ما الذي ستعنيه حرب مطوَّلة بالنسبة إلى السودان؟ ما هي تبعات استمرار الحرب على السودان؟

تصاعد الخطاب حول حرب السودان المستمرة إلى مستوى جديد من الحدة بعد إعلان قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ«هميدتي» أن مقاتليه مستعدون «للمضي قتالاً حتى عام 2040 إن لزم الأمر». وجاءت تصريحاته بعد أيام من تأكيد منافسه، رئيس أركان الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، عزمه مواصلة القتال حتى يُطهر السودان من قوات الدعم السريع، مع تقدير بامكانية استمرار الحرب حتى عام 2033.

تبدو المعركة لدى الطرفين على نحو متزايد كصراع طويل الأمد من أجل البقاء والسيطرة، والعواقب المحتملة لذلك ستكون مدمرة. وحذّر ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، لوكا رندا، من أن «كلما طال أمد الحرب ازدادت البؤس»، ووصف الصراع بأنه «اقتصاد المعاناة».

تشير تقديرات تقرير مشترك أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية إلى أن أكثر من 150 ألف شخص قُتلوا منذ اندلاع القتال في 2023. وشرد ما يقرب من 15 مليون شخص، ويواجه ما يصل إلى 24 مليون حالة نقص غذائي، ويعجز ما لا يقل عن 19 مليون عن الوصول إلى مياه شرب وآليات صرف صحي آمنة.

الواجهة المؤسسية في السودان على شفا الانهيار: الحوكمة مشلولة، وأنظمة الصحة والتعليم تحطمت، والأسواق مهدمة، والإنتاج في الزراعة والصناعة والخدمات متراجع بشدة.

الأثر الاقتصادي
يفترض السيناريو القاتم للحرب الممتدة حتى 2030 أن الناتج المحلي الإجمالي للسودان في 2043 سيكون أقل بنحو 34.5 مليار دولار مقارنة بما كان سيكون عليه في غياب الحرب، وسينخفض نصيب الفرد من الدخل بنحو 1,700 دولار، وفي هذه الحالة سيعيش أكثر من 60% من السكان في فقر مدقع. وأضاف رندا أن «حرب تدوم حتى 2030 ستدفع 34 مليون شخص إضافي إلى الفقر المدقع — أي ما يعادل كامل سكان غانا». وأوضح أن فرق 1,700 دولار للفرد «هو الفارق بين أن تكون الأسرة قادرة على شراء الطعام أو لا، وبين أن يكون الطفل مُرسلاً إلى المدرسة أو مُجبرًا على العمل».

يقرأ  الولايات المتحدة تستخدم حقّ النقض للمرة السادسة لرفض مطالبة مجلس الأمن بوقف إطلاق النار في غزةأخبار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

رغم الثروة الطبيعية الهائلة للسودان — من نفط وذهب وأراضٍ زراعية من بين الأكثر خصوبة في أفريقيا — فقد أضعفت الحرب البنية التحتية اللازمة لإدامة الاقتصاد. كما قال رندا: «الموارد الطبيعية لا تطعم الناس بمفردها، وكل عام من الحرب يبعد هذه الموارد عن متناول الجميع».

انهيار الرعاية الصحية
تشير مؤشرات القطاع الصحي إلى أزمة طويلة الأمد أشد خطورة. فقد أصبحت نسبة تتراوح بين 70 و80 في المئة من المرافق الصحية في مناطق النزاع غير قادرة على العمل بسبب الهجمات المستهدفة والنهب. وثّق التقرير ما لا يقل عن 145 هجومًا على مرافق طبية وعاملين صحيين، مما ترك نحو 65% من السكان بلا وصول كافٍ للرعاية الطبية. وفي الخرطوم تعمل مستشفى واحد من كل أربعة فقط.

