في غزة، فرحة العيد باتت شكلاً من أشكال المقاومة

هذا ثالث عيدٍ للأضحى أمضيّه متفرّقًا عن مسقط رأسي في جباليا، بعيدًا عن البيت، في منطقة وُصفت بأنها «منطقة حمراء» تحت السيطرة الإسرائيلية.

خلال الحرب تلاشت مزارع الماشية—بقرٍ وغنمٍ ومعز—إلى حدٍّ كبير، وبقيت أسراب قليلة جدًّا من الأغنام. وبفعل الحصار، مُنع إدخال المواشي إلى قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، فارتفعت الأسعار بما يقارب عشرة أضعاف، حتى بلغ ثمن الشاة الواحدة حوالي 6000 دولار. هذا الارتفاع الحاد حرم كثيرًا من العائلات فرحة العيد ومن أداء النسك الديني الذي يمثل جزءًا أساسيًا من تقاليدنا.

لم يقتصر أثر الحصار على الماشية وحدها، بل شمل أيضًا السلع المصاحبة للعيد مثل الشوكولاتة والمكسرات. فقد وصل سعر كيلو الشوكولاتة إلى نحو 30 دولارًا، أي ما يقارب أربعة أضعاف سعره قبل الحرب، مما خفّض كثيرًا من بهجة الاحتفال لدى الأسر.

وبالرغم من الحصار والدمار والحزن الطاغي الذي يكتسح مئات الآلاف من العائلات في غزة، يتمسّك الناس بالحياة ويحاولون أن يصنعوا الفرح من أبسط الأشياء.

في ليلة العيد وقفت عند نافذة البيت الذي استأجرناه في منطقة الرمال، مطلة على محل آيس كريم «كاظم» الشهير، والشارع مضاء ومكتظ بالمارة وبأكشاك تبيع الشوكولاتة والفاكهة والبسكويت. لبثت دقيقةً أتأمل المشهد قبل أن أهبط مع أهلي لأشتري آيس كريم وأشاركهم الفرحة؛ لم أفرح بليلة عيدٍ في السنوات الثلاث الماضية بسبب الحرب.

نزلت مع والدتي وأختي زينة، وتركت أختي الصغيرة تولين نائمةً وهي تمسك ثياب العيد بين ذراعيها. تحرّكنا بين الزحام، والشارع كان لا يطاق—فالرمال من أكثر المناطق كثافةً سكانيةً في غزة، وخاصّة ليالي العيد حين يوشك السير أن يصبح مستحيلًا لكثرة الناس والأكشاك.

صوت الطائرات كان عاليًا جدًا، والطيران كثيف. تمنّيت في نفسي أن تُحفظ المدنيون هذه المرّة، رغم أن الخوف من مذبحة أخرى بات مألوفًا ومؤلمًا.

يقرأ  محكمة هولندية ترفض وقف صادرات الأسلحة لإسرائيل على خلفية حرب غزة

ابتسمتي تقطعت فجأة بصوت صواريخٍ سقطت في الشارع الذي أقف فيه. عند الانفجار الأول وضعت يدي على رأسي واحتضنتني أمي. سمعنا حوالي أربع صواريخ في المجموع.

خيم الرعب علينا؛ صُدمت لرؤية المتسوقين يركضون حاملين حقائبهم، ورأيت أمًا تحتضن طفلها وتصيح أن المبنى الذي استهدف يحتوي على زوجها وأولادها. امتلأ المكان بالزجاج والركام والغبار والدخان.

سقط الآيس كريم من يدي بينما أمسك هاتفي أحاول التأكد من إخوتي الذين كانوا أيضًا في الرمال للتسوق. كانت هواتفهم مطفأة. ركضت إلى البيت وأنا أتصل بهم مرارًا ومضطربة من الخوف. عندما وصلت تلقّيت اتصالًا من أخي عدي يخبرني أنه بخير، وأن الضربات سقطت على بعد أمتار قليلة منه ومن أخي زياد.

تنفّست الصعداء ووقفت من جديد عند النافذة أراقب الرمال؛ كان منظرًا غريبًا وقويًا: متسوقون—خاصة النساء والأطفال—يركضون عائدين إلى بيوتهم، وآخرون يكملون تسوّقهم كأنهم يوجّهون رسالة مفادها أننا لا ننكسر ولا تُسلبنا بهجتنا.

بعد دقائق قليلة حدثت جولة ثانية من الانفجارات على مسافة قصيرة من الأولى، فهرع الناس مرّة أخرى من السوق يصرخون والهلع يعلو وجوههم، وبعضهم يبكي بكاءً شديدًا.

بحسب مصادر نقلتها قناة الجزيرة، سقط في هجمات على حي الرمال ستة قتلى و20 جريحًا.

بعد أن تأكّدنا من توقف القصف عدت إلى النافذة لأراقب حركة المتسوقين وأقتنص لحظات فرحٍ بسيطة. وبعد دقائق من الخوف والذعر عادت الناس إلى التسوّق، وبقيت المحلات والأكشاك مفتوحة حتى الرابعة صباحًا. وعلى الرغم من الحصار وغلاء الأسعار، ظلّت الشوارع ممتلئة—كثيرون لا يملكون ثمن ما يشترون، لكنهم جاءوا ليتنفّسوا جوّ العيد ويتمسّكوا بشظايا الفرح.

نحن حقيقةً أقوامٌ نحبّ الحياة.

في صباح العيد، كما تفعل معظم العائلات في غزة، وضعنا الحلويات والمكسرات على المائدة وتبادلنا التهاني متمنين أن تنتهي معاناتنا وحماية لغزة. وبعدها أكلنا كدبة مجمدة على الإفطار.

يقرأ  بورشه الألمانية الفاخرة تسجل هبوطاً حاداً في مبيعاتها بالصين بنسبة 26٪

عندما سألنا والدي ماذا نريد أن نأكل صباح العيد قلت إننا نريد الكبدة. منذ الطفولة اعتدنا على ذبح الأضحية وتأخير الفطور حتى بعد النسك وأكل الكبدة كأول وجبة في اليوم؛ أردت أن أعيد تلك الذكرى وأشعر بروح العيد من جديد.

قرابة الساعة الواحدة بعد صلاة العيد سمعنا الهتافات: «لا إله إلا الله، والشهيد محبوب عند الله». تبادلنا النظرات، وسألت أختي الصغرى: «من استشهد يا أبي؟» فقال إنهم جنازات شهداء الليلة الماضية من الرمال.

كانوا يستعدّون للعيد فخطف الاحتلال فرحتهم وحياتهم، فتحوّل العيد من يوم فرحٍ وزيارات إلى يوم حداد.

ونقلت «ميدل إيست آي» عن أن 15 شخصًا دُفنوا يوم أول العيد بعد أن قُتلوا في هجمات ليلة العيد في أنحاء قطاع غزة، بينهم القائد محمد عوض وزوجته وثلاثة من أولادهم.

لا نحتفل لأننا بأحسن حال—بل نحتفل لأننا ما زلنا على قيد الحياة. ونرى في احتفالنا نفسه شكلًا من أشكال المقاومة.

الآراء في هذا النص تعبّر عن رأي الكاتب فقط ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.

أضف تعليق