وهم “إتمام الدورة”
قصة مألوفة لدى كثير من مسؤولي التعلم والتطوير هذه الأيام: تطلق مساراً شاملاً بعنوان «أساسيات الذكاء الاصطناعي التوليدي». تجمع أفضل المحتويات، تطلق الحملة التسويقية، والأرقام تبدو ممتازة: معدلات الإتمام مرتفعة، واستمارات التغذية الراجعة إيجابية. لكن بعد ثلاثة أشهر، حين تفحص مؤشرات الأداء التشغيلية، تتكرر الأسئلة نفسها: هل أصبح الكود أنظف؟ هل تحسّنت سرعة صياغة النصوص التسويقية؟ هل أصبحت الخطط الاستراتيجية أكثر متانة؟ غالباً تكون الإجابة لا.
المشكلة ليست في تصميم المادة التعليمية بقدر ما هي في اعتبارنا تبنّي الذكاء الاصطناعي مشكلة محتوى بينما هي في الأساس مشكلة سير عمل. نميل إلى دفع محتوى تدريبي إلى الموظفين قبل أن نشخص البيئة التي يعملون فيها.
اتّباع نهج تشخيصي لمعرفة سبب فشل تدريب الذكاء الاصطناعي
من عملي في مساعدة المؤسسات على تنفيذ نظام تشغيلي تعليمي تشخيصي، حددت أربعة أنماط فشل متكررة تؤدي إلى عدم تحقق فاعلية تدريبات الذكاء الاصطناعي. هذه هي وأنسب الطرق لإصلاحها:
نمط الفشل 1: فخ “المعرفة الشاملة”
– العَرَض
تُطرح دورة عامة «الذكاء الاصطناعي 101» للجميع من موظفة الاستقبال إلى نائب الرئيس للهندسة، وتتناول مواضيع عامة كتصميم المطالبات، وتاريخ التقنية، والأخلاقيات.
– لماذا يفشل
المعرفة العامة ترفع مستوى الوعي لكنها لا تبني القدرة العملية. محاسب يحتاج طريقة تطبيقية لكشف الشواذ في الجداول؛ ومسوق يحتاج إطاراً لتوليد الأفكار. عندما يكون التدريب عاماً جداً، يضع المتعلم علامة النجاح لكنه لا يجسر الفجوة إلى مهامه اليومية المحددة.
– الحل
توقّف عن «تدريب الجميع» عشوائياً. ابدأ بتحديد المخرج الحرج لكل دور محدد.
لا تسأل: «كيف ندرب فريق التسويق على الذكاء الاصطناعي؟»
اسأل: «ما القرار التسويقي المحدد الذي نحتاج إلى تسريعه أو تحسينه؟»
صمم المحتوى حول حالة استخدام واضحة. السياق أفضل من الشمولية في كل مرة.
نمط الفشل 2: فراغ المساءلة
– العَرَض
الموظفون ينهون الـتدرييب ويتعلّمون استخدام الأدوات، لكن عند العودة إلى مكاتبهم لا يستخدمونها، إذ يخشون أن يتحمّلوا اللوم إذا أخطأ النظام أو اختلق معلومة.
– لماذا يفشل
المسألة تتعلق بحقوق اتخاذ القرار. معظم التدريب يركّز على القدرة (هل تستطيع استخدام الأداة؟) بدلاً من الإذن (هل مسموح لك أن تثق في مخرجاتها؟). إن لم يعرف الموظف من يتحمّل المخاطر—البشر أم الآلة—فسيعود تلقائياً إلى أساليب العمل التقليدية.
– الحل
قبل تصميم الوحدة، ارسم خريطة لحقوق القرار. صنّف المهام بوضوح:
– بشري فقط: لا يُستخدم الذكاء الاصطناعي هنا.
– مدعوم بالذكاء الاصطناعي: يصيغ الذكاء الاصطناعي، وأنت تقرر.
– مؤتمت بالذكاء الاصطناعي: يتصرف الذكاء الاصطناعي، وتراجع الاستثناءات.
ضمّن هذه الشبكة القرارّية داخل وحدات التعلم الإلكتروني. التدريب لا ينبغي أن يعلّم النقرات فحسب، بل الحوكمة أيضاً.
نمط الفشل 3: انفصال عن سير العمل
– العَرَض
تدرب الموظفون على أداة ذكية قوية، لكن سير العمل الفعلي مليء بالعقبات—بيانات رديئة، برمجيات غير متوافقة، أو خطوات موافقة يدوية تُقصي فائدة السرعة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي.
– لماذا يفشل
لا يمكنك أن تدخل بالتدريب في عملية معطوبة وتحسب أنك أصلحت المشكلة. إذا كانت البيانات الداخلة سيئة، ستكون المخرجات عديمة الجدوى (Garbage In, Garbage Out). وإذا كانت عملية الموافقة تستغرق ثلاثة أيام، فإن توفير ثلاثين دقيقة بفضل الذكاء الاصطناعي يصبح هامشياً.
– الحل
اعتمد عقلية “اشخّص أولاً”. قبل تفويض التعلم، تدقيق القيد. هل المشكلة نقص مهارة (قابلة للتدريب)؟ أم نقص بيانات نظيفة (غير قابلة للتدريب)؟ إذا كانت مشكلة بيانات، فالحل تقني ويقع ضمن نطاق تكنولوجيا المعلومات وليس دورة L&D.
نمط الفشل 4: معاملة الذكاء الاصطناعي كـ”مهارة ناعمة”
– العَرَض
توضع تدريبات الذكاء الاصطناعي جنباً إلى جنب مع دورات «التواصل» أو «القيادة» كمبادرة تطوير عامة بأهداف غامضة مثل «المشاركة».
– لماذا يفشل
الذكاء الاصطناعي أداة تشغيلية تغير آليات الإنتاج. معالجته كمهارة ناعمة تفقدنا القدرة على قياس الأثر الصارم.
– الحل
أرست تصميمك على مقاييس تشغيلية صارمة:
– بدلاً من قياس إتمام الدورة، قس زمن الوصول إلى المسودة الأولى.
– بدلاً من قياس المزاج أو الرضاّ، قس انخفاض إعادة العمل.
ربط التعلم بمقياس قاسٍ يغيّر الحوار مع أصحاب المصلحة من «هل أعجبهم التدريب؟» إلى «هل تحسّن الأداء التجاري؟»
الطريق إلى الأمام: نظام تشغيلي تشخيصي
الغريزة لـ«تدريب أولاً» قوية لأنها تبدو فعلاً مقنعاً ومباشراً، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يتطلب التعلم والتطوير الفعال أن نبطئ لنشخّص النظام قبل أن نتدخل. عبر إطار تشخيصي نكشف القيود الحقيقية في المؤسسة: أين البيانات مكسورة، أين حقوق القرار ضبابية، وأين سير العمل معطل. عندها فقط نصمم التدريب المناسب. وعندما نصممه هكذا، لا يقتصر الأمر على إتمام الدورات—بل على استخدامها وتحقيق أثر واضح وملموس.