في المهجر وعلى خلاف: كيف شقّت الحرب صفوف الإيرانيين في الشتات

غادر بيوند خورسندي إيران وعمره أربع سنوات فقط، حين انتقل مع عائلته إلى المملكة المتحدة عام 1976، أي قبل ثلاث سنوات من قيام الثورة الإسلامية. كان والده هادي، الشاعر والكاتب الساخر المعروف، هدفاً لمحاولة اغتيال فاشلة يُقال إن الحكومة الإيرانية دبّرتها عام 1984. وأُحبطت المحاولة بفضل شرطة لندن بعد تلقيها معلومات من مسؤول إيراني كبير، سرعان ما اختار النفي الاختياري بعد ذلك.

ورغم هذا التاريخ، يعارض خورسندي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ويقول إنها منحت الحكومة فرصة جديدة للحياة، وألحقت ضرراً كبيراً بالإيرانيين الداعين للديمقراطية. وقال للجزيرة: “الأمر مخيّب للآمال ومحبط”. خورسندي واحد من كثيرين في الشتات الإيراني يجدون أنفسهم في موقف متناقض، إذ يعارضون الحكومة ويعارضون الحرب عليها في الوقت نفسه.

هذا الصراع، الذي بدأ قبل ستة أشهر في 28 فبراير/شباط عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات مشتركة على إيران، قلب الاقتصاد العالمي رأساً على عقب، وتسبب في ارتفاع جنوني لأسعار الطاقة، وأودى بحياة آلاف المدنيين، معظمهم في إيران ولبنان. المنطقة عالقة عند مفترق طرق من عدم اليقين، وقد قسمت الحرب الشتات الإيراني؛ فبعض الإيرانيين في الدول الغربية يؤيدون الضربات على وطنهم الأصلي، وآخرون يعارضونها.

داعمو الضربات يلتفون غالباً حول رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع. فالشاه محمد رضا بهلوي أُطيح به عام 1979 بعد عقود من الحكم. أما آخرون مثل خورسندي فيرفضون سياسات بهلوي. وقال خورسندي للجزيرة: “ما يمثله أنصار بهلوي خطير. أعتقد أنه (بهلوي) خادم طوعي للحكومة الإسرائيلية. هذه حرب عنصرية مثل حرب العراق. أرواح الناس في الجنوب العالمي رخيصة. نحن بالنسبة لهم (الولايات المتحدة وإسرائيل) مثل الفلسطينيين تماماً. إنها حرب تُخاض من أجل حساسيات استعمارية. بعض الإيرانيين في الشتات ارتكبوا خطأ اعتقادهم أن الغرب يراهم كشركاء متساوين”.

يقرأ  ترامب يشيد باتفاق مكة: هل يغني عن المظلة الأمنية الأمريكية في المنطقة؟

بدأت الحجة الإنسانية للحرب تنهار سريعاً. فقبل اندلاع الصراع، كانت الاستخبارات الأميركية قد خلصت إلى أن طهران لا تسعى لتسليح برنامجها النووي. ومع ذلك، حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تبرير الحرب منذ البداية بدعوى حقوق الإنسان، وقالا إنهما يريدان مساعدة الإيرانيين العاديين. لكن هذه الحجة انهارت بعد ساعات قليلة من بدء الحرب، حين قُصفت مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران. قُتل في الهجوم 170 شخصاً على الأقل، معظمهم أطفال. وتشير الأدلة التي فحصتها وسائل إعلام ومنظمات حقوقية بشكل كبير إلى أن المدرسة استُهدفت بغارة جوية أميركية. لم يندد بهلوي بالهجوم، بل ألقى اللوم على طهران، متّهماً الحكومة باستخدام الضحايا “دروعاً بشرية”. وقال خورسندي: “هذا خلق الكثير من الانقسام”.

ما يزال نتنياهو موضوع مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بسبب حربه على غزة، التي خلص تحقيق مستقل للأمم المتحدة إلى أنها ترقى إلى إبادة جماعية. في المقابل، يبقى سجل إيران الحقوقي سيئاً للغاية. فقد اتهمت منظمة العفو الدولية طهران باستغلال الحرب لتنفيذ “قمع منهجي”، وقالت إن آلاف الأشخاص، بينهم نشطاء ومحتجون وصحفيون ومحامون، اعتُقلوا تعسفاً، وإن اعترافات منتزعة بالقوة استُخدمت في “محاكمات صورية غير عادلة”.

