عرض مسؤول الأمن الإيراني محسن رضائي أحدث شروط طهران لإنهاء حربها مع الولايات المتحدة. وقال في مقابلة حصرية مع الجزيرة يوم السبت إن طهران أوصلت شروطها إلى واشنطن عبر وسطاء قطريين، لكنه أضاف أن طهران أصبحت الآن أكثر صمودا ومراسا في القتال مما كانت في الأيام الأربعين الأولى من الحرب، التي بدأت في أواخر فبراير بعد ضربات أمريكية إسرائيلية مشتركة على إيران.
وقال رضائي: «سنواجه أميركا بقوة أكبر، وبضربات أكثر عددا وأكثر إيلاما». ورغم توقف القتال الشامل منذ أشهر، فإن الطرفين ليسا قريبين أبدا من السلام. وقد انتهت الشهر الماضي مذكرة تفاهم مدتها 60 يوما وقعت في 17 يونيو بين الولايات المتحدة وإيران. ومنذ ذلك الحين تصاعدت الهجمات، لا سيما في مضيق هرمز ومحيطه، الذي أغلقته إيران فعليا، فيما تواصل الولايات المتحدة حصار الموانئ الجنوبية الإيرانية.
وأدى تصاعد الهجمات على ناقلات النفط التي تحاول عبور المضيق، والسيطرة الفعلية للحوثيين على طريق البحر الأحمر الذي كانت السعودية تستخدمه لتصدير النفط، إلى تجاوز أسعار النفط عتبة 100 دولار في الأسابيع الأخيرة. ووصف مراسل الجزيرة توحيد أسدي، من طهران، تصريحات رضائي بأنها جزء من «رسالة مزدوجة الوجه» حافظت عليها إيران طوال النزاع، تجمع بين الانفتاح على الدبلوماسية والاستمرار في الاستعداد للحرب.
فما هي أحدث الشروط الإيرانية، وهل تختلف عن مذكرة يونيو؟
ما هي الشروط الإيرانية لإنهاء الحرب؟
وهذا ما قاله رضائي للجزيرة:
أولا، إنهاء الحرب على جميع الجبهات، ولا سيما في لبنان.
ثانيا، الإفراج عن أموال إيران المجمدة التي تبلغ مليارات الدولارات.
ثالثا، إنهاء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.
رابعا، إنهاء التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية الإيرانية.
خامسا، إنهاء التعاون الأمريكي مع «معارضي ثورتنا».
سادسا، إنهاء كل الهجمات الأمريكية على الأراضي الإيرانية.
وقال مسؤول الأمن: «من مصلحة واشنطن أن تقبل هذه الشروط. تهديدات ترامب لن تحقق أي نتيجة. نحن مستعدون لحرب حاسمة». وفي صباح الأحد، كرر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف موقف طهران بشأن مضيق هرمز، فقال إن الممر المائي الحيوي سيبقى مغلقا حتى تفي الولايات المتحدة بتعهداتها.
وقال قاليباف: «حتى تتحقق هذه الشروط، وتُعترف بالحقوق المشروعة للشعب الإيراني، وتُنفذ التعهدات الأمريكية، لن يكون هناك أي مجال للعودة إلى الحالة السابقة من المفاوضات أو لإعادة فتح مضيق هرمز».
ما المختلف عن مذكرة يونيو؟
تحمل الشروط الإيرانية الجديدة أوجه شبه مع مطالبها بموجب مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو. وقد تضمنت تلك المذكرة أيضا إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان؛ واحترام سيادة كل طرف وعدم التدخل في الشؤون الداخلية؛ وإنهاء الحصار البحري من الجانبين؛ والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
كما دعت المذكرة إلى خطة إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار بدعم أمريكي، واتفق الجانبان أيضا على أن إيران لن تحصل على أسلحة نووية أو تطورها، وأن تفتح طهران مضيق هرمز أمام المرور الآمن للسفن. وطالبت المذكرة الولايات المتحدة بإصدار إعفاءات لتصدير النفط الخام الإيراني وخدمات أخرى، وبعدم فرض عقوبات جديدة على إيران، وبعدم نشر قوات أمريكية إضافية في المنطقة.
وفي المقابلة، لم يذكر رضائي تعويضات الحرب من الولايات المتحدة كما طالبت طهران في السابق. ورغم أنه لا يوجد جديد حقيقي تقريبا في جوهر المطالب الإيرانية، فإن ما تغير هو التوقيت والقناة التي أُرسلت عبرها، بحسب عادل عبد الغفار، وهو زميل بارز متخصص في الشرق الأوسط في المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية.
وقال عبد الغفار للجزيرة: «مع انتهاء مذكرة إسلام آباد، ورضائي يسلم الشروط عبر قطر، تعيد إيران تحميل واشنطن المسؤولية، وتفعل ذلك علنا، لتحقيق أقصى تأثير». وأوضح أن الطرفين وصلا إلى طريق مسدود، فالولايات المتحدة قادرة على مواصلة الحصار البحري والاحتفاظ بالتفوق الجوي، لكنها غير قادرة على إجبار إيران على الاستسلام.
