تصميمُ نموذجٍ أوليّ بالذكاءِ الاصطناعيّ تأمّلاتٌ في تقنياتِ التعلّم

النمذجة السريعة بالذكاء الاصتناعي

خلال حضوري مؤتمر Learning Technologies ’26 في لندن انتهيت من الاستماع والملاحظة والتواصل والدردشة والتحدث. كان هناك موضوع طاغٍ على ساحة العرض وفي أغلب الجلسات: الذكاء البشري مقابل الذكاء الاصطناعي — من يكسب؟ هل هي منافسة فعلاً؟ ما هو المبالَغ فيه وما هو الواقعي اليوم؟ إلى أين يتجه التعلم؟ هل نُحدث فرقاً؟ ماذا يتغيّر، وماذا ينبغي أن يتغيّر؟ هل نحن متأخرون؟ هل يهم البشر قياس الأثر الحقيقي أم قياس وهم الأثر؟ وهل لا يزال بوسعنا التواصل كالبشر في زمن الذكاء الاصتناعي؟ خلاصة واحدة بكلمة واحدة من تجربتي: الحوار.

كتبت سيناريوهين؛ أحدهما كان سيئاً. لكن، على مدى سنوات بينهما، عملت على صقل حرفتي وصياغة حوارات جيدة.

الحوار هو تبادل كلامي بين شخصين أو أكثر، أو نصّ مكتوب بين شخصيات في الأدب والمسرح والسينما. يعمل كأداة لبناء الشخصيات، يكشف عن طبائعها، ويحرّك الحبكة؛ كما يشير أيضاً إلى تبادل جاد وتعاوني للأفكار بهدف فهم متبادل.

تخيل للحظة أننا شخصيات في فيلم. كلٌ منا يحمل خلفية، منظومة قيم، تاريخ إخفاقات ونجاحات، تحيّزات معلومة أو خفية… بعض الشخصيات في قصتنا تتمتع بذكاء بشري، وأخرى بذكاء اصطناعي. رؤيتنا للعالم محدودة — ماضٍ، حاضر أو مستقبل. تدور الحوارات في مشاهد تحرك الحبكة؛ وكل مشهد مهم لأنه يكشف عن طبائع وينمّي الشخصيات.

(انعكاس في نظارات المؤلف)

ما الذي لا يُعدّ حواراً؟
الخطب، التنزيلات المعرفية، الشرح الزائد من موقع التفوق (mansplaining)، المحاضرات، محتويات مجردة، دفعات معلومات، لوحات البيانات، مواقع شيربوينت…

المشهد الأول: عشاء المتحدثين الدوليين
قبل المؤتمر اجتمع بعض المتحدثين ورؤساء الجلسات لعشاء غير رسمي. لا أذكر الأطباق، لكن أتذكر الشخصيات والحوار. الحوار يفترض هدفاً مشتركاً: الفهم المتبادل؛ وهذا لا يعني الاتفاق المطلق. يمكنك أن تختلف تماماً مع شخص ما ومع ذلك تجري حواراً معه، لكن ذلك يحصل فقط حين توجد درجة من الثقة والاحترام والانفتاح. الحوار يتطلب الاستماع — استماعاً نشطاً ومنفتحاً، لا انتظاراً للدور أو التحضير للرد فقط.

تطرقنا إلى الأمان النفسي، واللعب، والطعام، والسفر، وبالطبع موضوعات متصلة بالتعلّم. لم تكن هناك شرائح عرض، ولا أدوات مساعدة، ولا زرُّ «التالي». بناء الروابط عبر الحوار سيظل أساسياً في عصر الذكاء الاصطناعي.

تخيل موقفين:
– يرسل مديرك لك ملاحظة مصاغة بإتقان عن إنجازك في مشروع: موجزة، مختصرة، عاطفية، بقواعد لغوية ممتازة. لكن واضح أنها من كتابة ذكاء اصطناعي.
– يرسل مديرك ملاحظة عن نفس الإنجاز، ليست مثالية لكنها كُتبت بجهد بين اجتماعين مهمين، قد تحتوي حتى على خطأ مطبعي صغير.

