تحوّل شارعٌ بأكمله إلى مستوى واحد من الأنقاض. تهدَّمت بيوت ومتاجر، منها مقهى شهير. هذا ما تبقّى من بلدة بنت جبيل على بعد بضعة أميال من الحدود مع اسرائيل، بعد نحو شهرين على استئناف إسرائيل هجومها البري في جنوب لبنان.
القرى في بنت جبيل وجوارها، مع صور جوية ومقاطع طائرة مسيّرة توثّق الوقع، تبدو كأنها تُعاد صناعتها من الرماد؛ نمط التدمير نفسه يتكرر في أنحاء الجنوب اللبناني، تلك المنطقة الخضراء المتعرِّجة التي قامت إسرائيل فيها بتسوية قرى الحدود تمهيدًا لما يبدو أنه تأسيس احتلال أوسع.
قال وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، إن النهج اتُّبع على غرار تكتيكات استُخدمت في غزة، حيث حوّل الجيش الإسرائيلي أحياءً بكاملها ومباني وشوارع إلى أنقاض. وبعد تصاعد القتال بين إسرائيل وحزب الله مطلع مارس، حين هاجم حزب الله إسرائيل تضامنًا مع إيران، أقامت إسرائيل ما تصفه بـ«منطقة عازلة» بامتداد عدة أميال قالت إنها ستبقى مشغولة حتى يُحتوى التهديد من حزب الله.
تحليل صور الأقمار الصناعية، إلى جانب صور ومقاطع تحقّق منها صحفيون، يبيّنان نطاق الحملة. عمليات هدم واسعة طمست مساحات واسعة من نحو عشرين إلى ثلاثين بلدة وقرية قرب الحدود، طالت مرافق حكومية وبنى تحتية مدنية مثل مدارس ومستشفيات ومساجد. القرى صارت ضبابًا من رماد، والبياض الناتج عن الأنقاض يميّز بلدة تلو الأخرى.
“اشعر أنني على وشك الانهيار من شدّة الغضب والحزن”، قال نبيل سنابل، (67 عامًا) الذي يعمل في مخبز في بنت جبيل، والذي فرّ إلى بيروت حاملًا بعض متاعه فقط. تُظهر صور الأقمار الصناعية أن المنطقة التي يقطنها ويعمل فيها تعرضت لأضرار بالغة، وإن لم يتضح ما إذا كان منزله قد دُمّر بالكامل.
منذ بداية الحرب، أودت الضربات الإسرائيلية بحياة أكثر من 2600 شخص في لبنان، وفق وزارة الصحة اللبنانية، بينهم صحفيون وعاملون في المجال الطبي، ودّمّرت بنى تحتية كالجسور ومحطات الوقود؛ أكثر من مليون شخص نزحوا. واستمرّت المعارك رغم هدنة بوساطة أميركية مدّدتها أطراف النزاع حتى منتصف مايو.
تقول إسرائيل إن ضرباتها تستهدف بنى تحتية ومواقع تابعة لحزب الله، الذي أطلق مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ والصواريخ المضادة للدبابات نحو إسرائيل وقتل، بحسب الجيش الإسرائيلي، ما لا يقل عن 17 جنديًا منذ مطلع مارس. ويقول خبراء قانونيون ونشطاء حقوقيون إن استهداف البُنى المدنية أو تدميرها من دون مبرر عسكري سليم يُعد جريمة حرب، وأعربوا عن القلق من تصريحات لمسؤولين إسرائيليين عن نية محاكاة خراب غزة، نظراً لحجم الدمار والخسائر البشرية هناك.
قال رمزي قيّس، الباحث في منظمة هيومن رايتس ووتش في لبنان: «التدمير العمدي والواسع للأعيان أو الممتلكات المدنية، في غياب أي مبرر عسكري لاستهداف مُتعمّد، هو جريمة حرب».
أكّدت السلطات الإسرائيلية أن قواتها تعمل «وفقًا للقانون الدولي»، وأن توجيهاتها تسمح بهدم منشآت تُستخدم لأغراض عسكرية لحزب الله أو حين تُعدّ الضرورة التشغيلية لذلك. وأظهر مقطع فيديو تحقق منه مراسلون قيام جرافة بتدمير ألواح شمسية قرب قرية دبل أواخر أبريل؛ تلك الألواح كانت تزود البلدة بالكهرباء وتشغّل محطة المياه، بحسب وكالة الأنباء الرسمية اللبنانية. وفي بيان للجيش أُبلغت به الصحافة قيل إن مثل هذه الأفعال لا تليق بمعايير الجيش، وأنه «بعد فتح تحقيق في الحادثة اتُّخذت إجراءات قيادية بحق الجنود الاحتياطيين المعنيين»، من دون توضيح تفاصيل تلك الإجراءات.