أما إيران فلا تستطيع كسر الحصار، لكنها «تحتفظ بقدر كاف من أوراق الضغط غير المتماثلة لجعل الأمور صعبة على الجميع». وقال: «في الأساس، إيران تراهن على عدم شعبية الحرب وعلى أن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية ستغير الأمور لصالحها، لذا تعلن مطالبها علنا وتضع الكرة في ملعب ترامب».
ورفض رضائي في مقابلته مع الجزيرة اتهام الولايات المتحدة لطهران بأنها خرقت مذكرة التفاهم عبر ضرب ناقلة نفط في مضيق هرمز، وقال إن خطوة إيران لم تحدث إلا بعد هجمات أمريكية على بندر عباس ومنصة مراقبة إيرانية هناك. وقال إن أي اتفاق، بما في ذلك مذكرة التفاهم، كان يتطلب اللجوء إلى لجنة تسوية نزاعات متفق عليها بين قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين، ونائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، وقد انسحبت واشنطن منها من جانب واحد.
ماذا قال رضائي عن البرنامج النووي الإيراني واليمن وغيرهما؟
وفي شأن البرنامج النووي، قال رضائي إن إيران كان يمكن أن تنسحب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وإن طهران لا تستبعد ذلك في المستقبل. وقال: «لقد تعرضنا بالفعل للتهديد، لكننا لم ننسحب من المعاهدة حتى اليوم».
ومع ذلك، قال مسؤول الأمن إن البلاد لا تزال حتى الآن ملتزمة بفتوى المرشد الأعلى السابق آية الله علي خامنئي التي تحرم الأسلحة النووية. وقال: «لكننا لا نعرف ما سيحدث في المستقبل»، مشيرا إلى فرض مزيد من العقوبات أو إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي كضغوط محتملة في المستقبل.
وفي شأن الحرب المتصاعدة في اليمن، نفى رضائي أي تورط إيراني، وأضاف أن إيران قد تقدم وساطة بين الأطراف المتحاربة. وقال أيضاً إن طهران لا تستغل الصراع لتحقيق مآرب سياسية خاصة بها.
وقال رضائي: «نحن مستعدون تماماً للمساعدة في تحقيق السلام بين اليمن والسعودية».
كما رفض المسؤول الأمني تكهنات، ومنها تكهنات داخل إيران، بأنها قد تغلق مضيق باب المندب للضغط على أسواق الطاقة العالمية، قائلاً إن المضيق «مسألة يمنية» تتعلق بحركة الحوثي وليس بإيران.
وعن مضيق هرمز، قال رضائي إن طهران كانت على بعد «خطوة قصيرة» من الإعلان عن اتفاق مع عُمان لإدارته، لكنه قد يحتاج إلى تأييد إقليمي قبل الإعلان عنه.
ما رد الولايات المتحدة؟
لم ترد الولايات المتحدة بعد على شروط إيران الجديدة. وقال رضائي إن إيران «تنتظر أن يقبل الأمريكيون بها وينفذوها».
لكن الولايات المتحدة حذرت السبت مواطنيها في العراق والبحرين وعمان والسعودية وإيران وقطر ولبنان والكويت والأردن من توخي «أقصى درجات الحذر»، وقالت إن «البيئة الأمنية لا تزال معقدة مع احتمال تصعيد غير متوقع».
وقال البيت الأبيض إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قطع عطلة نهاية الأسبوع من رحلته إلى كامب ديفيد، وعاد إلى واشنطن السبت من المجمع الرئاسي المنعزل في ريف ماريلاند. ولم يُعطَ أي تفسير لعودته المبكرة، التي تأتي في وقت تصاعد القتال بين السعودية والحوثيين.
وبحسب روب غايست بينفولد، محاضر في كلية كينغز في لندن، قد يأخذ ترامب مذكرة إيران على محمل الجد، في محاولة لإنهاء الحرب قبل انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر.
وقال بينفولد للجزيرة: «يرغب ترامب بشدة في اتفاق ينهي الحرب قبل انتخابات منتصف الولاية».
وأضاف: «كما سيدفع حلفاء الولايات المتحدة في الخليج على الأرجح نحو تجديد المحادثات. لكن هذا لا يعني أنه لا تزال هناك فجوات جوهرية كبيرة بين الأطراف، تجعل التوصل إلى اتفاق شامل أمراً غير مرجح في أي وقت قريب».
لكن ديفيد دي روش، مدير شؤون شبه الجزيرة العربية السابق في البنتاغون، قال للجزيرة إن واشنطن من غير المرجح أن ترى في شروط إيران بداية جادة.
وقال دي روش: «للوهلة الأولى، على الأرجح لا؛ ستُعتبر استسلاماً».
لكنه أشار إلى تخلي إيران الظاهر عن مطالب التعويضات الحربية كعلامة على وجود تحرك.