ذكّر التدخل الأميركي الأخير في إيران الكثيرين بإرث محمد مصدق، رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً الذي أُطيح به في انقلاب دبّرته وكالتا المخابرات الأميركية CIA والبريطانية MI6 عام 1953. تآمرت الوكالتان لإزاحة مصدق بعد أن أمّم احتياطيات إيران النفطية الهائلة، التي كانت تسيطر عليها شركة النفط الأنجلو-إيرانية، المعروفة الآن باسم “بريتيش بتروليم” (BP). واعترفت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت عام 2000 بأن الولايات المتحدة لعبت “دوراً مهماً” في الانقلاب، ووصفته بأنه “انتكاسة للتطور السياسي الإيراني”.

يقرأ  موجة احتجاجات متصاعدة في إيران — صحيفة نيويورك تايمز

ووفقاً لمعهد روزفلت للدراسات الأميركية في هولندا، فإن إطاحة مصدق ساعدت في تشكيل “البيئة التي تمكنت الثورة الإيرانية عام 1979 من الانطلاق فيها”. ومنذ ذلك الحين، تعرّضت إيران لعقوبات قاسية، وتحولت من حليف رئيسي للولايات المتحدة إلى عدو لدود. وكان تأثير ذلك على الاقتصاد كارثياً، إذ يتحمل الإيرانيون العاديون معظم التكلفة. وقد ترك العزل الدولي الكثيرين داخل إيران وخارجها محبطين، بينما زاد قمع الحكومة من السخط والرغبة في التغيير.

قالت روكسان فارمنفرمايان، التي تدرّس العلاقات الدولية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جامعة كامبريدج، للجزيرة: “كان هناك من داخل إيران من اعتقد أن ترامب سيقدّم مساعدة حقيقية. وكانت هناك طموحات وآمال مماثلة لدى من دعم الحرب في الشتات. وأعتقد أنهم في كثير من الحالات خاب أملهم”. وأضافت: “أعتقد أن هناك القليل جداً من التوقعات في هذه المرحلة بأنه إذا تغيرت الحكومة في إيران، فإن الشتات سيتوافق في ما بينه عبر مجموعاته المختلفة”.

ناز رادبوي والداها إيرانيان، لكنها ولدت في الولايات المتحدة وتقسم وقتها بينها وبين المملكة المتحدة. ورغم أنها لم تكبر في إيران، إلا أنها تحتفظ بعلاقات عميقة مع البلاد. بالنسبة لها، الحرب شكل من أشكال الإمبريالية الأميركية ضد حكومة ترفض الانحناء لواشنطن. رادبوي تدعم قادة إيران وتقول إنها دفعت ثمناً باهظاً لذلك. وقالت للجزيرة: “إيران تواجه الإمبراطورية، وأنا أقف مع إيران ومع المؤسسات التي تدافع عنها. إيران لا تعيش في فراغ. إنها موجودة داخل نظام دولي تهيمن عليه إمبراطورية أحاطت المنطقة بقواعد عسكرية، وفرضت عقوبات مدمرة، ونفذت عمليات تغيير أنظمة في كل أنحاء الجنوب العالمي، وأكدت مراراً حقها في تحديد أي الحكومات شرعية. لذلك حين تبني إيران قدرتها على مقاومة هذا النظام، فإنني أفهم لماذا”.

يقرأ  مئات النساء حاملات المكانس يشاركن في الاحتجاجات بينما يسافر برابوو إلى الصين

ما تزال الحرب في حالة جمود. على الرغم من القوة العسكرية الأميركية الهائلة، ما زالت إيران تسيطر على حركة المرور في مضيق هرمز، الذي تحوّل إلى أهم أوراق ضغطها في المفاوضات مع واشنطن.

وإلى جانب ذلك، تواصل إيران فرض تكاليف اقتصادية ضخمة على المنطقة وعلى الاقتصاد العالمي. ولهذا السبب، يحرص قادة الخليج على إبرام اتفاق يمنع المزيد من التصعيد ويعيد فتح مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة نحو 20 بالمئة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

لكن بالنسبة إلى “رادبوي”، فالأمر لا يقتصر على إنهاء الحرب، بل يشمل أيضاً تلك الدعوات إلى تدمير إيران التي يطلقها بعض الإيرانيين أنفسهم.

تقول: “رأيت أشخاصاً استهلكهم الكراهية تجاه الجمهورية الإسلامية لدرجة أنهم يبدون مستعدين للتضحية بإيران نفسها. في نظرهم، يمكن أن يموت المدنيون، وينهار الاقتصاد، وتُدمَّر البنية التحتية، طالما أن ذلك سيُضعف الحكومة”.

أضف تعليق