كرة قدم على ركام الأنقاض — أيتام غزة يجدون ملاذهم في الملعب

محمد إياد عزام (16 عاماً) يقول إنه كان طفلاً مدللاً قبل أن يقتل قصف جوي إسرائيلي عائلته المباشرة في غزة، فبات وحده المعيل لجدته المسنه بعد أن سلبته الحرب أسرةه وكل أمانه الطفولي.

في صباح 11 أكتوبر 2024 كان محمد في بيت العائلة مع والديه وإخوته في مخيم جباليا شمال غزة، حين ضربت طائرة إسرائيلية دون إنذار المبنى متعدد الطوابق فانهار فوقهم. “كنت جالساً بأمان مع والديّ وأخيَّ الأكبرين… دُفنت تحت الركام نحو عشر دقائق”، قال محمد للجزيرة. جدته هي التي حفرت طريقه خارج الأنقاض، واستيقظ بعدها في منزل جار متصلاً بجهاز تنفس اصطناعي. “نجوت بمعجزة”، يضيف.

بسبب القصف المتواصل لم يستطع محمد أن يودّع والديه وإخوته في مقبرة، فدفنهم مؤقتاً في قطعة أرض صغيرة مؤقتة. بين ليلة وضحاها انقلبت طفولته إلى نضوج قسري، وهو الآن يعيش بين آلاف النازحين في مخيم الشاطئ، يقضي أيامه بإشعال النيران وحمل أوعية الماء الثقيلة لجدته المُسنَّة.

حياته تقلبت من سعادة إلى حزن، “كنت مدللاً، والآن أنا المسؤول عن كل شيء”.

ملاذ نفسي

قبل الحرب كان محمد لاعباً واعداً في نادي خدمات جباليا، لكن الحرب الإسرائيلية على غزة دمّرت عمل الأندية والملاعب، وقُتل كثير من زملائه. ومع ذلك نظم اتحاد الكرة الفلسطيني مؤخراً بطولة للاعبين المولودين عام 2009 على أحد آخر البقاع الصالحة لإقامة مباراة.

ربط الحذاء والدخول إلى أرض الملعب باتا من أقل الوسائل المتاحة التي تبعده عن يأس الفقدان؛ ومع ذلك تعيد الملاعب إليه ذكريات ما فقده قبل الحرب. “تُزيل الملل وتفرغ الطاقات السلبية”، يقول محمد. “معظم زملائي لديهم إخوة وآباء يشجعونهم، أما أنا فلا أحد يهلل لي الآن، أفتقدهم بشدة — كمثل اشتياق البحر لسمكه.”

يقرأ  إيطاليا تحقق في «رحلات القناصة» في سراييفوما طبيعتها ومن شارك فيها؟

انهيار الرياضة الفلسطينية

قلب محمد المكسور يعكس ما يراه مصطفى سيّام، رئيس قسم الإعلام في اتحاد كرة القدم في محافظات الجنوب: تدمير ممنهج للبنى التحتية الرياضية في غزة. “محمد واحد من عشرات الآلاف من المواهب الذين فقدوا عائلاتهم وأنديتهم وأكاديمياتهم وتعليمهم”، يقول سيّام.

الأرقام مروعة: وفق الاتحاد قُتل 1,113 شخصاً مرتبطين بقطاع الرياضة، بينهم أكثر من 560 لاعباً ومدرباً وإدارياً، وتعرضت 265 منشأة رياضية للتدمير أو الضرر خلال العامين ونصف الماضيين، كما تأثرت بشدة جميع أندية غزة الـ56 — من بيت حانون شمالاً إلى رفح جنوباً. نادي خدمات جباليا الذي كان ينتمي إليه محمد دُمّر أيضاً، وحُول ميدان النادي مؤقتاً إلى مركز احتجاز واستجواب خلال اختراق القوات الإسرائيلية لقطاع غزة.

رحلات قاتلة إلى الملاعب

مع تحوّل الملاعب الرئيسية إلى ركام أو مراكز إيواء، ينظم الاتحاد بطولات للشباب الآن على ثلاث ملاعب صغيرة فقط تبقت: استاد فلسطين في مدينة غزة، خدمات النصيرات، واتحاد شباب دير البلح — لكن الوصول إلى هذه الملاعب يشكل مخاطرة حياة للشباب.

“نمشي 3-4 كيلومترات عبر الخيام والركام لنصل إلى الملعب”، يقول محمد. “هذا يُجهدك نفسياً قبل أن تخطو حتى على أرضية اللعب.” سيّام يعترف بخطورة المشهد، لكنه يرى أن ثبات اللاعبين وحبهم لكرة القدم يدفعان الاتحاد إلى إستئناف الأنشطة؛ إذ يصرّون على أن اللعبة باقية رغم الدمار. «ترسل رسالة للعالم تفيد بأن شباب فلسطين قادرون على النهوض من بين الأنقاض.»

معايير مزدوجة
بينما يكافح مجتمع كرة القدم في غزة من أجل البقاء، عبّر مسؤولو الرياضة الفلسطينيون عن استيائهم العميق من المجتمع الدولي، وبشكل خاص من الهيئة الحاكمة للعبة، فيفا، لغياب الدعم والتضامن. سيام أشار إلى ازدواجية واضحة في المعايير: عندما تحرّكت فيفا بسرعة لتعليق مشاركة روسيا وحظر أنديتها بعد غزو موسكو لأوكرانيا في 2022، لم تشهد أي إجراءات مماثلة تجاه إسرائيل. وأضاف أن موقف فيفا تجاه القضية الفلسطينية ضعيف، ولا يتضمن قرارات حازمة.

يقرأ  محفزاتُ الذكاءِ الاصطناعيإعادةُ تعريفِ الإبداعِ في تصميمِ التعلّم

على الرغم من استهداف واغتيال رياضيين بارزين، مثل لاعب المنتخب سليمان عبيد، ومن مشاركة أندية مستوطنة على أراضٍ فلسطينية محتلة، لم تفرض فيفا أي عقوبات على الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم. وبغياب تحرّك من الهيأة الدولية، لجأت الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم إلى السعي وراء العدالة عبر المحافل الرياضية الدولية.

تكريم حلم
بينما ينتظر الاتحاد الفلسطيني هدنة دائمة لإعادة بناء البنية التحتية الرياضية المدمرة في غزة وفتح إسرائيل لمعابر القطاع حتى يتسنى للمواهب المحلية الانضمام إلى منتخبات فلسطين، يتمسّك لاعبو الجيل الجديد بالممارسة كوسيلة لإحياء ذكرى أحبائهم. محمد، مثل غيره، يتمسك بالميدان الترابي لأنه يبقي إرث والده حيًّا في ذاكرته.

«لم أتخيل أن أصل إلى حالة أن أكون وحيدًا تمامًا»، قال محمد بصوت خافت. وذكر أن نزوله إلى الملعب الترابي يبعث الحياة في ذاكرة والده. وأضاف: «حلمي الآن أن أصبح لاعبًا محترفًا مشهورًا، لأن هذا كان حلمي وحلم أمي وأبي، رحمهما الله. والدي هو الذي سجّل اسمي في النادي، وأمي كانت دائمًا تشجعني.»
صورة من لقطة شاشة/الجزيرة

أضف تعليق