معظم الناس سيقولون تلقائياً إنهم يفضّلون الرسائل البشرية الصادقة. لكن هل هذا دائماً صحيح؟ هناك مؤثرون إلكترونيون بزخارف «أصالة» تجذب المرور، وشات بوتات تُقيَّم أحياناً بأنها أكثر تعاطفاً من أطباء بشريين، ووكلاء خدمة عملاء آليون يقضون على الانتظار الطويل بسبب «زيادة غير اعتيادية في حجم المكالمات».

يقرأ  صراع دام عقودًا بين روبرت موزس وإيسامو نوجوتشي معركة على تصميم الملاعب العامة

لا أملك الجواب الحاسم، لكني أعتقد أن التفاعلات المعاملاتية والعملية التي لا تهمّ فيها علاقة طويلة الأمد، سيطغى عليها الذكاء الاصطناعي.

المشهد الثاني: الواقع مقابل الضجيج الإعلامي
المشهد الحالي للذكاء الاصطناعي يشبه أرض أوز؛ سحر ظاهر يهيمن على لينكدإن، خبراء في كل زاوية وإطارات عمل بالجملة. كل بائع تقني محترم تقريباً يقدم مزايا مُدعمة بالذكاء الاصطناعي، من توليد المحتوى إلى المحاكاة. بينما لا تزال وحدات تطوير التعلم تتعلّم هندسة المطالبات (prompt engineering)، انتقل بعض القادة إلى «هندسة السياق»، وبقية العالم يبني مساعدي رؤساء للمهام باستخدام أدوات مثل OpenClaw.

أين النتائج؟
أجرت DX دراسة طولية على نتائج هندسية: شعر كثير من القادة أن مؤسساتهم تتخلف في سباق تسريع الإنجاز الهندسي المدعوم بالذكاء الاصطناعي. تسويق البائعين ووسائط التواصل الاجتماعي قدّما توقعات تصل إلى تحسّن ثلاثي أو حتى عشري. وعندما تأتي النتائج متواضعة، يعتقد القادة أن ثمة خللاً ما.

حللت DX سرعة الإنجاز الهندسي من نوفمبر 2024 حتى فبراير 2026 على عينة تزيد عن 400 شركة شهدت ارتفاعاً حاداً في تبنّي الذكاء الاصطناعي. وجدنا زيادة فعلية في معدل دمج طلبات السحب (PR throughput) تتراوح بين 10–15% — مَردود حقيقي لكن دون مستوى التوقعات المتوقعة لدى معظم القادة. الورقة تتعمق بعد ذلك في أسباب عدم تحقق الزيادات المتوقعة حتى الآن.

ماذا عن وحدات التعلم والتطوير (L&D)؟
هناك وفرة من الأبحاث التي تدرس تأثير الذكاء الاصطناعي على L&D. دراسات ومخرجات من RedThread Research وإيغل فيناؤسكايتė (Egle Vinauskaite) وماركوس بيرنهاردت وغيرهم تقدم دلائل وتوجيهات حول ما يحدث في L&D وكيفية استباق المستقبل.

وبالحديث عن الاستباق: جلستي ركّزت تحديداً على النمذجة السريعة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. لطالما عانى قطاع L&D من صعوبة في التصميم السريع والتكراري لإظهار نماذج عملية؛ كان ذلك يتطلب خبرة تقنية وغالباً دعم تكنولوجيا المعلومات. اليوم، يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع العملية وتمكين متخصصي التعلم من التجريب والتكرار والتعلّم بسرعة عبر نماذج أولية. وصفت التجربة كرحلة تحتاج إلى: وجهة تستحق الوصول إليها (مشكلة أعمال أو فرصة)، مركبة (أداة ذكاء اصطناعي تناسب حاجتك من حيث التكلفة والسرعة والتحكم)، وخريطة لكيفية الوصول — ليس خريطة جامدة بالمعنى التقليدي، بل توجيهات شبيهة بنظام ملاحي توضح كيفية بدء الرحلة.

