انتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المحكمة العليا بقوة بعد رفضها مسعاه للحد من التصويت بالبريد، مما أثار مخاوف من أن يستخدم صلاحيات اتحادية للتدخل في انتخابات نوفمبر النصفية.
وقال بعد قرار المحكمة يوم الاثنين: «هؤلاء ليسوا الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات ليخدموا في المحكمة العليا». وأضاف أن القضاة «ليسوا سوى قشرة فارغة من أنفسهم الأصلية، محكمة تكلف الولايات المتحدة تريليونات الدولارات بأحكام سيئة للغاية وصادمة».
يعني القرار أن بإمكان الولايات أن تواصل إدارة التصويت بالبريد وفق إجراءاتها القائمة. وقد استُخدم التصويت بالبريد والتصويت الغيابي في الولايات المتحدة لعقود، وهو يشكل الآن نحو ثلث الأصوات على مستوى البلاد.
ورغم القرار، يخشى محللون سياسيون وبعض المسؤولين أن لا يترك ترامب العملية الانتخابية تمضي كما هو مخطط لها، وأن يحرك خيوطًا أخرى لترجيح الانتخابات لصالحه.
فما قواعد التصويت التي حاول ترامب تغييرها بالتحديد؟ وما الصلاحيات الأخرى التي قد تسعى إدارته إلى استخدامها في الفترة التي تسبق الانتخابات النصفية؟
هل يستطيع ترامب استخدام الصلاحيات الاتحادية لترجيح الانتخابات لصالحه؟
يشعر مسؤولو الانتخابات في أنحاء البلاد بالقلق من احتمالات التدخل، من احتمال مصادرة أوراق الاقتراع إلى التحقيقات في تزوير الناخبين.
وأظهر تحقيق لرويترز استند إلى مقابلات مع عشرات المسؤولين الانتخابيين في الولايات والمناطق المحلية أنهم يعتمدون استراتيجيات جديدة للاستعداد للتدخل السياسي والمعلومات المضللة والهجمات الإلكترونية وأساليب الترهيب.
ووفقًا للتقرير، قال أكثر من اثني عشر مسؤولًا محليًا وولائيًا إنهم يوظفون محامين من الخارج أو يسعون إلى تدريب قانوني لهم ولموظفيهم للتحضير لمطالب محتملة من الإدارة بالحصول على سجلات تصويت حساسة أو معدات انتخابية.
وقال ما يقرب من ضعف هذا العدد إنهم يوسعون التواصل العام وحملات وسائل التواصل الاجتماعي لمواجهة المعلومات المضللة، بما في ذلك الادعاءات الكاذبة التي يروج لها ترامب وحلفاؤه الجمهوريون بأن آلات التصويت غير موثوقة وأن التصويت بالبريد فاسد بطبيعته.
ماذا قال المعارضون والناشطون عن أجندة ترامب الانتخابية؟
قاوم الناشطون بشدة الإجراءات التنفيذية التي اتخذها ترامب لمحاولة فرض إجراءات تصويت اتحادية. وقد رفعت مجموعات من بينها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ومركز برينان للعدالة دعاوى قضائية ضد الإدارة، بحجة أن الدستور يمنح السلطة على الانتخابات الاتحادية أساسًا للولايات والكونغرس، لا للرئيس.
وجاء الرفض أيضًا من أروقة الكونغرس. فقد قدمت مجموعة من الحزبين تضم 261 من الأعضاء الحاليين والسابقين في الكونغرس مذكرة إلى المحكمة العليا تطعن في الأمر التنفيذي لترامب وقاعدة خدمة البريد اللاحقة. وقالوا إن هذه الإجراءات انتهكت الفصل بين السلطات بالاستيلاء على سلطة الانتخابات الاتحادية التي يمنحها الدستور للولايات والكونغرس.
قال النائب الديمقراطي جيمي راسكين، أحد المشرعين الذين قادوا هذا الجهد: «الدستور واضح بأن الولايات والكونغرس يضعان قواعد الانتخابات الاتحادية، وليس الرئيس».
ووفقًا للدستور الأمريكي، تُدار الانتخابات بواسطة سلطات محلية تعمل تحت إشراف الولايات.
ووصف راسكين محاولة ترامب استخدام خدمة البريد الأمريكية لتنظيم أوراق الاقتراع المرسلة بالبريد بأنها «استيلاء سافر على السلطة»، واتهم الرئيس بالسعي إلى «إدخال الارتباك والفوضى في انتخاباتنا في محاولة أخيرة للحفاظ على حزبه في السلطة».
