دخلت احتجاجات الطلاب في فرنسا شهرها الثاني، وامتدت لتتحول إلى مظاهرات في أنحاء أوروبا.
بدأت في سبتمبر/أيلول في فرنسا احتجاجات تلاميذ على الاكتظاظ في الصفوف ونقص المعلمين، ثم تحولت إلى غضب أوسع بسبب غلاء المعيشة والخطط الرامية إلى خفض الخدمات العامة.
وفي ألبانيا وبلجيكا واليونان وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا خرج المحتجون إلى الشوارع احتجاجا على غياب السكن الميسور، وارتفاع التكاليف، وتدهور الخدمات العامة. ويقول كثير من الشباب إنهم لم يعودوا يتوقعون أن يكونوا أفضل حالا من آبائهم.
ويواجه هذا الغضب قادة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ورئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو. سانشيز من اليسار، وميلوني من اليمين، وماكرون ومونتينيغرو من الوسط الذي يميل إلى المحافظة. ورغم اختلاف سياساتهم، فإنهم جميعا يواجهون اضطرابات متزايدة بسبب الارتفاع الحاد في كلفة المعيشة.
هل هم بعيدون عن تجارب الشباب ومشاعرهم في بلدانهم؟ تعرض الجزيرة بالرسوم كيف تغيرت الأسعار والأجور والإسكان والتعليم في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال خلال السنوات الست والعشرين الماضية، أي منذ كان ماكرون وميلوني وسانشيز ومونتينيغرو في العشرينات من عمرهم، مثل كثير من المحتجين الغاضبين منهم.
كم أصبحت الأسعار أغلى مقارنة بعام 2000؟
ارتفعت أسعار السلع اليومية مثل الغذاء والطاقة والنقل والفواتير بنسبة تتراوح بين 59 و78 في المئة منذ عام 2000 في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، بحسب يوروستات، وكالة الإحصاء في الاتحاد الأوروبي. ويعد مؤشر أسعار المستهلك المنسق المقياس الرسمي للاتحاد الأوروبي لتكلفة السلع والخدمات اليومية.
وسجلت إسبانيا أعلى زيادة بنسبة 78 في المئة، تلتها البرتغال 71 في المئة، ثم إيطاليا 68 في المئة، وفرنسا 59 في المئة.
وهذا يعني أن سلعا وخدمات كانت تكلف 100 يورو عام 2000 أصبحت تكلف نحو 178 يورو في إسبانيا، و171 يورو في البرتغال، و168 يورو في إيطاليا، و159 يورو في فرنسا.
ارتفعت الأسعار بنحو 2 في المئة سنويا في المتوسط، لكنها قفزت عام 2022، عندما بلغ التضخم السنوي 8.7 في المئة في إيطاليا، و8.3 في المئة في إسبانيا، و8.1 في المئة في البرتغال، و5.9 في المئة في فرنسا، وهو أعلى مستوى في هذه البلدان الأربعة منذ عام 2000 على الأقل.
وكان الدافع الأساسي للارتفاع كلفة الطاقة، التي صعدت بقوة بعد غزو روسيا أوكرانيا في فبراير/شباط 2022. وبحلول أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، أي بعد ثمانية أشهر من الحرب، كانت أسعار الطاقة في منطقة اليورو أعلى بنحو 42 في المئة من العام السابق، كما كانت أسعار الغذاء ترتفع بشدة، بحسب يوروستات.
وبين عامي 2021 و2023 ارتفعت الأسعار بنسبة 12 إلى 15 في المئة في البلدان الأربعة. ولم تلحق الأجور بها، ولأن الأسعار لا تعود إلى الانخفاض بعد تراجع التضخم، فإن كثيرا من الأسر لا تزال تشعر بضغط الغلاء حتى اليوم.