كان كثيرٌ من بلدات الجنوب قد تضرّر أصلاً إبان حرب إسرائيل وحزب الله عام 2024؛ فقد تضرّر أو دُمّر أكثر من عشرة آلاف مبنى، بينها منازل ومساجد وحدائق، في 26 بلدية على الأقل، وفق تقرير لمنظمة العفو الدولية. لكن الدمار الحالي يبدو أكثر اتساعًا، وتظهر صور الأقمار الصناعية أن كثبانًا من الأنقاض الجديدة امتدت على رقعةٍ واسعة من الأرض.
«منزلنا كان ثمرة عمل حياتنا»، قالت فاطمة عبد الله (46 عامًا)، أمّ لخمسّة أبناء من بلدة حولا قرب الحدود، وهي تقيم الآن في خيمة داخل ملعب بالعاصمة بيروت. تُظهر الصور أن بلدتها تعرّضت لضربات قاسية، وأن منزلها الذي بناه هي وزوجها قبل نحو عقدين يبدو مُدمَّرًا.
تُظهِر مقاطع فيديو أن الجنود الإسرائيليين يستخدون طرق تدمير شبيهة بتلك التي استُخدمت في غزة، بما في ذلك التفجيرات الموجّهة التي يدخل فيها الجنود المباني المستهدفة لزرع متفجرات ثم يفجرونها عن بُعد، وفق باربرا ماركوليني، باحثة بصرية في منظمة العفو الدولية كانت تعمل سابقًا مع صحافة أميركية. الانفجارات ترفع سحبًا من الغبار والحطام إلى السماء؛ ونتيجة لذلك صارت الشوارع بأكملها مناظر قمرية من الأنقاض البيضاء والخرسانة المتفتتة، دون أثر يذكر يدل أين كانت بيوت أو محلات.
تقول إسرائيل إن عملياتها تهدف إلى تفكيك البنية العسكرية لحزب الله المتمركزة، بحسبها، بين الأحياء المدنية؛ فيما ينفي الحزب وضع مواقع عسكرية بين المدنيين. وتُظهر مشاهد أخرى، بما في ذلك صور التقطت من الجانب الإسرائيلي من الحدود، أعمال هدم تجريها بلدوزرات وحفّارات في مناطق متضررة بشدّة.
يُشير خبراء إلى أن ما يجري يعكس ما حدث في غزة، حيث خلّف دمارًا هائلًا وجعل مساحات واسعة غير صالحة للسكن ومنع كثيرين من العائدين من الرجوع إلى منازلهم. قالت ماركوليني: «هذا بالأساس نفس النمط الذي وثقناه في غزة، ثم تكرّر في جنوب لبنان. والآن نراه مجدّدًا في جنوب لبنان. إنها استراتيجية لديهم، ويستمرون في تنفيذها باستمرار في كل المنطقة».
الدمار حاصل في أنحاء الجنوب، لكن أشدّ الدمار يتركّز في القرى الشيعية. الشيعة، الذين تنتمي طائفتهم إلى نفسها التي ينتمي إليها حزب الله، يشكلون غالبية سكان جنوب لبنان، رغم أن بعض البلدات في المنطقة الممنوعة بالقرب من الحدود أغلبها مسيحي أو درزي. ونقلت تقارير أن إسرائيل أخبرت بعض المسيحيين والدروز أنه بإمكانهم البقاء إذا طردوا المسلمين الشيعة من بلداتهم.
تُظهر صور الأقمار الصناعية تباينًا صارخًا بين هذه المناطق: ففي لقطاتٍ التُقطت قرب الحدود في أبريل، بدت بلدتا عيتا الشعب وحنين، اللتان تسودهما الأغلبية الشيعية، امتدادًا من الحطام الرمادي، في حين بدا التضرر أقل في بلدة رميش المجاورة ذات الغلبة المسيحية.
بالنسبة للعائلات التي فرّت، لا يوجد إلحاظ واضح لموعد عودتها. في الوقت الراهن يعتمدون على رسائل ومكالمات من الأهل واللاجئين الآخرين ليجمعوا شذرات خبرٍ عن الباقي من بيوتهم وحياتهم. استحضرت السيدة عبد الله مثلًا لبنانيًا — «بالحجارة لا بالناس» — لتؤكّد أنه بالرغم من أن بيتهم صار أنقاضًا، فإن أفراد العائلة نجوا على الأقل. «لا يعوضنا إلا الله»، قالت.