لكن إن تركنا الذكاء الاصطناعي يقود العملية ونحن مشاركون سلبياً، فستكون رحلة مكلفة لتعلّم مدى السرعة التي يمكننا الوصول بها إلى أماكن لم نقصِد الوصول إليها أصلاً.

يقرأ  الولايات المتحدة تنضم إلى مجلس الأمن في إدانة الغارات الإسرائيلية على قطر

الواقع أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية يجب على L&D «اعتمادها» فحسب؛ هذه زاوية واحدة فقط وليست نقطة البداية بالضرورة. قد يكون من المغري إثبات مكاسب الكفاءة من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة إنشاء المحتوى، لكن التحدّي الذي أطرحه على قادة L&D هو الانتقال من قياس السرعة إلى قياس الفعالية. ولا يبدأ ذلك بالذكاء الاصطناعي وحده. يبدأ الأمر بفهم كيفية عملنا اليوم، وكيف ينبغي أن نعمل غدًا:

كيف تُنجَز الأمور الآن؟ ما هو سير العمل؟
من يتخذ القرارات؟
من المسؤول عن المخرجات؟
كيف تُعرَّف جودة مخرج معين؟ وكيف تُفحَص الجودة؟
ما هي التوقعات من النتيجة؟

أدرك أن طرح الأسئلة قد يبدو مُبطِّئًا، لكنه في الحقيقة يسرع الرحلة عبر تقليل المسارات الميتة التي قد تنتهي عندها محاولاتكم.

المشهد الثالث: لماذا نُجري نموذجًا أوليًا، وماذا ينبغي أن نجرب؟
خطأ شائع هو اعتبار النموذج الأولي نسخة رخيصة من المنتج النهائي. كثير من النماذج تقبع في طور «النموذج الأولي» لأنها لا تتوسع ولا تجيب عن الأسئلة الجوهرية إلا سؤالاً واحدًا: «هل يمكننا بناؤه؟». النموذج الأولي وسيلة للتعلّم — تعلم سريع وتكراري. يجب أن يركّز النموذج على الجزء الأهم في التجربة التي تحاول محاكاتها. إذا كان هدفك تجريب بوت ذكاء اصطناعي لمساعدة الموظفين، فلا حاجة لبناء تطبيق كامل لتكتشف أن مخرجاته غير ملائمة لجمهورك. اختبار اللعب مع مشاكل عمل حقيقية ومستخدمين حقيقيين أمر حاسم.

ماذا لو اكتشفت أن فكرتك لا تعمل؟ حسنًا، تكون قد وفّرت وقتًا وموارد لبناء شيء سينجح لاحقًا. رأيت كثيرًا من مشكلات «اعتماد التطبيق» في الشركات لأن الفريق لم يجرب تجربة الجوهر أولًا. فلسفة «إن بنيناه سيأتون» ليست استراتيجية.

ما الذي نجربه أولًا؟
أولًا: انطلق من مشكلة أو فرصة تجارية تستحق الحل. الكفاءة هدف سهل لكنه قد يعود بنتائج عكسية. ذات مرة بنيت أتمتة تحول نصًا إلى عرض PowerPoint في دقائق، فظننت أنني أوفرت مئات الساعات البشرية. إلى حد ما—لقد ساعدنا فقط على مواصلة إنتاج عروض بصوت مصاحب غير فعّال بسرعة أكبر. لذلك تأكد من وجود قضية تجارية مستقبلية، لا مجرد جدوى مرحلية.

ثانيًا: ابدأ بالنهاية في ذهنك: من جمهورك وكيف سيصلون إلى الحل. لا ينبغي أن يكون النموذج النهائي كاملًا، لكن من أجل القابلية للتوسع عليك أن تضع وسيلة التوصيل النهائية في الحسبان أثناء تصميم نسخة أولية منه.