كانت الوفيات بسبب الأمراض غير السارية كأمراض القلب والسكتة الدماغية في ارتفاع قبل الحرب، لكنها تفاقمت بعد تصاعد القتال، مع تقديرات بأكثر من 61 ألف وفاة بين أبريل 2023 ويونيو 2024 فقط. ومن المتوقع أن يتدهور معدل وفيات الأطفال الرضع بشكل كبير، بحيث يصبح السودان من بين أسوأ الدول منخفضة الدخل أداءً في أفريقيا بحلول 2043. وحذرت الدكتورة آثار عبد الله محمد، المقيمة في طب المجتمع بمجلس التخصصات الطبية السوداني، من أن انهيار أنظمة الرعاية الصحية قد يترك آثارًا ممتدة لسنوات بعد انتهاء الحرب: «طفل يفوته التطعيم اليوم قد يكون سببًا في وباء يمكن تلافيه بعد سنوات».

جيل ضائع
تشكل التعليم وأنماط النزوح مؤشرات إنذار متساوية الخطورة: 19 مليون طفل في سن المدرسة تعطلت تعليمهم، ولا يزال واحد من كل خمسة مدارس مفتوحًا فقط. ويقول رندا: «نتحدث عن جيل ضائع». ويضيف أن النزوح يسرّع من انهيار الدولة، فحين يفرّ الأطباء تُغلق العيادات، وحين يرحل المعلمون تُغلق المدارس. النزوح لا يقتلع الناس فحسب، بل يدمر المجتمعات والنسيج المؤسسي للدولة، مما يصعّب إعادة البناء.

يقرأ  البحرين: تضرُّر محطة تحلية مياه جراء هجوم بطائرةٍ مُسَيَّرَةٍ إيرانية — أخبار الحرب الأمريكية‑الإسرائيلية ضد إيران

إمكانية التعافي
يرى رندا أن التعافي لا يزال ممكنًا إذا انتهت الحرب ونُفذت إصلاحات واسعة، إذ يبيّن سيناريو «سودان قائم» المبني على السلام وإصلاح الحوكمة وإعادة الإعمار الاقتصادي أن الناتج المحلي الإجمالي قد يصل إلى 58.2 مليار دولار بحلول 2043 — أي أعلى بنحو 20 مليار دولار من المسار الحالي. وقد تتسارع معدلات النمو الاقتصادي إلى نحو 5% في المتوسط، وقد يُخرج 17.3 مليون شخص من دائرة الفقر المدقع. وقال رندا: «نماذجنا تبين ما يمكن تحقيقه بسلام هذا العام واستثمارات جادة»، مضيفًا أن ذلك يتطلب عملا استمراريًا عبر جيل لكنه يقدم سببًا للأمل وحجة لا تقبل الجدل لبذل كل ما يمكن لإنهاء الحرب الآن.

لا تزال جهود التعافي الجارية تُحيي بصيص أمل لدى الدكتورة آثار، التي تأمل أن تُستغل هذه الجهود في استعادة الأمل والحفاظ على ما تبقى والمساهمة في بناء نمو مستدام. لكنها تحذر أيضاً من أن المسار الحالي يقود السودان إلى نقطة حرجة إذا لم تُحفظ الخدمات الأساسية: «السودان لا يستطيع الاستمرار بهذا المعدل». وأكدت أن «نتيجة المدى البعيد تعتمد بدرجة كبيرة على ما إذا اتُّخذت الآن خطوات للحفاظ على الخدمات الأساسية والاستثمار في التعافي قبل أن يصبح الضرر لا رجعة فيه. آمل حقًا أن تنتهي الأزمة قريبًا حتى تنعم بلادنا بالسلام وتستعيد ازدهارها».

خلاصة
مع إعلان كل من حميدتي والبرهان جهوزيتهما سنوات — وربما عقودًا — من الصراع، يواجه السودان خطر الانزلاق في حلقة من انهيار الدولة والدمار الاقتصادي والكارثة الإنسانية قد تطبع حياة جيل كامل.

أضف تعليق