وبالمثل، قال السناتور أليكس باديلا، أبرز ديمقراطي في لجنة القواعد بمجلس الشيوخ، إن لا الرئيس ولا خدمة البريد يملكان سلطة تحديد كيفية إدارة الولايات للانتخابات. وقال إن تقييد التصويت بالبريد قد يؤثر بشكل خاص على العسكريين، وسكان المناطق الريفية، والأمريكيين المقيمين في الخارج.
ورفض البيت الأبيض الاتهامات بأنه يسعى للتدخل في الانتخابات النصفية، وقال إن إجراءاته تهدف إلى منع التصويت غير القانوني وضمان الثقة في النظام الانتخابي.
لماذا يعارض ترامب التصويت بالبريد؟
ليست هذه المرة الأولى التي يشكك فيها ترامب في أمن التصويت بالبريد، مستشهدًا بادعاءات دُحضت حول تزوير انتخابي واسع مرتبط به. وقد ألقى زورًا مسؤولية خسارته الانتخابات الرئاسية في 2020 على تزوير التصويت بالبريد. وفي ذلك الوقت وصف نظام التصويت بأنه «أكبر عملية احتيال في تاريخ السياسة». وعارض هو وأنصاره التغييرات التي أُجريت أثناء جائحة كوفيد لتوسيع التصويت بالبريد.
كما يزعم ترامب وأنصاره أن خطة التصويت بالبريد تتيح لعدد كبير من غير المواطنين التسجيل والتصويت بشكل غير قانوني، مما يفسد الانتخابات. ولهذا دفع نحو قانون صون أهلية الناخب الأمريكي، الذي يطالب المواطنين بتقديم «إثبات وثائقي» بأنهم مواطنون أمريكيون عند التسجيل للتصويت. وقد تعطل التشريع في مجلس الشيوخ بسبب مخاوف من حرمان ملايين الناخبين من حقوقهم.
وتظهر الدراسات أن تزوير الناخبين نادر للغاية. وقد وثقت مؤسسة هيريتيج، وهي مركز أبحاث يميل إلى المحافظين ويقف وراء مشروع 2025 الذي ألهم كثيرًا من سياسات إدارة ترامب، 100 حالة تصويت لغير المواطنين من 1982 إلى 2025. وهذا يمثل نحو 0.000008 في المئة من أكثر من 1.3 مليار صوت أُدلي به في الانتخابات الرئاسية خلال تلك الفترة.
ماذا فعل لتغيير قواعد الانتخابات؟
كان ترامب صريحًا في رغبته في فرض مزيد من السيطرة الاتحادية على الانتخابات، إذ قال في أوائل فبراير إنه «ينبغي للجمهوريين أن يجعلوا التصويت مسألة وطنية». ورفض البيت الأبيض المخاوف من أن الإجراءات الاتحادية قد تعطل الانتخابات النصفية، بحجة أن الإدارة تنفذ قوانين الانتخابات وتحمي الثقة في التصويت.
وفي مارس 2026، وقع ترامب أمرًا تنفيذيًا يوجه خدمة البريد الأمريكية للسيطرة على التصويت بالبريد عبر تصميم مظاريف جديدة تحمل رموزًا شريطية خاصة تتيح للحكومة الاتحادية التأكد من أن أوراق الاقتراع لا تأتي إلا من ناخبين مؤهلين.
وبالنسبة للانتخابات النصفية، سيفرض هذا الإجراء على جميع الولايات اعتماد نمط موحد للمظاريف في وقت قصير.
كما طلب الأمر من الولايات أن تزود خدمة البريد بقائمة الناخبين المؤهلين قبل الانتخابات. وستحصل عدة وزارات حكومية، من بينها الأمن الداخلي ودائرة الجنسية والهجرة الأمريكية، على قوائم الناخبين أيضًا.
ومُنحت وكالة البريد أيضًا سلطة رفض أوراق الاقتراع المرسلة بالبريد إذا لم تمتثل للمعايير الجديدة أو لم تكن مرتبطة بناخبين مسجلين في قوائم الولايات.
وقد طالب المدعي العام 47 ولاية وواشنطن العاصمة، وهي مقاطعة اتحادية، بتسليم قوائم تسجيل الناخبين الكاملة، وفق إحصاء لمركز برينان للعدالة، وهو مجموعة سياسية غير حزبية. وقد امتثلت 11 ولاية أو وافقت على الامتثال. وأطلقت إدارة ترامب دعاوى قضائية ضد العشرين الأخرى التي رفضت.