كيف تغيرت الأجور؟
بعد احتساب التضخم، انخفض متوسط أجر العمل بدوام كامل في إيطاليا بنحو 5 في المئة بين عامي 2000 و2025. وفي الفترة نفسها ارتفعت الأجور الحقيقية 7 في المئة في إسبانيا، و11 في المئة في فرنسا، و20 في المئة في البرتغال، بحسب بيانات الأجور الصادرة عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بعد تعديلها بمؤشر أسعار يوروستات.
وقال خايمي فيلاسكيز، صحافي في مدريد، لقناة الجزيرة في برنامج “داخل القصة” إن معظم الوظائف الجديدة في إسبانيا كانت في السياحة والخدمات، وكانت غالبا موسمية ومنخفضة الأجر.
وقال يوليوس فينتلمان، أحد مؤسسي “المراسل الأوروبي” ورئيس تحريره، إن المجتمعات التي تتقدم في العمر تضيق فرص العمل أمام العمال الأصغر سنا، وإن الفجوة في الأجور بين العمال الأكبر والعمال الأصغر اتسعت في الاقتصادات ذات الدخل المرتفع على مدى عقود، لذلك لم يعد وعد كل جيل بأن يكون أفضل حالا من الجيل السابق قائما.
كيف تغيرت كلفة السكن؟
أصبح السكن أقل قدرة على تحمل التكاليف في البلدان الأربعة منذ عام 2000، بحسب نسبة السعر إلى الدخل لدى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وتقدم هذه النسبة صورة عامة لكيفية تغير أسعار المنازل مقارنة بالدخول مع الوقت. فعندما ترتفع الأسعار أسرع من الدخول، ترتفع النسبة، ما يشير إلى أن المنازل أصبحت أقل يسرا في المتوسط.
لكنها لا تبين أي الأسر أو المناطق تتأثر أكثر، ولا تأخذ في الحسبان كلفة الرهن العقاري والاقتراض، ولا تقول شيئا عن جودة المنازل التي يدفع الناس مقابلها.
وشهدت إسبانيا أكبر تغير. فنسبة السعر إلى الدخل فيها أعلى بنسبة 56 في المئة من عام 2000، حتى بعد انخفاضها الحاد عقب الأزمة المالية عام 2008.
وفي فرنسا، النسبة أعلى بنسبة 39 في المئة من عام 2000، مع أنها تراجعت قليلا منذ بلغت ذروتها عام 2022.
وإيطاليا استثناء، إذ ظلت أسعار المنازل متوافقة إلى حد كبير مع الدخول، ما يجعل النسبة أعلى بنحو 5 في المئة فقط من عام 2000.
وسجلت البرتغال أكبر تغير في السنوات الأخيرة. فقد انخفضت نسبة السعر إلى الدخل باطراد لمدة 15 عاما بعد عام 2000، ما يعني أن المنازل أصبحت أكثر يسرا. لكن منذ عام 2015 ارتفعت النسبة 67 في المئة.
وتنشر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية نسبة السعر إلى الدخل بسنة مرجعية هي 2015. ولمقارنتها ببيانات الأجور والأسعار في هذا المقال، التي تبدأ عام 2000، أعادت الجزيرة ضبط الأرقام بحيث يساوي عام 2000 الرقم 100.
كيف تغير إنفاق الدولة على التعليم؟
كان التعليم في قلب الاضطرابات في فرنسا، حيث بدأت الاحتجاجات بسبب الاكتظاظ في الصفوف ونقص المعلمين. وفي بلجيكا وألبانيا تظاهر المحتجون ضد ارتفاع كلفة التعليم وصعوبة الوصول إلى الجامعات.
بحسب أحدث بيانات يوروستات، يبلغ إنفاق فرنسا العام على التعليم 5.1 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي، مقابل 5.6 في المئة عام 2000.
وفي إيطاليا انخفض الإنفاق على التعليم من 4.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2000 إلى 4 في المئة عام 2024. وفي إسبانيا بقي عند 4.1 في المئة في عامي 2000 و2024. وفي البرتغال انخفض من 4.8 في المئة عام 2000 إلى 4.3 في المئة عام 2024.