من هو الجمهور المستهدف؟

يقرأ  إندونيسيا تحجب الوصول إلى روبوت الدردشة الذكي «غروك» لمؤسس تسلا إيلون ماسك بعد انتشار صور مزيفة بتقنية التزييف العميق

– نفسك
يمكن أن يكون تطبيقًا عمليًا يساعدك على رفع الكفاءة أو فحص الجودة. مثلاً، إن كنت مسؤولًا عن مراجعة جودة أسئلة التقييم، فيمكن لوكيل ذكاء اصطناعي ماهر أن يكون هدفًا ممتازًا. وإن لم تكن تبني وكيلاً بعد، لكنّك تريد تحسين تجربة المستخدم في دورات التعلم الإلكتروني التي تصنعها، فذلك هدف عملي أيضًا.

– زملاؤك
ماذا لو حَللت اختناقات سير العمل داخل فريقك؟ ماذا لو بنيت شيئًا يعزّز العملية أو يستبدل بعض عناصرها؟ مثلاً، إن كنتم تستخدمون xAPI، يمكنك إنشاء مُنشئ بيانات (statement builder) يتوافق مع معاييركم ويُنتج كودًا جاهزًا للحقن. وإن كنتم لا زلتم تتلاعبون بـ SCORM، فالأمر ممكِن أيضًا.

– منظمتك
ماذا لو استطعت حل اختناقات العمل بين الوظائف المختلفة؟ ماذا لو أداة مساعدة عامة تُسهل على الآخرين أداء عملهم أسرع أو العثور على المعلومات الأكثر صِلة بسرعة؟ ماذا لو استبدلت دورات تدريبية قديمة وغير فعّالة بمساعد تفاعلي يقدّم دعمًا لحظيًّا؟

– الموظفون (المتعلمون)
ماذا لو دمجت حوارًا داخل تجربة التعلم؟ أو محاكاة مُفصّلة حسب الدور والموقع والمستوى المهاري السابق؟ أحيانًا يكفي أن تكون مُبدعًا بالاستفادة من الموارد الموجودة: لديك بالفعل نظام إدارة تعلم (LMS) يُصادق المستخدمين ويخزّن البيانات (عبر SCORM cmi statements)، لذا يمكنك نشر أداة مفيدة ومخصصة وعملية عبر رابط عميق. بالطبع خادم ويب مخصّص مع تسجيل دخول موحّد أفضل، لكن في المرحلة الأولية يمكنك تجريب الأداة داخل البيئة المتاحه.

التخطيط والوثائق
بغض النظر عن صغر النموذج الأولي، ابدأ دائمًا بالتخطيط. خطط للحل الكامل (ليس للنموذج فقط) في وثيقة متطلبات المنتج (PRD). كل نماذج اللغة الكبيرة تفهم ما هي الـ PRD ويمكنها بناء الأساسيات لك. اجعل هذه الوثيقة أحد مخرجات المشروع.

بغض النظر عن أداة الذكاء الاصطناعي التي تعتمدها (أنا أتنقّل بين Windsurf وClaude Code/Coworker وGithub Copilot)، ستساعدك هذه الـ PRD الأساسية على اتخاذ قرارات وتحديد نطاق محكم للنموذج الأولي مع الحفاظ على الحل النهائي في الاعتبار. كل ما سبق يلتقي في نقطة واحدة: الحوار — محادثات ذات مغزى ومتكررة بين البشر والذكاء الاصطناعي.

الآن: انطلق وابنِ شيئًا!
ملاحظة: إن تساءلت عن معنى الصورة (بعيدًا عن الانعكاسات في النظارات)، فعليك التحقق من تمثال بانكسي في الخلفية. في الأصل يتناول التقديس الأعمى للوطن، شخص معصوب العينين بالعلم يخطو إلى السقوط الحر. بالنسبة لي، هناك تشابه مع الذكاء الاصطناعي: تَحَمّل المسؤولية، تعلَّم، جرّب. لا تتبع المؤثرين أعمىً.

حقوق الصورة:
الصورة المضمنة في المقالة قُدِّمت من المؤلف.

مراجع:
[1] «الذكاء الاصطناعي وسرعة الهندسة: تحليل طولي» — https://getdx.com/report/ai-and-engineering-velocity-a-longitudinal-analysis/

أضف تعليق