأهولة. وأضاف أن الخسائر الروسية زادت بنسب مماثلة.

وفي منطقتي خاركيف وسومي الشماليتين، ادعت روسيا أنها دمّرت في 27 يوليو/تموز 10 مراكز تحكم أوكرانية للمسيّرات، وقتلت 70 شخصاً. وبعد ثلاثة أيام، قالت إن قواتها هزمت المدافعين في نوفا سيتش وموغريتسا ومالايا سلوبودكا في سومي، ويورتشينكوفو في خاركيف، بمحاكاة التكتيك الأوكراني القائم على استخدام المسيّرات لتعطيل إمدادات الذخيرة. ووفقاً لتقرير روسي، عثر الجنود الروس على كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة والمعدات العسكرية المهجورة. وزعم مسؤول روسي محلي أن موسكو سيطرت على 13 مستوطنة في خاركيف هذا الشهر. ولم يتسنَّ التحقق من الادعاءات الروسية بشكل مستقل، والتي كانت في الماضي غالباً مبالغاً فيها أو سابقة لأوانها، كما نفت أوكرانيا سقوط نوفا سيتش.

يقرأ  هل قضت مزاعم روسيا حول هجوم أوكراني على منزل بوتين على آمال السلام؟

هجوم خريفي؟

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذا الأسبوع إنه تلقى معلومات استخباراتية تفيد بأن روسيا تستعد لتعبئة موسعة لتعويض خسائر بلغت 225 ألفاً هذا العام، مقابل تجنيد 221 ألف شخص. وأضاف أن ستة من كل عشرة من الخسائر البشرية كانوا قتلى. وقال زيلينسكي لتلفزيون سكاي نيوز إن بوتين يهدف إلى جمع ما بين 300 ألف و500 ألف جندي في مطلع أكتوبر/تشرين الأول، بعد إجراء الانتخابات البرلمانية الروسية في سبتمبر/أيلول. وأضاف: “لن يتمكن من تجهيز هؤلاء الأشخاص بسرعة. وهذا يعني مرة أخرى أنه سيرسل أشخاصاً ضعيفي التدريب إلى ساحة المعركة، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى خسائر فادحة”.

وما قد يكون أكثر إثارة للقلق، وفقاً لزيلينسكي، هو أن روسيا كانت تجهّز ثكنات لـ30 ألف جندي كوري شمالي في فورونيج بجنوب غرب روسيا. وكانت روسيا قد استقبلت 3000 جندي كوري شمالي في عام 2024، واستخدمتهم لاستعادة أراضٍ في كورسك كانت أوكرانيا قد شنت فيها هجوماً مضاداً.

وكان فيدوروف قد أعلن في يونيو/حزيران خطة لجذب مقاتلين أجانب برفع راتب جندي الخطوط الأمامية إلى 7000 دولار شهرياً. وقال لصحيفة أوكراينسكا برافدا هذا الأسبوع: “أعتقد أن 50% من الخطوط الأمامية أو من القوات المهاجمة يمكن أن يكونوا أجانب”. وتقدّر روسيا أن أوكرانيا تضم حالياً نحو 4000 جندي أجنبي في صفوفها. ويُقدَّر قوام القوات المسلحة الأوكرانية بنحو 900 ألف شخص.

ضربات بعيدة المدى

وجّهت أوكرانيا ضربات في حربها الاقتصادية ضد روسيا، مستهدفة مصافٍ ومستودعات نفط. ومن بينها ضربات مؤكدة على منشأة سوبخانكولوفو لتخزين النفط في باشكورتوستان، على بعد 1350 كيلومتراً من أوكرانيا، وست مصافٍ، ومحطة تحميل نفط في روستوف على نهر الدون، ومستودعات وقود وزيوت في إشكي بشبه جزيرة القرم المحتلة وفي أودمورتيا. وقد ضربت أوكرانيا مؤخراً أهدافاً على بعد 2500 كيلومتر، وقال زيلينسكي إنها باتت تملك مدى لا يقل عن 3000 كيلومتر. وتزعم أوكرانيا أنها عطّلت 42% من طاقة التكرير الروسية هذا العام. أظهر تحقيق أجرته صحيفة “فايننشال تايمز” بالاعتماد على صور الأقمار الصناعية أن أوكرانيا عطّلت 45 بالمئة من القدرة الإنتاجية الاسمية و30 بالمئة من القدرة الفعلية، مما سبّب أضراراً استمرت أسابيع أو أشهر. ونتيجة لذلك، تعاني روسيا من أزمة وقود، فمدّدت حظر تصدير الوقود من نهاية أغسطس/آب حتى نهاية يناير/كانون الثاني.

يقرأ  رسم بقيمة 100 دولار على السياح الأجانب لزيارة المتنزهات الوطنية الأمريكية

كما استهدفت أوكرانيا منشآت إنتاج عسكرية، من بينها مصنع “أفيتك” في مدينة كيروف، الذي ينتج مكونات للطيران والصواريخ، بالإضافة إلى رادار من طراز إس-400. وفي 27 يوليو/تموز، أسقطت طائرة مسيّرة ثقيلة من نوع “فوربوست-آر” تُستخدم لحمل القنابل الموجهة “كاب”، وهي سادس طائرة من هذا النوع يُحصل عليها منذ بداية الحرب.

وواصلت قوات بروفدي حرمان شبه جزيرة القرم من الكهرباء والوقود، إذ استهدفت خلال الأسبوع 37 محطة كهربائية وأربع ناقلات نفط، ليرتفع بذلك عدد العقد الكهربائية التي استُهدفت في يوليو/تموز إلى 164، وإجمالي الناقلات التي أصيبت في البحر الأسود وبحر آزوف إلى 205.

وركّزت قوات بروفدي جزءاً كبيراً من نيرانها على مستودعات متجر “وايلدبيريز” الإلكتروني، الذي تشتبه أوكرانيا في أنه يزوّد الجنود المعبأين بالمعدات. وخلال الأسبوع الماضي، استُهدفت مستودعات في فورونيج ولينينغراد وسيمفيروبول وأدمورتيا وبينزا، ليصل إجمالي المستودعات التي اشتعلت فيها النيران إلى 12، وقدّرت الأضرار بنحو 2.2 مليار دولار.

وفي المقابل، تقول روسيا إنها أصابت أهدافاً عسكرية في هجمات ضخمة بالمسيّرات والصواريخ على أوكرانيا، لكن كثيراً من الإصابات كانت في مواقع مدنية. ففي 26 يوليو/تموز، قُتل شخص عندما استُهدف سوبرماركت في تشيرنيهيف شمالي أوكرانيا، وفي 30 يوليو/تموز، قُضيت عائلة فورونوف بالكامل في رادوشني وسط أوكرانيا بعدما دُمّر منزلها. وفي تلك الليلة، لجأ عدد قياسي بلغ 56 ألف شخص إلى مترو كييف للاحتماء.

أضف تعليق